رؤى

هآرتس: نتنياهو وعد بالنصر وحقق الفشل وانتقل إلى سياسة المنطقة الأمنية

مقدمة أصوات:

يعكس مقال الكاتب الإسرائيلي نحاميا شترسلر في صحيفة هآرتس اليوم الثلاثاء، حالة متقدمة من القلق داخل بعض النخب الإسرائيلية تجاه حصيلة المواجهة الممتدة مع إيران، كما يكشف عن تصدع واضح في صورة التحالف بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. والمقال لا يكتفي بانتقاد الأداء السياسي والعسكري، بل يقدم ـ بصورة غير مباشرةـ شهادة على تحوّل استراتيجي إسرائيلي من فكرة “الحسم” إلى فكرة “الاحتواء الدفاعي”. ويؤكد نحاميا فشل الحرب على إيران، فشلا تاما فالبرنامج النووي الإيراني لم يُنهَ، وبرنامج الصواريخ الباليستية لم يُوقف، وشبكة الحلفاء الإقليميين لم تُفكك، والنظام الإيراني لم يسقط. ويضيف أن اتجاه نتنياهو إلى سياسة المنطقة الأمنية مجددا، سيعني حرب عصابات تشن على أكثر من جبهة على الجيش الإسرائيلي، ما يعني المزيد من القتلى في صفوفه.. و شهادة بنهاية سلبية لولاية نتنياهو.

المقال:

الحقيقة هي أن التعامل مع ترامب ليس بالأمر السهل. فهو متقلب المزاج وسريع الغضب. ويتخذ قراراته بدون تفكير. يهدد باستمرار، لكنه لا ينفذ أي انذار. في أحد الأيام في نيسان (أبريل) الماضي أعلن “ستباد حضارة بالكامل هذه الليلة”، وفي نفس الليلة أعلن عن وقف إطلاق النار. كرر مرارا وتكرارا أن ايران تتوسل من أجل التوصل إلى اتفاق، لكن هو الذي يخشى من العودة إلى ساحة المعركة. يقول شيء ونقيضه في نفس الجملة، إلى درجة السخافة. مثلا، “هناك احتمالية تبلغ 50%” حاول أن تعمل مع شخص كهذا.

لكن رغم ذلك نتنياهو مذنب بإهمال أي مصلحة إسرائيلية في اتفاق المبادئ الذي يصاغ في إيران. لسنوات هو يقول لنا أن ترامب صديقه المقرب. وإنه يتحدث معه كثيرا. عما يتحدث؟ عن العفو؟ في نهاية المطاف استبعده ترامب من المفاوضات وأهانه عندما قال: “بيبي سيفعل ما أقوله له”.

الخلاصة المؤسفة هي أنه في نهاية الجولة الثانية مع إيران ستخرج دولة آيات الله أكثر قوة. فحسب ما هو معروف حتى الآن هي لم تتنازل عن الملف النووي، ولم تلتزم بوقف تطوير الصواريخ البالستية، وهي ستتمكن من مواصلة دعم وكلائها، حزب الله والحوثيين. لذلك، يعتبر هذا اتفاق مبدئي كارثي بالنسبة لإسرائيل، اتفاق زاد سوء وضعنا. لقد تخلى ترامب عنا مثلما تخلى عن حلفاء آخرين في السابق. هو مستعد للدفع لإيران نقدا (بواسطة تسهيلات تجارية)، في حين تتعهد بتقديم التزامات بشان المستقبل بالآجل، شتان بين هذا وذاك.

لقد تراجع الرئيس الأمريكي ووافق على قبول اتفاق سيئ، لأن الولايات المتحدة غير مهددة، هي بعيدة جدا عن طهران، هذا كل ما في الأمر. كان موقف ترامب سيختلف كليا لو أن إيران كانت قادرة على تهديد نيويورك وواشنطن بالصواريخ.

لقد ارتكب ترامب أثناء المفاوضات كل الأخطاء الممكنة، وكان أكبرها وقف قصف إيران، وبعد ذلك المطالبة بتنازلات. لكن بمجرد التوقف عن التسبب بالضرر، يفقد المرء نفوذه. وبالفعل، بدلا من التنازلات، ستجري إيران الآن مفاوضات بطيئة يتحدث فيها الأمريكيون عن كبح المشروع النووي، بينما يستمع الإيرانيون ويسخرون ولا يوقعون على أي شيء.

يتفاخر ترامب ونتنياهو بالضرر الذي تسببوا فيه لإيران. صحيح أن هناك أضرار لحقت بالمنشآت النووية وصناعة الصواريخ، لكن إيران صمدت رغم الهجمات الكثيفة التي شنها أقوى جيش في العالم، الأمر الذي يعني أن الجولة الثانية للحرب ستنتهي مثلما انتهت الأولى في حزيران 2025 بدون التوصل الى قرار. وحتى ذلك الوقت تفاخر نتنياهو وترامب بانهم ألحقوا أضرارا بالمنشآت النووية وبرنامج الصواريخ، لكن إيران لم تهزم ولم يسقط نظام آيات الله ولم يُوقَّع على أي اتفاق. لذلك نحن وصلنا إلى جولة ثانية انتهت هي الأخرى فجأة بدون قرار أو إنجازات.

لم يحقق نتنياهو أي وعد من وعوده الفارغة. فلم يُقضى على المشروع النووي الإيراني، حماس تكتسب قوة في غزة وحزب الله لا ينزع سلاحه. لذلك انتقل الى الخطة الأخرى: منع غزو آخر مفاجئ لإسرائيل بواسطة العودة الى سياسة المنطقة الأمنية.

في جنوب لبنان يقيم الجيش شريط أمني بطول 10 كم، وفي سوريا أقيم شريط بعرض 15 كم، وفي قطاع غزة نسيطر على 58% من أراضي القطاع. هذه سياسة تنبع من الصدمة التي عانى منها نتنياهو في 7 أكتوبر. هذه سياسة ستؤدي بالتأكيد إلى حرب عصابات ضد الجيش الإسرائيلي وخسائر يومية فادحة. لقد تعلمنا هذا الدرس بالطريقة الصعبة عندما غرقنا في مستنقع لبنان مدة 18 سنة، سفكت فيها دماء كثيرة. فقد قتل 559 جندي في المنطقة الأمنية حتى الانسحاب المتسرع في العام 2000. وهذا ما ينتظرنا مرة أخرى في لبنان وسوريا وغزة، إضافة إلى تهديدات ايران: شهادة نهاية ولاية سلبية بشكل خاص لنتنياهو.

 

زر الذهاب إلى الأعلى