رؤى

ما بعد الطوفان.. في مديح “أهل الثغور”

الثَّغْرُ والثَّغْرَةُ في اللغة العربية: كُلُّ فُرْجَةٍ في جبل أَو بطن واد أَو طريق مسلوك، والثغور في تراث هذه الأمة هي حدودها، لا سيما تلك الملاصقة لأراضي عدوها المتربص بها.

وتحفل كتب التراث -لا سيما كتب الفقه- بالحديث عمن تسميهم “أهل الثغور” بمعنى المرابطين عليها والساهرين على حمايتها من العدو.

وتنقل كتب الحديث الشريف  ومنها سنن الإمام النسائي عن النبي الكريم، أحاديث عن فضل أهل الثغور ورباطهم، وقد اختص حفيد النبي الإمام علي زين العابدين والملقب بالسّجَّاد “أهل الثغور” بدعاء لهم هو الدعاء السابع والعشرون من أدعية كتابه المعروف باسم الصحيفة السجّاديّة.

وعرف الإمام في مستهل دعاء اهل الثغور بأنهم “أيّما مسلمٍ خلّف غازيا أو مرابطا في داره، أو تعهّد خالفيه في غيبته، أو أعانه بطائفةٍ من ماله، أو أمدّه بعتاد، أو شحذه على جهاد، أو اتّبعه في وجهه دعوة”.

وقد حفلت كتب التاريخ بالحديث عن صفات هؤلاء المرابطين٫ من حذر ويقظة عالية إلى زهد واقتصاد في المأكل والمشرب إلى المبادرة في الزحف على العدو لصده عن الثغور وحماية أهلها إلى الاستخفاف بالموت والسعي لإحدى الحسنين: النصر أو الشهادة.

ومخطئ من يتصور أن هذه الصفات هي لجيل مضى وانقضى؛ بل هي لا تزال واقعا معاشا، جَسَّده ولا يزال يُجسِّده شباب المقاومة؛ خاصةً في قطاع غزة المحاصر بشهادة العدو ذاته، الذي بدا اعلامه وكأنه يطبق حرفيا المثل العربي القائل “الحق ما شهدت به الأعداء”.

حيث أفردت القناة ١٢ في التلفزة العبرية تقريرا مُطولا عمن أسمتهم آخر المسلحين في منطقة بيت حانون في قطاع غزة والذين وفقا للتقرير لم يزد عددهم عن خمسة مقاومين.

وقال التقرير إن هؤلاء المقاومين خرجوا من باطن الأرض في قلب بيت حانون، وسعوا للهجوم على موقع لجيش الاحتلال في شمال قطاع غزة، وهي معركة أسفرت عن استشهادهم.

وفي أعقاب استشهادهم “عُثر على وثيقة مهمة كانوا قد كتبوها، تكشف ما مروا به وكيف تصرفوا، كما صودرت منهم مذكرات عمليات شخصية دوّنوها، تُفصّل ما مروا به وكيف نجوا حتى تلك اللحظة طوال سبعة أشهر في الأنفاق التي لا تزال قائمة تحت أنقاض بيت حانون”.

وتكشف الوثيقة المُشار إليها، أن المقاومين الخمسة “لأشهرٍ طويلة، اقتاتوا على التمر والقليل من الطعام الذي استطاعوا جمعه” كما أنهم اكتفوا بالقليل من المياه لسد عطشهم.

ورغم أنهم كانوا -وفقا للتقرير- “جائعين منهكين” كما أن أغلب رفاقهم قد نالوا الشهادة قبلهم، إما في قصف جوي للعدو أو في مواجهات مسلحة مع قوات الاحتلال؛ فإنهم رفضوا الخروج وتسليم سلاحهم.

وفي مواجهتهم الأخيرة، قرر المقاومون الخمسة، وهم قائد إحدى سرايا المقاومة في تلك المنطقة ومعه أربعة من مرافقيه- مغادرة النفق والتقدم نحو قوات جيش الاحتلال في هجوم كانوا يدركون تمام الإدراك أنه سينتهي باستشهادهم.. وهو ما حدث بالفعل.

وأكد تقرير القناة العبرية أن المواجهة مع المقاتلين الخمسة حدثت في شهر فبراير ٢٠٢٦، لكن المواجهة مع إيران طغت على تلك الأحداث في الإعلام، بحيث لم يُكشف عن تلك المواجهة إلا مؤخرا من قِبَل جيش الاحتلال.

والحق أن هذا التقرير التلفزيوني.. وإن كان من إعداد إعلام العدو؛ لهو أكبر شهادة لهؤلاء المقاتلين.

والسؤال الذي يطرح ذاته بقوة بعد كل ما سبق: هل يمكن حقا لمن يتصفون بهذه الصفات، من يتحملون الجوع والعطش ونقص القوت وحياة الخنادق تحت باطن الأرض ويفضلون الموت على رفع راية بيضاء أو إلقاء السلاح.. هل يمكن حقا لمرابطين كهؤلاء أن يقبلوا بفكرة “تسليم سلاح المقاومة” التي يطالب بها العدو؟ أو قل: التي يُمنِّي نفسه ويوهم شعبه بها؟

زر الذهاب إلى الأعلى