مقدمة أصوات: من وجهة نظر إسرائيلية “قُحَّة” تتجاهل الإبادة الجماعية التي نفذتها دولة الاحتلال بحق مئات الألوف من الشهداء والمصابين -معظمهم من الأطفال والنساء- يقدّم عاموس هرئيل، نقدا لسجل نتنياهو في حرب الألف يوم منذ طوفان الأقصى، ويفكك سرديته وسردية الليكود التي تستهدف تسويق نصر مزعوم للفوز بالانتخابات القادمة في أكتوبر القادم.
عاموس هرئيل،2 يوليو 2026
على الرغم من أن الموعد النهائي للانتخابات المقبلة للكنيست لم يُعلَن نهائيا بعد، فإنه من الواضح أن الحملة الانتخابية التي تسبقها باتت في ذروتها. ويدل على ذلك الظهور العلني المتكرر لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بما في ذلك زيارة نادرة نسبيا لاستوديوهات “القناة 14″، مساء أول أمس. وتحدث نتنياهو هذا الأسبوع أيضا خلال زيارة لجنود الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، وأمام جنرالات هيئة الأركان في نقاش أمني بُثّ جزء صغير منه، وفي مراسم الذكرى السنوية لقتلى عملية “الجرف الصامد” [العصف المأكول، سنة 2014].
إن القاسم المشترك بين كل هذه التصريحات والخطب والمقابلات متشابه، ويظهر أيضا في تصريحات أُخرى لأعضاء الائتلاف. فمع اقتراب الانتخابات، ينشغل معسكر نتنياهو الآن بخطوة مكثفة لإعادة هندسة التاريخ. وبما أن الحديث يدور حول تاريخ قريب نسبيا – إذ لم يمضِ سوى أقل من ثلاثة أعوام على “مجزرة” السابع من أكتوبر– يُبذل جهد خاص لطمس الذاكرة الحية للجمهور الإسرائيلي. ويبدو كأن نتنياهو يعتقد أن هذا ما سيحدد سقوطه، أو بقاءه في الانتخابات؛ لذلك، يحاول في الوقت ذاته، فصل نفسه عن أي مسئولية عن الإخفاقات التي قادت إلى “المجزرة” في بلدات غلاف غزة، ويضخم إنجازات الحرب المتعددة الجبهات منذ ذلك الحين (في الوقت الذي يطالب بالفضل الكامل عنها)، ويرشق بالطين كلّ مَن يهدده سياسيا، أو يختلف مع صدقية روايته.
أثارت تصريحات رئيس الوزراء بشأن التأثير الشخصي للحرب فيه، ومعاناة عائلته، وإنجازاته في المفاوضات بشأن الرهائن، القسم الأكبر من الغضب الموجّه إليه في الأيام الأخيرة. مازح نتنياهو في استوديو برنامج “الوطنيون” في “القناة 14″ بأنه فقد من وزنه بسبب الحرب، واشتكى من أن زوجته مرّت بـ”جحيم” بسبب تظاهرات الاحتجاج ضده (فإذا كان هذا ما مرّت به، فما الذي مرّ به الرهائن في غزة؟) وتفاخر مرة أُخرى بأنه أعاد الجميع إلى البيت. منذ فترة طويلة، لا يميز نتنياهو، عن قصد، بين الرهائن الأحياء والأموات، على الرغم من إعادة 20 رهينة أحياء و30 جثمانا في الصفقة الأخيرة التي فرضتها عليه الولايات المتحدة، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي.
وانضمت تصريحاته إلى الادّعاء الوقح الذي أطلقه الوزير بتسلئيل سموتريتش، ومفاده بأن الرهائن عادوا أصلا بفضله. وعندما تجرّأ اللواء احتياط نيتسان ألون، الذي شغل منصب رئيس قيادة الأسرى والمفقودين، على وضع الأمور في نصابها أمس في مؤتمر هرتسليا، جاءه على الفور الرد بشكل بيان منفلت وغاضب من كتلة “الليكود”. ألون تحدث عن سموتريتش، لا عن نتنياهو، لكن من الواضح أن “الليكود” يحدد نقطة ضعف في روايته بشأن هذه الأحداث، ويهاجم فورا وبكل قوة كلما تجرّأ أحد على عرض الحقيقة. وهذه الحقيقة، حسبما يعرف كل مَن شارك في المفاوضات، أو غطاها إعلاميا، بسيطة إلى حدّ كبير: قام نتنياهو -المرة تلو الأُخرى- وبضغط من سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير، بتأخير أي تقدّم ممكن في المفاوضات، لأنه خاف على مصير حكومته. صحيح أن “حماس” وضعت عراقيل من جانبها، لكن الأمر احتاج إلى تغيُّر موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وغضبه على نتنياهو في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر، لكي تُفرَض الصفقة. وبين انهيار الاتصالات السابقة والصفقة الثالثة النهائية، فقد نحو أربعين رهينة حياتهم.
كل الوسائل مباحة
مع التوجه نحو الانتخابات، لا تقتصر التحريفات على قضية الرهائن. فأول أمس، وفي الوسيلة الإعلامية المؤيدة له إلى حدّ الإعجاب، زلّ لسان نتنياهو في حديثه عن الحرب مع إيران، حين ادّعى أنه خرج إلى الحرب مرتين “لكي ينقذنا من الإبادة بقنابل ذرية كانت لديهم فعلا، ومَن يدري مَن كان سيبقى موجودا هنا اليوم.” ثم، في تناقُض معين مع عرضه السابق، تعهّد قائلا: “ما دمت أنا رئيسا للوزراء، فلن تحوز إيران سلاحا نوويا”.
إن وصف نتنياهو ليس دقيقاً، في أقل تقدير. فلا توجد أي جهة أمنية في إسرائيل، أو الولايات المتحدة تدّعي أن الإيرانيين كان لديهم قنابل نووية جاهزة، لا في المواجهة الأولى ضدهم في تموز/يوليو من العام الماضي، ولا في المواجهة الثانية التي توقفت مؤخرا بوقف إطلاق النار وبدأت في شباط/فبراير من هذا العام. وما حدث هو أن الإيرانيين راكموا، أيضا نتيجة قرار ترامب بشأن الانسحاب من الاتفاق النووي في أيار/مايو 2018، بضغط من نتنياهو، 440 كلغ من اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية تبلغ 60%. وكانت هذه الكمية، لو رُفعت إلى مستوى التخصيب العسكري البالغ 90%، كافية لإنتاج 11 قنبلة، لكن الأمر كان يتطلب أيضا خطوة إضافية تتمثل في مواءمة القنبلة لرأس صاروخ باليستي حربي.
ولم يحدث شيء من ذلك بعد، لا في سنة 2025، ولا في سنة 2026، على الرغم من أنه وردت معلومات عن تقدّم معين في “مجموعة السلاح”، التي كانت تعمل على مسألة الرأس الحربي. وادّعى الخبير النووي الأميركي البارز ديفيد أولبرايت، بعد اطّلاعه على مواد استخباراتية إسرائيلية، أن الأشهر الواقعة بين المواجهتين شهدت تقدما كبيرا وخطِرا في المشروع النووي؛ أمّا الخبراء الإسرائيليون، من خريجي المؤسسة الأمنية، فكانوا أكثر تشكيكا؛ لكن نتنياهو، عندما استرسل في الحديث داخل الاستوديو، تحدث عن حقيقة مُنجزة لم تكن موجودة أصلا – قنابل جاهزة أنقذنا منها، بحسب زعمه (ولو كان هذا صحيحا، ألم يكن من الممكن أن يؤدي قصف المواقع النووية، مثلما جرى في المرتين، إلى تلوث إشعاعي؟)
قبل أقل من أربعة أشهر على الانتخابات، لا يبدو وضع أحزاب الائتلاف مشجعا. لكن بما أن الانتصار هذه المرة – أو على الأقل التعادل المعطل الذي يضمن استمرار حكومة انتقالية شهورا أُخرى – أكثر أهميةً من أي وقت مضى، فمن المتوقع أن يستخدم نتنياهو جميع الوسائل: سياسات الهوية، والهجمات العدوانية على خصومه، والسيطرة على جدول الأعمال عبر تصعيد الأزمات الأمنية، واتهام منافسيه بالتخطيط للمساس بنزاهة الانتخابات؛ أمّا وسائل الإعلام، فتنتظرها مهمة كبيرة بشأن تفكيك الدعاية المضللة، إلى حدّ نشر أخبار لا تربطها أي صلة بالواقع.








