ترجمة: أحمد بركات
“الحرب الاختيارية تحولت إلى كارثة استراتيجية على واشنطن”
خلال حفل تنصيبه لولاية ثانية.. أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن أمله في أن “تظل هذه الانتخابات الرئاسية تُذكر بأنها الأعظم والأكثر تأثيرا على الإطلاق في تاريخ بلدنا”. وبالفعل حققت الهزيمة في حرب الخليج للرئيس الأمريكي ذلك الهدف. صحيح أن خياره ضرب إيران جاء بتشجيع من آخرين، ولكنه يظل في كل الأحوال خياره بامتياز. وفي نهاية المطاف أدت هذه الحرب إلى انتكاسة تمثل كارثة استراتيجية أفدح بكثير من تلك التي نجمت عن هزيمة الولايات المتحدة في حربها على فيتنام.
لا تبدو الهزيمة في الحرب على إيران، من على السطح، مشابهة على الإطلاق للهزائم العسكرية الأمريكية الأخرى، حيث جعلت سرعة الحرب وبعد ميدانها العمل برمته أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة. لم يُحرق البيت الأبيض مثلما حدث في عام 1814، ولم تكن هناك احتجاجات ضد مسوَّدة غير موجودة. حتى من موقعي في الدوحة، حيث كنت أستطيع أن أرى وأسمع حرب الصواريخ التي تدور رحاها فوق رأسي، بدت الأسابيع العديدة الماضية مربكة. فبينما كنت أتبضع، وأملأ خزان الوقود عن آخره بالبنزين الذي لا يزال رخيصا، وأجري مكالمة عبر “زووم” مع مؤلفين مشاركين تفصلني عنهم آلاف الأميال، راودني هذا السؤال مرارا وتكرارا: “هل هذه منطقة حرب؟”.
إلى ذلك، أخفى عدم وجود خسائر أمريكية فادحة في هذا الصراع الحجم الحقيقي لهزيمة الولايات المتحدة. لا شك أن الحرب أودت بأرواح آلاف الإيرانيين، سواء من المدنيين أو العسكريين، إلا أن الأمريكيين لم يتكبدوا تلك الأعداد، حيث بلغ عدد القتلى في صفوف الأمريكيين حتى الآن أقل من 20 جنديا، أغلبهم في ضربة واحدة.
وعلى سبيل المقارنة، كان حجم ما يسميه الفيتناميون الحرب الأمريكية مروعا، حيث أودى أكثر من عقد من القتال في جزء كبير من سماء وغابات جنوب شرق آسيا بحياة الملايين، أغلبهم من المدنيين، بينهم أقل من 60 ألف من الأمريكيين.
لقد كانت تلك التجربة مريرة إلى حد أنه على مدى جيل كامل كان الأمريكيون إذا ذكروا كلمة “فيتنام” لا يعنون بها البلد أو الشعب اللذين يحملان ذلك الاسم، واللذين ظل الأمريكيون يجهلونهما بدرجة كبيرة حتى بعد سنوات من انتهاء الحرب، وإنما كانت تُفهم تلك الكلمة في الاستخدام الأمريكي، في المقام الأول، على أنها استعارة أو رمز لتلك التجربة الأمريكية.
وبالنسبة لكثير من عامة الأمريكيين، طالما مثلت تلك التجربة شعورا دفينا بالحزن الشخصي. أما بالنسبة لبعض النخب، فقد كانت تلك التجربة درسا تحذيريا ضد غطرسة القوة، فيما مثلت لآخرين خطأ أو خطيئة أعاقت حسابات استراتيجية صحيحة في الحاضر. رغم ذلك كان هناك إجماع وطني على أن فيتنام كانت وصمة في النسيج الوطني الأمريكي، حيث وصفها 58% من الأمريكيين، في استطلاع الرأي الذي أجراه مجلس شيكاغو للشئون العالمية، في عام 2014 بأنها “لحظة مظلمة”، فيما وصفها 12% فقط بأنها “أمر يدعو للفخر”.
ومع ذلك، فإن هذا لا يغير حقيقة أن تبعات تلك الهزيمة الفادحة، بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، كانت -على المدى البعيد- قليلة نسبيا وذات طابع داخلي. فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب الباردة الأوسع نطاقا منتصرة. كما أصبحت فيتنام ذاتها، على نحو مثير للدهشة، قوة صديقة للولايات المتحدة اليوم.
وعندما نقارن هذا الوضع بما بعد حرب ترامب، نجد الولايات المتحدة بلا جدال في وضع أضعف مما كانت عليه عندما بدأت تلك الحرب الاختيارية، حيث تعرضت الأهداف الاستراتيجية الأمريكية لأضرار بالغة.
ولنقارن أيضا بين ما بدا عليه الأداء العسكري الأمريكي خلال هذا الصراع، وما كان عليه في الحرب التي شنها تحالف تقوده الولايات المتحدة ردا على غزو الرئيس العراقي صدام حسين للكويت، حيث تفكك الجيش العراقي في تلك الحرب (1990- 1991) بسهولة وسلاسة أذهلت العالم.
وعلى النقيض، توراى الأداء الفائق تكنيكيا للأسلحة الأمريكية في الحرب ضد إيران خلف ضحالة الترسانات الأمريكية، ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول مدى جاهزية أقوى جيش في العالم لخوض صراع ضد عدو أقوى من إيران. كما ستبقى الصورة المستقرة في الذاكرة الإنسانية للعمليات القتالية التي استخدمت التكنولوجيا المتقدمة خلال هذه الحرب- للحقائب المدرسية الملطخة بالدماء للطالبات الإيرانيات اللاتي رحن ضحايا خطأ في قاعدة البيانات. وبرغم الأداء الجيد لأنظمة الدفاع الأمريكية أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية، إلا أن إيران تمكنت -في نهاية المطاف- من اختراق تلك الأنظمة بشكل مؤثر، ما أثار أيضا تساؤلات حول نجاعة تلك المنظومات أمام عدو أكثر تركيزا أو في صراعات طويلة المدى.
وعلى المستوى الاستراتيجي، جاءت النتائج أشد بؤسا، إذ حققت الحرب الأمريكية تغييرا في النظام الإيراني من نوع خاص؛ فبدلا من تحويل طهران إلى عميل خاضع، جعلت هذه الحرب إيران أكثر تشددا، ووضعت الحرس الثوري في موقع المسئولية النافذة عن البلاد. وبرغم فاعليتها ووحشيتها في الأيام الأولى من الحرب، أظهرت الأسلحة الإسرائيلية والأمريكية مدى قصور الحلول الحركية، ما أفاد إيران بدرجة كبيرة. وتمكن البرنامج النووي الإيراني من البقاء بعد جولتين من الضربات الجوية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة، ولا يبدو مرجحا أن تثبت جولة ثالثة نجاعة أكبر في تدمير هذا البرنامج.
ومُنيت القيادة الأمريكية للنظام العالمي بانتكاسة أكبر جراء تلك الحرب، حيث تحمّل حلفاء الولايات المتحدة الإقليميون، الذين عارض أكثرهم ذلك المشروع من الأساس، العبء الأكبر من تكلفة القتال. والأكثر من ذلك أن إيران تعلمت أن قدرتها على خنق الحركة في مضيق هرمز من شأنه أن يشكل ورقة ضغط اقتصادية فادحة على المستوى العالمي.
لقد كانت حرية الملاحة هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة لأكثر من قرنين. فقد أرسل الرئيس توماس جيفرسون قواته البحرية لمنع الرسوم التي فرضتها القوى المتوسطية في العقد الأول من القرن التاسع عشر. وقد تنذر النهاية المحتملة للملاحة المجانية عبر مضيق هرمز باحتمالية استخدام الممرات التجارية سلاحا، ما سيلحق أضرارا بالغة بالتجارة العالمية.
وعادة ما تحمل الطريقة التي تنتهي بها الحروب من الدلالات ما تحمله بداياتها. فبعد حرب فيتنام، تمكنت الولايات المتحدة من أن تولي ظهرها لفيتنام وجيرانها، وتركز على مناطق ذات أهمية استراتيجية أكبر. ورغم أن التحول العالمي صوب الطاقة الخضراء وإنتاج الهيدروكربونات في الولايات المتحدة قد يجعلا فكرة الخروج المشابه من منطقة الخليج جذابة في عيون البعض في واشنطن على الأقل، إلا أنه من الصعب أن يكون استنساخا لتجربة الانسحاب بعد حرب فيتنام.
لقد بات الاقتصاد العالمي اليوم أكثر تداخلا مما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي، كما تلعب منطقة الخليج اليوم دورا أكبر في الشبكات الاقتصادية مما كانت عليه الهند الصينية قبل عقود. ولم تعد سلاسل التوريد العالمية تعتمد فقط على منتجات دول الخليج من الهيدروكربونات، وإنما أيضا على الهيليوم والأسمدة والألومنيوم. كما تجاوزت العلاقات والمصالح حدود الاقتصاد. فالروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل الخروج الأمريكي الكامل من المنطقة مستبعدا، فيما تزيد من احتمالية القتال، ربما على نحو أكثر ضراوة. كما أن تطوير الصواريخ الإيرانية، وربما برنامجها النووي، يجعل آفاق عقد الثلاثينيات أكثر قتامة ليس فقط للمنطقة، وإنما لأوروبا وجنوب آسيا أيضا.
وستواجه الولايات المتحدة تحت أي إدارة تلك التبعات في وضع ستكون فيه ضعيفة على المستويين الداخلي والخارجي. وستتراجع ثقة حلفائها في قدراتها. وسيقل استعداد شعبها لتحمل تكاليف حتى أي مشاركة مثمرة، وسيكون منافسوها أكثر استعدادا لتحدي إرادتها. وستكون هذه التداعيات بلا شك أطول أمدا وأشد وطأة من تداعيات إخفاق الولايات المتحدة في حربها في فيتنام.
رغم ذلك، سيبقى التماثل في شيء واحد، وهو أنه بعد عقود من الآن سيطرح الطلاب الذين يحاولون فهم هذا الصراع الأمريكي بعد نهايته نفس السؤال الذي طرحته حول الحرب الأمريكية في فيتنام: “لماذا؟”. وسيقدم الباحثون العديد من الإجابات بعد دراسات وأبحاث عميقة، ولكن أيا منها لن يكون مقنعا.
https://foreignpolicy.com/2026/06/16/iran-vietnam-strategy-defeat/








