رؤى

قصة قمتين: الرئيس الصيني هو مُخرج العرض الآن

ترجمة: أحمد بركات

كان أسبوعا حافلا وأياما لها ما بعدها في الصين، حيث استقبلت العاصمة بكين زيارتين متعاقبتين لرئيسي الولايات المتحدة وروسيا.

وخلال الزيارتين قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بواجبات الضيافة والاحتفاء بالزعيمين الكبيرين خير قيام، فدوت الطلقات النارية لتقديم التحية العسكرية، والتُقطت الصور، وأجريت المحادثات رفيعة المستوى.

كان لكل زيارة أهميتها الخاصة، حيث كانت زيارة الرئيس الأمريكي هي الأولى له إلى بكين منذ عام 2017، في وقت تشهد فيه العلاقات الصينية الأمريكية توترا بالغا، حيث تخوض واشنطن حربا في الشرق الأوسط، وتمر سياستها الخارجية بتحولات هيكلية في عهد رئيسها ترامب.

أما عن الرئيس الروسي، فقد كانت تلك الرحلة هي زيارته الرسمية الخامسة والعشرين للصين، بهدف ترسيخ التحالف الاستراتيجي بين الصين وروسيا على نحو أعمق، وسط حالة عدم اليقين التي تغشى العالم.

إلى ذلك كان بوتين حريصا أيضا على تأمين شريان الحياة الاقتصادي وتعزيز الغطاء الدبلوماسي اللذين تمده بهما الصين في الوقت الذي تزداد فيه ضراوة حربه مع أوكرانيا.

وبينما لا ينبغي المبالغة في تأويل توقيت الزيارتين المتعاقبتين، حيث جزمت موسكو بأنه “ليس ثَم رابط” بينهما، إلا أنهما تكشفان بامتياز عن تحول بنيوي عميق في السياسة العالمية.

مؤشر ثقة بكين في صعود

في المقام الأول، لم تعد الولايات المتحدة الدولة الأكثر أهمية في الرؤية العالمية الاستراتيجية للصين، وهو ما ترغب بكين في إبرزه على نحو متزايد كلما وجدت إلى ذلك سبيلا.

كان هذا جليا في ديناميكية الجسد التي عمد إليها الرئيس الصيني، وأسلوبه  في التفاوض مع نظيره الأمريكي. فمن المصافحة من مسافة بعيدة إلى حد ما، إلى لغة الجسد المهيمنة على مدار الاجتماعات، أرسل شي رسالة واضحة، مفادها: ” لقد باتت قدرة واشنطن على التأثير في بكين محدودة”.

وعززت النتائج المتواضعة للقمة الصينية الأمريكية تلك الديناميكية، حيث غادر ترامب الصين دون إبرام اتفاقية رسمية واحدة، أو إجراء مؤتمر صحافي واحد، أو حتى إصدار بيان مشترك. كما لم تتمخض القمة عن أي انفراجة على مستوى إيران أو تايوان.

في المقابل، التقى بوتين “الصديق الحميم القديم” شي، وعاد إلى بلاده محملا بـ 20 اتفاقية من التجارة إلى التكنولوجيا.

وتمثلت اللحظة الأكثر إثارة للدهشة، أو ربما للتوتر، في استدعاء شي لفكرة “فخ ثوسيديدس” خلال لقائه بترامب، والتي تشير إلى حتمية التهديد الذي تفرضه القوة الصاعدة على القوة الراسخة، ما قد يؤدي إلى نشوب حرب بينهما.

في هذا السياق طرح شي سؤالا محددا وحاسما، وهو: “هل يمكن أن تتجاوز الصين والولايات المتحدة ما يُسمى بـ”فخ ثوسيديدس”، وتبنيان معا نموذجا جديدا للعلاقات بين القوتين العظميين؟”.

لم تكن هذه المرة هي الأولى التي يستخدم فيها شي هذا التصور في العلاقات الخارجية، ولكن لغته الحاسمة وأسلوبه المباشر في تلك المرة أرسل تحذيرا سافرا بأن الولايات المتحدة تخاطر بخلق أزمة كبيرة إذا واصلت اعتمادها استراتيجية الكبح والتطويق في مواجهة الصعود الصيني.

واختصارا، فقد عمدت بكين إلى استغلال الزيارة الرسمية الأولى للرئيس الأمريكي في ولايته الجديدة للتعبير عن زيادة الثقة والاعتداد بالنفس، وتأكيد استقلاليتها الكاملة عن أي نفوذ أمريكي، والإشارة بجلاء إلى أن واشنطن ليست العاصمة الوحيدة التي تهم الصين.

روسيا تمثل فائدة جديدة للصين

ثانيا، لم يعد التحالف بين الصين وروسيا تحالفا بين قوتين متكافئتين، ولكنه -برغم ذلك- يكتسب عمقا استراتيجيا أكبر, حيث توظفه بكين الآن للضغط على القيادة الأمريكية.

فخلال جولتهما الخاصة في حديقة مجمع تشونغنانهاي، بكل ما ينضوي عليه من سرية ورمزية سياسية، في الأسبوع الماضي، سأل ترامب مضيفه عما إذا كان معتادا على اصطحاب القادة إلى هذا المكان، فإجابه شي بأن تلك الزيارات “نادرة للغاية”، قبل أن يضيف: “ولكن بوتين جاء إلى هذا المكان”.

يبدو للوهلة الأولى أن الرئيس الصيني يشير ببساطة إلى عمق العلاقة الشخصية التي تربطه ببوتين، ولكن قراءة تلك العبارة في السياق الجيوسياسي الراهن يضفي عليها معنى أعمق، وهو أن “الشراكة غير المحدودة” بين الصين وروسيا تتجاوز حدود الخطابة، في إشارة إلى أن موسكو لا تزال شريكا استراتيجيا مميزا، وأن الصين لا يزال لديها خيارات أخرى.

أما الرسالة الأكثر عمقا على الإطلاق، فمفادها أنه إذا سعت واشنطن إلى عزل الصين، فبإمكان بكين أن تتكئ بقوة أكبر على علاقاتها مع موسكو.

ليست الصين بحاجة إلى مساعدة روسيا في الانتصار في أوكرانيا لتوضيح ذلك الأمر، ولكن ما يهم هو أن بكين لديها القدرة ـإذا ما أرادت- على تعزيز الجهد الحربي الروسي من خلال التعاون الاقتصادي والدبلوماسي فضلا عن التعاون طويل الأمد في مجالات التكنولوجيا والطاقة.

كما أن النفوذ الصيني يمتد الآن إلى ما هو أبعد بكثير من منطقة المحيطين الهندي والهادي، ويصل إلى أوروبا على نحو لا يمكن لواشنطن تجاهله.

ورغم ذلك، لم يلب شي كل مطالب الرئيس الروسي خلال لقائهما. ففي خضم العاصفة التي تجتاح الشرق الأوسط وتحول دون وصول الصين إلى النفط والغاز الشرق أوسطيين، شعرت موسكو بأن الفرصة سانحة للدفع قدما بفكرة مشروع خط أنابيب “باور أوف سيبيريا 2″، لنقل الغاز الروسي إلى الصين.

ورغم توصل الرئيسين إلى “تفاهم عام بشأن المحدِدات” الخاصة بالمشروع الجديد، إلا أنه لم يُوقَّع على اتفاق نهائي بهذا الشأن.

الصين الآن في مقعد القيادة

وثالثا، تنظر الصين إلى نفسها الآن باعتبارها مركز سياسات القوى العظمى.

فمنذ عقود طويلة، تربَّعت الولايات المتحدة على قمة “المثلث العظيم”، لتحقيق التوازن بين الصين والاتحاد السوفيتي، ثم روسيا بعد ذلك.

ولكن الموازين تغيَّرت اليوم، فقد شعر كل من ترامب وبوتين بضرورة القدوم إلى بكين من أجل تحقيق الاستقرار، وإرسال رسائل طمأنينة وإشارات استراتيجية، حتى برغم أنهما يواجهان أحدهما الآخر في صراع آخر.

ولكن الصين لا تمارس الدبلوماسية الثلاثية بمعناها الكلاسيكي، إذا لا تسعى إلى تأليب واشنطن وموسكو ضد بعضهما البعض، ولكنها -بدلا من ذلك- تضع نفسها في مركز النظام، حيث يجب أن تمر دبلوماسية القوى الكبرى، حتى لو كانت النتائج غير مؤكدة.

ولا تتبوأ الصين مكان الصدارة في تلك المنظومة الثلاثية لكونها تمتلك أقوى جيش أو أقوى اقتصاد، ولكن فقط لأن لديها الثقة الكاملة في التعامل مع الولايات المتحدة وروسيا وفق شروطها الخاصة.

رابط المقال الأصلي:

https://www.juancole.com/2026/05/hosting-trump-signals.html

 

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى