رؤى

المركزي المصري يرفع توقعاته.. لمعدل التضخم السنوي

في ظل التداعيات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، تسعى الحكومة المصرية إلى الحفاظ

على الاستقرار النقدي والمالي. وقد أظهرت بيانات رسمية حديثة قدرة نسبية للاقتصاد المصري على امتصاص الصدمة، ومن المتوقع استمرار الضغوط خلال ما تبقى من العام الجاري.

البنك المركزي المصري رفع تقديراته لمعدل التضخم السنوي خلال الفترة المقبلة من نحو 11% إلى متوسط يقترب من 17%، متوقعا تسارع الضغوط السعرية بداية من الربع الثاني من العام الجاري وحتى نهايته، نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار السلع والطاقة بفعل الحرب الإقليمية.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تباطؤا طفيفا في التضخم خلال أبريل الماضي، حيث سجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9% مقارنة بـ15.2% في مارس، بينما تباطأ التضخم الشهري إلى 1.1% مقابل 3.2% في الشهر السابق، مدعوما بانخفاض نسبي في وتيرة ارتفاع أسعار النقل والرعاية الصحية.

وفي ضوء هذه التطورات، أبقت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير، ليستقر سعر الإيداع عند 19%، والإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%، في محاولة لتحقيق توازن بين كبح التضخم والحفاظ على النشاط الاقتصادي.

على صعيد النمو، خفّض البنك المركزي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.9% خلال العام المالي الحالي، و4.8% خلال العام المقبل، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 5.1% و5.5% على التوالي.

وقد سجل الاقتصاد المصري نموا قُدر بنحو 5% خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026، مقارنة بـ4.8% خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مستفيدا من تحسن أداء قطاعات قناة السويس والسياحة والتشييد والبناء والأنشطة غير البترولية.

في مقابل المخاوف التضخمية، أظهرت مؤشرات القطاع الخارجي قدرا من التماسك إذ ارتفعت الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي إلى مستوى قياسي تجاوز 53 مليار دولار، كما استعاد الجنيه المصري جزءا من خسائره الأخيرة.

وأكدت وكالة Fitch Ratings أن مرونة سعر الصرف ساعدت مصر على امتصاص خروج استثمارات أجنبية غير مباشرة تجاوزت 10 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب، مشيرة إلى أن البنك المركزي تجنب التدخل المباشر لدعم العملة، الأمر الذي عزز مصداقية السياسة النقدية وحدّ من استنزاف الاحتياطات.

وأوضحت الوكالة أن صافي الاحتياطيات الدولية ظل مستقرا رغم التوترات، مع عدم ظهور فجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار، لكنها حذرت في الوقت ذاته من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الاحتياطات والتضخم وعجز تجارة الطاقة.

في السياق ذاته، جدّد صندوق النقد الدولي دعمه لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، مؤكدا أن مرونة سعر الصرف ورفع أسعار الطاقة وتوجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجا ساعدت البلاد على احتواء جانب من تداعيات الحرب.

وقالت مديرة الصندوق غورغييفا إنها ناقشت مع الرئيس المصري التأثيرات العالمية للحرب الإيرانية، مؤكدة استمرار دعم المؤسسة الدولية لمصر.

وفي الإطار نفسه، بدأت بعثة الصندوق المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، تمهيدا لصرف شريحة جديدة من التمويل ضمن برنامج التسهيل الممدد البالغة قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار، إضافة إلى تمويلات أخرى مرتبطة ببرنامج المرونة والاستدامة.

وقد استفادت مصر من تحسن نسبي في ثقة المستثمرين لطرق أسواق الدين الدولية مجددا، حيث نجحت في إصدار سندات اجتماعية دولارية بقيمة مليار دولار لأجل ثماني سنوات بعائد نهائي بلغ 7.625%.

وشهد الإصدار طلبات اكتتاب تجاوزت 3.9 مليارات دولار، في إشارة إلى استمرار شهية المستثمرين تجاه الديون المصرية رغم اضطرابات الأسواق الناشئة والتوترات الجيوسياسية.

كما تمكنت الحكومة خلال الأشهر الماضية من جمع ملياري دولار من أسواق الدين الدولية، وهو ما يمثل نصف مستهدفاتها التمويلية الخارجية للعام المالي الجاري.

رغم المؤشرات الإيجابية المتعلقة بالاحتياطيات الأجنبية وتحسن أداء الجنيه وارتفاع الطلب على السندات المصرية، فإن الضغوط التضخمية لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.

وتبقى أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب احتمالات استمرار الحرب أو اتساع نطاقها، عوامل رئيسية قد تؤثر على معدلات التضخم والنمو وحركة رءوس الأموال.

وفي المقابل، تراهن السلطات المصرية على استمرار مرونة سعر الصرف، وتحسن إيرادات السياحة وقناة السويس، وزيادة تحويلات العاملين بالخارج، إلى جانب استمرار دعم المؤسسات الدولية، من أجل عبور المرحلة الحالية بأقل الخسائر الممكنة.

وما زالت الحكومة المصرية تضع مزيدا من الضغوط على كاهل الطبقات محدودة الدخل، دون النظر إلى العواقب الوخيمة المترتبة على ذلك.. حيث تضيع الوعود سدى، ويتضاءل الأمل في الخروج من نفق الأزمات الاقتصادية الطويل الذي يراه المصريون بلا نهاية.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى