في الأول من يوليو عام 1967، وبعد أسابيع قليلة من نكسة يونيو، شهدت منطقة رأس العش جنوب بورسعيد واحدة من أبرز المعارك في تاريخ مصر العسكري الحديث. لقد مثلت معركة رأس العش أهمية استثنائية لأنها كانت أول مواجهة ناجحة مع العدو منعته من التقدم واحتلال مدينة بورفؤاد؛ معلنة بداية حرب مجيدة ولحمة من الصمود والمقاومة هي حرب الاستنزاف.
بدأت الأحداث برصد عناصر الاستطلاع المصرية، لتحركات قوة إسرائيلية مدرعة من القنطرة شرق شمالا بمحاذاة الضفة الشرقية لقناة السويس. تكونت قوة العدو من دبابات وعربات نصف مجنزرة مدعومة بعناصر مشاة وآليات استطلاع، وكان هدفها التقدم نحو مدينة بورفؤاد، التي بقيت المنطقة الوحيدة في سيناء خارج قبضة الاحتلال الإسرائيلي عقب حرب يونيو 1967.
أدركت القيادة المصرية خطورة الموقف، إذ كان سقوط بورفؤاد سيعني إحكام السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الشرقية للقناة، لذلك صدر قرار سريع بمنع القوة المهاجمة من تحقيق هدفها مهما كانت التضحيات.
كلّف الرائد أحمد السيد مصطفى الشرقاوي، قائد الكتيبة 43 صاعقة، فصيلة من قوات الصاعقة بالتصدي للقوة الإسرائيلية. وتحت قيادة الملازم فتحي عبد الله عبر نحوا من ثلاثين مقاتلا قناة السويس في قوارب صغيرة إلى الضفة الشرقية، مستفيدين من عنصر السرية والمفاجأة.
اختار رجال الصاعقة منطقة رأس العش -14 كيلو متر جنوب بورسعيد- لإقامة كمينهم، مستفيدين من طبيعة الأرض التي تتكون من شريط ضيق محصور بين قناة السويس غربا وملاحات ومستنقعات بورفؤاد شرقا، وهو ما حدّ من قدرة المدرعات الإسرائيلية على المناورة.
وزّعت القوة المصرية أفرادها على جانبي الطريق الترابي، وحفر الجنود حفرا برميلية دفاعية واختبأوا داخلها في انتظار وصول الرتل الإسرائيلي. ولم يكن بحوزتهم سوى أسلحتهم الفردية وقواذف الـ “آر بي جي” وعدد محدود من الألغام والقنابل اليدوية.
ومع اقتراب القوة المعادية، التزم الجنود الهدوء التام حتى دخل الرتل بكامله إلى منطقة القتل المعدة مسبقا.
عند اللحظة الحاسمة صدر الأمر بإطلاق النار، فاستهدفت القذائف المضادة للدبابات، مقدمة الرتل ومؤخرته، ما أدى إلى تعطيل حركته وحصر آلياته داخل الممر الضيق. وفي الوقت نفسه فتحت قوات الصاعقة نيرانها من مسافات قريبة للغاية، لتتحول المنطقة إلى ساحة اشتباك مباشر ومفاجئ أربك القوات الإسرائيلية.
حاولت القوات المهاجمة تنظيم صفوفها والرد على مصادر النيران، إلا أن ضيق الأرض وكثافة الاشتباكات حالا دون تحقيق أي تقدم فعلي.
في ذروة القتال، دخلت المدفعية الساحلية المصرية المتمركزة غرب قناة السويس على خط المواجهة. وأمّنت السرية 78 مدفعية ساحلية بقيادة النقيب أحمد فاروق عبد المنعم غطاءً ناريا فعّالا، حيث ركّزت نيرانها خلف القوة الإسرائيلية لمنع وصول أي تعزيزات أو إمدادات إليها.
ساهم هذا التنسيق بين قوات الصاعقة والمدفعية في عزل القوة المهاجمة وإفشال محاولات إنقاذها أو دعمها.
سعت القوات الإسرائيلية إلى الالتفاف عبر مناطق الملاحات والمستنقعات شرق الطريق، إلا أن مجموعات الصاعقة كانت قد استعدت لهذا الاحتمال. واشتبكت مع القوة الملتفة بالقنابل اليدوية والألغام والنيران المباشرة، فتعطّل عدد من العربات وانغرس بعضها في الأراضي الطينية.
حاول طيران العدو التدخل لدعم قواته، لكن شدة التلاحم بين الجانبين جعلت تنفيذ ضربات جوية فعالة أمرا بالغ الصعوبة.
استمرت المعركة نحو سبع ساعات متواصلة، تكبد خلالها العدو خسائر كبيرة في الأفراد والآليات. ومع تزايد الخسائر وفشل جميع محاولات التقدم، صدرت الأوامر للقوات الإسرائيلية بالانسحاب والتراجع نحو القنطرة شرق.
عقب ذلك قامت القوات المصرية بتمشيط منطقة القتال وتأمينها، والاستيلاء على بعض المعدات التي خلفها العدو وراءه.
أسفرت معركة رأس العش عن فشل كامل للمخطط الإسرائيلي الرامي إلى احتلال بورفؤاد، كما حققت أثرا معنويا بالغا داخل الجيش المصري والشعب المصري بعد أيام عصيبة أعقبت النكسة.
وأثبتت المعركة أن الجيش المصري ما زال قادرا على القتال والمبادرة وتحقيق الإنجازات رغم الظروف الصعبة، لذلك ينظر إليها المؤرخون العسكريون باعتبارها الشرارة الأولى لحرب الاستنزاف وأول انتصار مصري بارز بعد هزيمة يونيو 1967.
لقد جسدت رأس العش معنى الإرادة العسكرية والقدرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى إنجاز ميداني كبير، لتبقى واحدة من الصفحات المضيئة في سجل بطولات القوات المسلحة المصرية.








