“حين يغدو وجود الصوفي حياةً للوجود”
مرحبا بك في ساحة بيت عطاء، حيث يتوقف التاريخ وتتجدد الحقيقة. هنا، في قلب تهامة اللاهبة، لم يكن الأمر مجرد رباط صوفي يضم خمسة آلاف مريد؛ وإنما كان أمرا صوفيا يمثّل مركز القيوميّة الروحية، ومحور دوران سلطنة بأكملها.
إن سيرة شمس الشموس أبي الغيث بن جميل (ت 651هـ – 1253م) أكبر كثيرا من النظر إليها باعتبارها فصلا في تاريخ التصوف، فما تستحقه هو النظر إليها بوصفها قصيدة نارية كُتبت بـسيف الصدق، وبـنار الشوق، وبـالدم العبيط الذي تحوّل بـمسحة سوَاكٍ إلى حلال.
إننا هنا أمام ظاهرة عابرة للتصنيفات؛ أمام صوفي يُلقَّب بـ(شمس الشموس)، ولا يُكتَب اسمه في سجل التاريخ إلا بعد أن يُسجِّل اسمه بيده في سجل الخلود.
قاطع طريق صار صاحب الوقت
لقد بدأ أبو الغيث بن جميل رحلته من حيث لا يتوقع أحد: من قسوة الجبال، ومن مسار قاطع الطريق الذي عصفت به الدنيا. وهذه هي العقدة الدرامية الأولى في السيرة التهامية الخالصة؛ حيث يتبازغ حضور أعظم أولياء اليمن من أعمق منطقة في الظلام.
كيف وصل المتردي في وحل الضلال إلى هذا المقام؟
الإجابة نقرأها في إحدى شذراته لاحقا فـ “أي وقت لا يحكم الهوى على المريد؛ وصل إلى الله تعالى”.
لقد كانت توبته حادثة دراماتيكية مذهلة، صعد على شجرة ليرصد أناسا يصطادهم؛ فسمع خطابا زلزل أركانه “يا صاحب العين عليك العين”.
وعلى يد الشيخ علي بن أفلح في زبيد تربَّى، ثمَّ تحقّق تثبيته الروحي على يد علي بن عمر الأهدل (مُثقّبه). تلك كانت مجرد بداية للمسار، لكن لحظة التحقق الكبرى جاءت في عزلة قاسية فرضها عليه محمد بن أبي بكر الحكمي (شيخ عواجة)، الذي تصرف في حاله ومنعه من الإقامة في وطنه لستة عشر عاما. كان ذلك النفي القسري هو المعراج الحقيقي، وهو ما صبغ “النحاس” بـ”الإبريز”.
عندما اكتمل ترقيه الروحي وصار “الصَّباغ” الذي ينقل القلوب من “الصفات الدّنيّة إلى الصفات السنية” – كما يقول المؤرخون- لم يعد هناك مكان أعلى منه في خريطة اليمن الروحية. لقد استحق لقب “صاحب الوقت” الذي لا يتوقف سلطانه على مشيخات الأولياء، بل يعلوها جميعا، حتى إن كبار الأقطاب في العالم الإسلامي كانوا في دائرة فلكه.
المواجهة الكبرى: القانون الفقري وتحكيم الباهوت
لم يأتِ لقب شيخ شيوخ اليمن مجانا. لقد كان تتويجا لـمنهج تربوي لا يعرف التراخي، سماه “القانون الفقري”، الذي يلخص سيفه الحاسم في ثلاث طعنات:
قتل النفس بـ “سيف الصدق”؛ وذلك هو علاج فساد العقول.
طرح القلب في “قبر الانقطاع”؛ وذلك هو علاج فساد القلوب من حب الدنيا.
دفن الأرواح بـ”ترك التدبير”، وذلك هو علاج حب البقاء وطول الأمل.
إن هذا المنهج الشديد هو الذي سمح له بالسيطرة على عاصفة الباهوت أحمد بن علوان الذي فاجأ نقده الحادّ صوفية اليمن آنذاك: لقد كانت لحظة تحكيم الباهوت في سنة 627هـ هي اللحظة الفاصلة التي أعلن فيها شمس الشموس أبو الغيث بن جميل انتصار العلم اللدني على العلم الكسبي، مُلبِسا الباهوت خرقته، ومؤكدا أن الطريق إلى الله هو الطريق المُطلَق. حادثة تحكيم الباهوت كانت لحظة ترسيخ حقيقية لمكانة شمس الشموس، وكانت في الوقت نفسه ترسيخا لمكانة الباهوت.
التحكيم هو الذي رسَّخ تلقيب أبي الغيث بن جميل بـ”شمس الشموس”، وأكّد على كونه “صاحب الوقت”، والتحكيم أيضا هو الذي أسس لديمومة الولاء الروحي، فالباهوت لم ينسَ قط فضل شيخه، ووصفه بـ”النادي الذي فاق الملا”.
النفوذ المُتَصَرِّف: حين ينزل الحامي من على المشباب
إن النقطة التي يشتعل عندها الأسلوب وتغور عندها التحليلات هي سلطة التصريف المطلق التي مارسها شمس الشموس أبو الغيث بن جميل على الحكم والسياسة، متجاوزا بذلك حدود الصوفي المعتزل. لقد كان مصيره الروحي مرتبطا بقدرته على حماية حِمَى اليمن.
في خضم الصراع بين المماليك الأيوبيين وتنامي قوة الرسوليين، تحوَّل أبو الغيث إلى قوة مُوازية لا يستطيع الحكام تجاوزها. وعندما تمادى المنصور نور الدين عمر بن رسول (مؤسس الدولة الرسولية) في الاصغاء لتحريضات زوجته المدللة حدّ أنه نسي طريق الفقراء وظلم أحد أتباع الشيخ، جاءت الكلمة الفصل التي هزت عرش السلطنة.
لقد كان المنصور يظن أن قوة الشيخ مجرد دعاء، فهدده، فرد عليه أبو الغيث بالإشارة العرفانية عن الإكسير والكيمياء الروحية، وبعاصفة أهلكت خيل السلطان. لكن الضربة القاضية جاءت حين أعلن: “نزل الحامي عن المشباب ما في الفقير إلا الكبير”.
إنها جملةٌ مأساوية؛ تعني إسقاط الولاية الروحية عن الحاكم، وتسليمه لقدره الإلهي. وفي اليوم نفسه، قُتل السلطان المنصور غيلة. هنا يتجسد المعنى العميق لـ”القيوميّة” فالقطب يُنهي، والقطب يُطلق.
وعلى الجانب الآخر، تجسد الإطلاق بتنصيب وليّ العهد المظفر يوسف بن رسول الذي كان أحد أتباع شمس الشموس سلطانا بـ”إشارة نبوية”، وتحولت مشيخة بني القرابلي أهل الرئاسة في تهامة، إلى قوى حاشدة تنصر المظفر بإشارة من شمس الشموس (صاحب الوقت) وحامي حمى اليمن.
وعندما حاول الإمام الزيدي أحمد بن الحسين استمالته، جاءه الرد القاطع: “إنا نفر منذ سمعنا قوله تعالى {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ}، لم يبق فينا متسع لإجابة الخلق”.
الختام: مئة عام من الأنوار
لقد عاش شمس الشموس عمرا مديدا -ما بين 100-105 سنوات- عاصر فيها كبار أقطاب العالم الإسلامي، لكنه لم يكتفِ بانتصاره على السلطة أو بصبغ الباهوت، بل ترك وراءه إرثا لا يزول: الخرقة الغيثية، والمنهج الفريد، والأقوال التي لا تزال زلازلها تلعب بأقلام الباحثين في الفلسفة الصوفية ومنها قوله: “خُضنا بحرا وقف الأنبياء على ساحله”!
لقد كان برهان خلوده من نفسه؛ بتلاميذه الذين حملوا (الشروط الغيثية) للمشيخة: “أن تكون لله لا لك، وللناس لا لنفسك، وجاهك للمقهورين، ومالك للفقراء والمساكين”. هذا القانون الأخلاقي المتعدي هو الذي جعل المؤرخين يقولون عنه: “كان وجوده حياة للوجود”.
عندما أسلم الروح في بيت عطا يوم الأربعاء 25 جمادى الأولى سنة 651هـ، 1253م بعد أن نصَّب خليفته فيروز بن علي الغيثي، لم يكن الأمر مجرد نهاية جسد، بل كان بداية لـتوهج إكسير استحال فيه الكون بفضل التصريف الروحي لـشمس الشموس، الذي بقي اسمه ضوءا يجوب الأزمنة والأمكنة. إنه القطب التهامي الذي انتشل الحقيقة من مسالك الجبال الوعرة، ورفعها فوق عروش السلاطين، ليؤكد أن السلطان الحقيقي هو لمن قام بالرب لا بالنفس.
وإذا كان شمس الشموس أبو الغيث بن جميل قد أثّلَ لنفسه مكانة لا نظير لها في اليمن، وازداد مكانة بحمل عشرات الأسر العلمية والصوفية في اليمن والعالم الإسلامي لطريقته ومنهجه، ما جعله ينغرس في الوجدان الشعبي وجعل اسمه يتناسج بالأساطير، ومقامه في بيت عطاء وجهة دائمة للزائرين. فإن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد تكفلت فلسفته الصوفية المتفرّدة؛ وعباراته الإشكالية العميقة بتوسيع مكان بارز له في عشرات المؤلفات خلال القرون الثمانية الماضية.
واليوم يزداد حضوره ألقا وترسخا بصدور كتاب ضخم عنه: (شمس الشموس أبو الغيث بن جميل .. السيرة والتّحقق) للكاتب علوان مهدي الجيلاني، وهو الكتاب الأول من موسوعة ضخمة تتوزع على أربعة كتب تتضمن (سيرته وتحققه)، و(صيرورته وأثره)، وتحقيق مجموع كلامه (مرقوم الحقائق)، ودراسات موسعة في مجمل نتاجاته وما يتعلق به تحت عنوان (شراب الكبير). وما أنجزه الجيلاني هو ثمرة جهد انشغل به ثلاثين سنة بتمامها.








