حيدر العيلة “أبو الأمير”
من أكثر الأخطاء شيوعا في لحظات الأزمات الوطنية الكبرى- اختزال الصراع في خلاف مع فصيل أو تنظيم بعينه، وكأن جوهر المعركة يدور حول بقاء هذا الفصيل أو ذاك، بينما الحقيقة التي تؤكدها التجربة الفلسطينية -منذ أكثر من قرن- هي أن المشروع الصهيوني لم يكن يوما في مواجهة تنظيم محدد، بل في مواجهة الشعب الفلسطيني بأكمله وحقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
قد نختلف مع حماس – وأنا فعلا اختلف معها فكرا ومنهجا- وقد نختلف مع فتح أو الجبهة الشعبية والجهاد أو أي فصيل أو قيادة سياسية، ومن حق الناس أن تنتقد وأن تحاسب وأن تراجع التجارب وتكشف الأخطاء والإخفاقات؛ بل إن المراجعة النقدية للذات هي بداية طريق التصحيح والإصلاح، وهي ضرورة وطنية لا يمكن لأي حركة تحرر أن تتقدم بدونها.
لكن شيئا مختلفا تماما أن يتحول الخلاف مع فصيل إلى قبول بالرواية التي يحاول العدو فرضها، أو إلى الاعتقاد بأن استهداف غزة وتدميرها وتجويع أهلها هدفه إسقاط حماس فقط. فالوقائع على الأرض تقول غير ذلك.
العدو لا يقتل المنتمي لهذا التنظيم أو ذاك، بل يقتل الأطفال والنساء والشيوخ، لا يدمر مقرات الفصائل فقط، بل يدمر البيوت والمدارس والمستشفيات والجامعات والبنية التحتية وكل ما يمت بصلة إلى حياة الفلسطينيين ومستقبلهم.
ولو كان الهدف مجرد إسقاط حماس لكانت وسائل الضغط مختلفة، لكن ما يجري يتجاوز ذلك بكثير ليصل إلى محاولة كسر إرادة المجتمع الفلسطيني بأكمله وإيصاله إلى مرحلة يفقد فيها القدرة على الصمود والمقاومة والتمسك بحقوقه الوطنية.
إن جوهر الصراع بالنسبة للاحتلال لا يتعلق بأسماء التنظيمات؛ بل يتعلق بوجود شعب يرفض الاستسلام، لذلك فهو يستهدف كل أشكال المقاومة، المسلحة منها والسياسية والشعبية والثقافية والإعلامية، ويستهدف حتى الوعي الوطني الذي يحافظ على هوية الشعب وحقوقه التاريخية.
الاحتلال لا يتعامل مع حماس بوصفها هدفا منفردا للصراع؛ بل يسعى إلى ما هو أعمق من ذلك: إعادة تشكيلها أو إضعافها بما يفقدها جوهرها ودورها في المقاومة، فالمسألة ليست إسقاط تنظيم بعينه؛ بل فرض واقع فلسطيني منزوع الإرادة، مُفرغ من أدوات الفعل، ومقيّد بشروط تضمن استمرار السيطرة، والخطر الحقيقي هنا لا يكمن في استهداف فصيل محدد، بل في مشروع أوسع يستهدف كسر روح الصمود لدى الشعب الفلسطيني كله وإعادة صياغة وعيه وخياراته بما يخدم بقاء الاحتلال والانقسام معا.
ومن هنا فإن أي قراءة سياسية تفترض أن التنازل للعدو أو الخضوع لشروطه سيؤدي إلى حياة أفضل للشعب الفلسطيني هي قراءة تتجاهل دروس التاريخ.
فالتجربة الفلسطينية والعربية والعالمية.. تؤكد أن الاحتلال لا يتوقف عند حد معين من المطالب؛ بل يواصل الضغط كلما شعر أن الطرف المقابل أصبح أكثر ضعفاً وأكثر استعدادا لتقديم التنازلات.
وهذا لا يعني رفض النقد أو التمسك بالأخطاء أو منح أي فصيل حصانة من المحاسبة، على العكس تماما، فالمطلوب اليوم مراجعة شاملة لكل السياسات والتجارب والخيارات التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى هذا الواقع المأساوي، لكن المراجعة شيء، والتنازل عن الحقوق الوطنية شيء آخر.
يحق للناس أن تغضب من أداء القيادات، وأن تنتقد الفصائل، وأن تطالب بالتغيير والإصلاح والمحاسبة، لكن لا يحق لأحد أن يخلط بين الخلاف الداخلي المشروع وبين الصراع مع عدو يعمل بشكل منهجي على تصفية القضية الفلسطينية وإخضاع الشعب الفلسطيني.
حماس ليست قدر الشعب الفلسطيني، وقد تأتي مرحلة تتراجع فيها أو تغادر المشهد السياسي، كما غادرت قوى كثيرة قبلها، وهي حتما ستغادر، فالشعوب أكبر من التنظيمات، والوطن أكبر من الجميع.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان هي أن رحيل أي فصيل لا يعني انتهاء أطماع الاحتلال، لأن المشكلة بالنسبة له ليست في حماس أو غيرها، بل في وجود شعب يرفض التخلي عن أرضه وحقوقه وهويته الوطنية.
لذلك فإن الخاسر الحقيقي من أي تنازل يمس الثوابت والحقوق الوطنية لن يكون حماس وحدها، بل الشعب الفلسطيني كله، والخاسر من أي وهم يراهن على رحمة الاحتلال أو عدالته أو اكتفائه بما حققه من دمار وقتل سيكون أيضا الشعب الفلسطيني كله.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة الدفاع عن فصيل، بل معركة الدفاع عن حق شعب بأكمله في الحياة والحرية والكرامة، أما الخلافات الداخلية والنقد والمحاسبة والإصلاح، فهي ضرورات وطنية يجب أن تستمر دون هوادة أو تهاون، ولكن تحت سقف حماية القضية الوطنية وعدم التفريط بحقوق الشعب الذي دفع أثمانا باهظة من أجلها عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات.








