رؤى

هآرتس: إيران لا تتأثر بتهديدات ترامب.. وتثبت واقعا جديدا في الخليج

تسفي برئيل 19/5/2026

مقدمة أصوات:

يطرح برئيل في هذا المقال رؤيته حول الموقف الإيراني الذي يراه أفضل من مواقف كافة الأطراف المعادية له، بعد نجاح طهران في ربط الملف النووي بضمانات أمنية وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، وتحويل المضيق إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية عالمية. كما يرى الكاتب أن دول الخليج تخشى من تداعيات أي تصعيد جديد، خاصةً مع تهديد إيران باستهداف منشآت حيوية وبنى تحتية استراتيجية فيها. وأشار برئيل إلى أن التطورات الأخيرة كشفت عن محاولات إيرانية لكسر الحصار الأمريكي عبر ممرات بحرية وبرية جديدة تربطها بباكستان وتركيا وروسيا والصين، ما يمنح اقتصادها قدرة أكبر على الصمود ويقلل من فعالية العقوبات الغربية.

المقال:

“الوقت ينفد”، هكذا هدد دونالد ترامب. “عليهم الإسراع وإلا لن يبقى لهم شيء”. يصعب حصر عدد المرات التي وجّه فيها الرئيس الامريكي التهديدات لإيران منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 8 نيسان الماضي، الذي كان من المفترض أن يستمر أسبوعين. وقد مرت ثمانية أسابيع منذ ذلك الحين. أمس (الإثنين) قدمت باكستان نسخة “معدَّلة” من المقترح الإيراني السابق، الذي رفضه ترامب بشكل قاطع، والعالم ينتظر من جديد رده.

حسب مصادر مطَّلعة على المقترح؛ فإن هذه ليست مواقف جديدة، بل هي كما يبدو مزيج من مقترحات ترامب ومقترحات إيران بطريقة لا تقسم النقاش حول القضايا الجوهرية إلى قسمين منفصلين، بل تسمح بالتفاوض حولها جميعها في إطار واحد. إذا كان هذا هو جوهر المقترح فهو يهدف إلى تجاوز عقبة إجرائية، التي منعت إحراز تقدم في المفاوضات، والتي صممت إيران في إطارها على مناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز أولا، والحصول على تعهدات وضمانات من الولايات المتحدة وإسرائيل بالامتناع عن أي هجوم، والإفراج عن الأموال المجمَّدة في البنوك الأمريكية وفي أرجاء العالم.

طرحت إيران الاتفاق على هذه البنود، شرطا مسبقا لمناقشة الملف النووي الذي يتضمن نقل اليورانيوم المخصب بمستوى 60% إلى خارج إيران، والتصميم على حقها في تخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض 3.67%. وإذا تُوصِّلَ إلى اتفاق حول “جدول الأعمال” للمفاوضات فقد يُمهِّد ذلك الطريق أمام الطرفين لاستئناف المحادثات المباشرة بهدف صياغة اتفاقيات ثنائية بالتدريج، وبالتالي منع استئناف الحرب.

لقد حققت إيران إنجازا مهما جدا بتحويلها قضية مضيق هرمز إلى تهديد سياسي واقتصادي عالمي. الأمر الذي -إلى جانب هجماتها على دول الخليج- خلق رادعا أثبت فعاليته حتى الآن. فبعد أن كان مضيق هرمز وحرية الملاحة في الخليج غير مطروحة على الإطلاق قبل الحرب، أصبحت هذه القضايا تجبر الولايات المتحدة على اعتبار سيطرة إيران على مضيق هرمز قضية لا يمكن تجاهلها. وسيتطلب ذلك نقاش واتفاق، وربما حتى تنازلات بشأن الملف النووي.

حسب تقرير لـ “أكسيوس” نقلا عن مسئول أمريكي رفيع المستوى، فإن المقترح الإيراني المحدث غير كافٍ ولا يدخل أي تغيير جوهري مقارنة مع المقترح السابق، ولكن حسب نفس المسئول، “قد يشير تقديم المقترح المعدل إلى قلق إيران من استئناف الهجوم الأمريكي”.

مع ذلك إيران ليست وحدها التي تشعر بالقلق من استئناف الحرب. فدول الخليج في حالة تأهب قصوى تحسبا لهجوم، وحتى لو نُفِّذَ، فلن يضمن الاستسلام الكامل الذي يطمح إليه ترامب. هذه الدول لا تقتنع بالبيانات التي قدمها قائد القيادة الوسطى الأمريكية، الجنرال براد كوبر، في جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ يوم الخميس الماضي. وحسب كوبر فقد دمرت الولايات المتحدة حوالي 90% من الألغام البحرية التي كانت لديها التي يبلغ عددها 8 آلاف لغم، وحوالي 75% من مخزون الصواريخ البالستية والمسيرات والقدرات البحرية.

وقد أدركت دول الخليج بالفعل أن صاروخ واحد أو مسيرة واحدة تكفي لتدمير منشأة نفط كبيرة أو وقف إنتاج الغاز. إيران لا تخفي حقيقة أن قائمة أهدافها ستكون واسعة النطاق، بالضبط مثل الهجوم الأمريكي. محطات تحلية المياه التي توفر 90% من استهلاك دول الخليج للمياه، ومحطات الطاقة النووية التي استهدفت في دولة الإمارات، ومحطات توليد الطاقة وغيرها من منشآت البنى التحتية المدنية، جميعها ضمن قائمة الأهداف “المشروعة” التي تقول إيران بأنها لن تتردد في مهاجمتها. وهذا ليس مصدر القلق الوحيد.

عندما يقول ترامب بأن “الوقت جوهري” فإنه يشير بالدرجة الأولى إلى التطورات الحاصلة في الخليج العربي وكسر الحصار الذي فرضه على إيران. وفي نهاية الأسبوع الماضي مرت 30 سفينة -معظمها صينية- من مضيق هرمز، 4 منها تحمل حوالي 2 مليون برميل نفط من العراق، إضافة إلى ناقلات غاز مسال من قطر إلى باكستان. وبالمقارنة مع 120 سفينة تمر في المضيق كل يوم في الأيام العادية، فإن هذا يعتبر عددا قليلا لا يكفي لاستبدال خط الملاحة هذا، لكن جدير بالذكر أن الإدارة الأمريكية غير متحمسة لسد هذه الثغرة ومواجهة السفن التي ترفع العلم الصيني. في نفس الوقت أعلنت إيران أنها تتفاوض مع سلطنة عمان لصياغة بروتوكول مشترك لعبور السفن، وأن “دول أخرى تتفاوض مع إيران حول اتفاقيات لعبور سفنها” وفقا للشروط التي تفرضها، والتي تشمل دفع رسوم “خدمات خاصة”.

في يوم السبت غرَّد رئيس لجنة الأمن القومي في إيران إبراهيم عزيزي، بأن إيران تعد بروتوكولا مهنيا لإدارة الملاحة في مضيق هرمز، وستنشر تفاصيله في القريب.

في نهاية نيسان الماضي أعلنت باكستان، الوسيطة بين إيران والولايات المتحدة، عن فتح 6 معابر برية أمام حركة الملاحة، ويتوقع أن يعبر فيها 3 آلاف حاوية عالقة في ميناء كراتشي. وفي الأسبوع الماضي أجرى وفد إيراني مباحثات مع باكستان حول توسيع الربط بين ميناء تشابهار في إيران وميناء جوادر في باكستان، بما يسمح بتجاوز جزئي -على الأقل- للحصار البحري الأمريكي المفروض على الخليج الفارسي. هذه الطريق إذا فتحت على نطاق واسع قد تجعل باكستان مركزا لتسويق بضائع إيران، ومن هناك نقل الجزء الأكبر من التجارة -غير تجارة النفط- من دولة الإمارات التي كانت حتى الحرب ثاني أهم شريكة لإيران. لم تكسر دول الخليج الحصار حتى الآن، وحسب المعلومات المتوفرة فهي لا تتفاوض مع إيران حول ترتيبات العبور، لكن الوقت لا يتوقف بالنسبة لها ايضا.

تكشف خارطة طرق النقل البرية المتاحة لإيران عن وفرة بدائل قائمة، وأخرى قد تنشأ، بما في ذلك الممر الشمالي/الجنوبي الذي يربط الهند عبر إيران بالقوقاز وروسيا، خط سكة حديد الشحن بين شيان في الصين وبين إيران، الذي زاد عدد رحلاته من مرة واحدة في الأسبوع إلى 3 – 4 مرات في الأسبوع، وطرق النقل التي تربط إيران بالدول التي تطل على بحر قزوين. أيضا قد يتحوَّل خط سكة الحديد بين إيران وتركيا، الذي عانى حتى الآن من صعوبة فنية وإدارية، إلى طريق رئيسة بديلة، في حين ما زال مصير الاتفاق الموقع في نهاية السنة الماضية لإنشاء خط سكة حديد متطور سريع جدا بين الدولتين، بتكلفة 1.6 مليار دولار، غير واضح.

هذه الطرق البرية تربط إيران بدول مثل الصين وروسيا، غير الملتزمة بالعقوبات الأمريكية، وبدول تطبق العقوبات جزئيا، بما فيها باكستان وتركيا والدول المطلة على بحر قزوين. ولا يمكن لهذه الطرق حتى الآن أن تستبدل الطريق البحري الذي كانت إيران تسوق من خلاله حوالي 1.5 مليون برميل نفط كل يوم، معظمها للصين وبسعر أقل بكثير من سعر السوق. ولكنها سمحت للاقتصاد الإيراني بالاستمرار في العمل حتى تحت نظام العقوبات الصارم.

حسب دراسة أجراها مركز الإمارات للسياسات في بداية هذه السنة كان من المخطط له أن تشكل مداخيل النفط حوالي 15% فقط من الميزانية، وأن يكون باقي التمويل من الضرائب (حوالي 50%)، ومن بيع السندات وسحب الأموال من صندوق الادخار الوطني الذي تودع فيه فوائض عائدات النفط، مع العلم إنه لا توجد بيانات موثَّقة حول حجم الأموال المودعة فيه. لذلك فإن تقدير المخابرات الامريكية بأن إيران تملك “احتياطيا ماليا” يكفيها لثلاثة أو أربعة أشهر لا يعكس الواقع بالضرورة. فإيران لا تملك احتياطيا ماليا كبيرا فقط، بل إن قدرتها على استيراد وتصدير البضائع عن طريق البر قد تعزز مواردها المالية وتعطيها هامش أكبر مما يُقدِّر الغرب.

 

زر الذهاب إلى الأعلى