في كتابه القيِّم “الوعد الحق”، يورد عميد الأدب العربي الراحل الدكتور طه حسين، حوارا لافتا بين كل من أبي الحكم بن هشام الذي لقبه النبي الكريم بأبي جهل زعيم المشركين في مكة، وبين عمه الوليد بن المغيرة.
حيث يتوعد أبو جهل في تجمع لأثرياء مكة كل من يتبع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من حلفاء قومه من قبيلة بني مخزوم ومن عبيدهم وجواريهم بالتعذيب والتنكيل، وأن يجعل منهم أمثولة لمن تسوِّل له نفسه اتباع النبي.
وهو ما يرفضه الوليد بن المغيرة الأكثر عقلانية، وينهى ابن أخيه عن ذلك بقوله : “بئس والله ما تصنع يا ابن أخي، إنما يقيس القوي قوته إلى الأضراب -أي إلى من يماثله في القوة- والنظراء؛ فإما أن يقيسها إلى الأحلاف والرقيق والمستضعفين من الناس، فهذا والله الجبن والحمق”.

بعد ألف عام وأكثر من هذا الحوار، لا يزال منطق “الجبن والحمق” بمعنى الاستقواء على المستضعفين في الأرض هو السائد عند الغزاة الذين لا يقلون حمقا عن أبي جهل.
حيث ظهر وزير أمن دولة الاحتلال ايتمار بن غفير، في مقاطع مصورة وهو يقيم ما أسماه ساخرا “حفل استقبال” للمشاركين في أسطول الصمود وهو أسطول مكوّن من قوارب عدة وجنسيات شتى بهدف كسر الحصار البحري الصهيوني المفروض على قطاع غزة وإيصال مساعدات إنسانية للسكان هناك.
ظهر بن غفير الذي لم يجرؤ على أن يخطو خطوة باتجاه قطاع غزة طوال عامين كاملين من القتال العنيف هناك, ولم يقرب من جنوب لبنان حيث لا يزال القتال مستمرا رغم كافة دعواته للاستيطان هناك، ظهر منتشيا بإهانة ومحاولة إذلال المشاركين في أسطول الصمود بعد أن اعتقلتهم قوات الاحتلال ونقلتهم الى مرفأ أسدود.
بدا بن غفير وهو يستأسد على مشاركين عزل من السلاح، ويأمر جنده بضربهم وسحلهم لمجرد هتافهم بالحرية لفلسطين، ولم يحاول حتى أن يخفي تشفيه بهم؛ بل زاد على ذلك بتصريح له طلب فيه من رئيس حكومته “أن يعطيني إياهم لفترة داخل السجون” بعد أن وصفهم بأنهم “مناصرون للإرهاب” على حد تعبيره.
وعلى عكس ما تصوّر بن غفيرـ لم تفت هذه الممارسات في عضد المشاركين في أسطول الصمود، الذين عادوا إلى بلادهم أكثر إصرارا على الاستمرار في دعم قطاع غزة وأهله، ومحاولة فك الحصار عنهم، خاصة بعد أن زادت هذه الممارسات من التعاطف الشعبي معهم في بلدانهم الأصلية.
وعلى العكس أيضا مما أراده بن غفير، لم تعكس هذه المشاهد صورة “قوة” صهيونية تجعل المتعاطفين مع القضية الفلسطينية يخشون تكرار تجربة “أسطول الصمود”؛ بل شكّل “حُمق” بن غفير -بتعبير الوليد بن المغيرة- مصدر إحراج شديد لدولة الاحتلال.
فبعد بضع ساعات لا أكثر -من بث هذه المشاهدـ أدانت 24 دولة الكيان الصهيوني عقب نشر بن غفير فيديو يوثق التنكيل بناشطي أسطول الصمود.
كما استدعت تسع دول هي: نيوزلندا، كندا، بلجيكا، فرنسا، إيطاليا، البرتغال، هولندا، إسبانيا وأستراليا سفراء دولة الاحتلال لديها لجلسة توضيح استفسار، على خلفية فيديو بن غفير ضد نشطاء الأسطول البحري.
وطالبت الخارجية البولندية بمنع دخول بن غفير -الذي أدانته محكمة صهيونية عام ٢٠٠٧ بتهمة الارهاب- أراضيها بسبب انتهاكاته ضد نشطاء أسطول الصمود.
وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنه قد طلب من مسئولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي مناقشة فرض عقوبات على الوزير بن غفير.
وعبثا حاولت الحكومة الصهيونية أن تباعد بين ذاتها وبين ممارسات بن غفير.. إذ صرّح وزير الخارجية الصهيوني جدعون ساعر: قد تسبب بن غفير -عن علم- بإلحاق الضرر بالدولة من خلال هذا المشهد المشين، وأهدر جهودا هائلة ومهنية وناجحة بذلها كثيرون جدا.
لكن هذا الموقف -فيما يبدو- لم يقنع أحدا، حيث اتسعت رقعة الاستدعاءات الدبلوماسية وزادت قائمة الدول التي استدعت سفراء لـ “محادثات توبيخ” بحسب تعبير قناة كان العبرية.
وبشكل لا يخلو من السخرية المريرة، كتب المعلق الصهيوني بن كاسبيت ليقول : “فجأة فهمت! بن غفير وسموتريتش لا يريدان توفير الأمن لنا، إنهما يريدان أيضا ترتيب مذكرة اعتقال دولية لنا جميعا” في اشارة إلى مذكرات الاعتقال التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية بحق عدد من قادة دولة الاحتلال.
إن منطق “الجبن والحمق” المشار إليه في بداية هذا المقال، هو منطق كل من لا يستطيع المواجهة في الميدان، فيستعيض عن ذلك باستعراض لقوة وهمية على حساب من يظنهم أضعف منه.
وللتذكير فقط، فإن أبو جهل الذي استخدم هذا النهج لسنوات ضد المؤمنين الاوائل، أورد قومه مورد الهلاك حين أصر على مواجهة المؤمنين في معركة بدر؛ فسقط صريعا على يد من عذَّبهم بيديه ذات يوم، وسقط معه 70 من سادة قومه.
وليس من المستبعد، أن يورد “أبو جهل” هذا العصر، المعروف رسميا باسم “ايتمار بن غفير” قومه ودولته بسبب جبنه وحمقه وعنصريته المقيتة إلى مصير مشابه.








