رؤى

دون تحقيق في أسباب الكارثة.. من الوارد جدا تكرارها

كتب عاموس هارئيل في هآرتس اليوم الأحد الخامس من يوليو 2026

مقدمة أصوات: يقدم هارئيل نقدا داخليا عميقا للأداء “الإسرائيلي”، في حرب الألف يوم؛ لكنه لا يخرج عن إطار التصور الصهيوني الذي يضع أمن إسرائيل في مركز التحليل. فهو يدعو إلى إصلاح المؤسسة العسكرية والسياسية؛ حتى تصبح أكثر قدرة على إدارة الصراع، لا إلى مراجعة الأسس السياسية التي بني عليها الصراع نفسه. ولذلك فإن المقال رغم جرأته في تحميل الحكومة والجيش مسئولية الإخفاق، إلا أنه يظل نقدا لـكيفية إدارة الاحتلال والحرب، وليس نقدا لفكرة الاحتلال ذاتها أو للسياسات التي يُنظر إليها باعتبارها السبب البنيوي لاستمرار الصراع. المقال على ما يحفل به من مغالطات -بطبيعة الحال- إلا أنه يكشف عن قدر لا بأس به من الإخفاق “الإسرائيلي” والخسائر الكبيرة التي لحقت بدولة الاحتلال على أكثر من صعيد.

المقال:

بمناسبة مرور ألف يوم (وفي الواقع، صباح اليوم هو اليوم الـ 1001) على الحرب التي اندلعت في إثر “المجزرة المروعة” في السابع من أكتوبر، إليكم بعض الملاحظات المرحلية بشأن الوضع.

إن أخطر إخفاق في التاريخ القصير لإسرائيل لم يكن نتيجة سبب واحد، بل جاء نتيجة تلاقي ثلاثة إخفاقات؛ كان هناك فشل استراتيجي (يتحمل المستوى السياسي المسئولية الرئيسة عنه)، وإخفاق استخباراتي واسع وخطِر، وانهيار في المنظومة الدفاعية؛ لقد انهارت الاستراتيجيا الإسرائيلية إزاء الساحة الفلسطينية، والتي قامت، ولا سيما في عهد بنيامين نتنياهو، على الفصل الكامل بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحكم “حماس” في غزة؛ كذلك فشلت سياسة الاحتواء التي تمسّك بها نتنياهو، بدعمٍ من المؤسسة الأمنية. وأضاف رئيس الوزراء إلى ذلك تجاهُله المنهجي لسلسلة التحذيرات التي وُضعت على مكتبه، على خلفية خطة التغييرات القضائية، والاحتجاجات ضدها، والانقسام الذي تسلل إلى صفوف قوات الاحتياط.

أمّا الإخفاق الاستخباراتي، فتمثل في قراءة خاطئة لنوايا حركة “حماس”، والتي كانت في أحيان كثيرة مُعاكسة تماما للواقع. يبدو كأن هذا الخطأ أكثر جسامةً إذا ما أُخذ في الاعتبار أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حصلت على خطة هجوم “حماس”، التي أُطلق عليها في إسرائيل اسم “سور أريحا”؛ إذ تسربت خمس من أصل عشر نسخ من الخطة بين سنتَي 2018 و2022، ومع ذلك، أخفقت أجهزة الاستخبارات في إدراك دلالتها.

أمّا الإخفاق الدفاعي، فنجمَ عن الاعتماد المفرط على إنذارٍ استخباراتي مبكر لم يصل مطلقا؛ لقد احتفظ الجيش الإسرائيلي، وبعِلم الحكومات، بقوة صغيرة لا يتجاوز قوامها نحو 700 مقاتل فقط للدفاع عن منطقة غلاف غزة خلال إجازات نهاية الأسبوع، فتمكّن الهجوم، الذي أطلقت عليه “حماس” اسم “طوفان الأقصى”، من اختراق الخط الدفاعي خلال دقائق، لتجتاح موجة قتل مدمرة بلدات غلاف غزة. وسيكون على الجيش الإسرائيلي مستقبلا التخلص من نزعته إلى التفكير الجماعي وإسكات الأصوات الناقدة، وكذلك من تجنُّبه التعمق المهني في قضايا الدفاع، التي تقوم أساسا على الانضباط والالتزام بالروتين، خلافا لِما يعلنه بشأن طبيعته التنظيمية.

يبدو كأنه لم يكن هناك -على الأرجح- بديل من الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة. كان قادة “حماس” محقّين في افتراضهم أن الحكومة ستأمر الجيش الإسرائيلي باحتلال القطاع، ردا على الهجوم. ولم يدفع نجاح العملية الحركة إلى إبداء مرونة في المفاوضات بشأن الرهائن، كذلك لم يترك الضغط الجماهيري داخل إسرائيل أي خيار آخر، فأدى التوغل البرّي في منطقة حضرية مكتظة بالسكان، لم يكن في الإمكان إجلاء جميع سكانها، إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين (أكثر من 72 ألف قتيل)، وأدخل إسرائيل في أزمة دولية حادة؛ هذه العملية أضعفت “حماس” إلى حدٍّ كبير، وربما حالت دون تنفيذ هجوم عسكري واسع النطاق على منطقة غلاف غزة في الأعوام القليلة المقبلة، لكنها، وخلافا لوعود بنيامين نتنياهو، لم تؤدِّ إلى تفكيك الحركة، أو تحقيق “النصر الكامل”، فما زالت حماس تحتفظ بسلطتها على ما يقارب نصف مساحة القطاع، وعلى كامل سكانه.

وبقيت الجبهات مفتوحة؛ وخلافا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، امتدت المعركة لتتحول إلى حرب استنزاف على جميع الجبهات، وفي نهاية المطاف، فرضت إدارة ترامب اتفاقات وقف إطلاق النار، التي كان بعضها غير كامل، وبعضها الآخر غير مستقر، في غزة (تشرين الأول/أكتوبر 2025)، وفي إيران ولبنان (حزيران/يونيو 2026)؛ أمّا القيود السياسية الداخلية التي واجهها نتنياهو، والذي جعل بقاء حكومته الهدف الأسمى، فأخّرت صفقات تبادُل الرهائن ومنعت تحويل الإنجازات العسكرية الكبيرة إلى خطوات ذات أفق سياسي. وبهذا، تبدّد بصيص الأمل بإقامة بديل فلسطيني من “حماس” في غزة، يستند إلى حكم السلطة الفلسطينية؛ أمّا البديل الذي طرحه رئيس الوزراء، فتمثل في إقامة مناطق أمنية عازلة داخل الأراضي اللبنانية والسورية وقطاع غزة، وفي حين كان يتحدث سابقا عن “النصر الكامل”، بات يتحدث عن رؤيا تقوم على حرب دائمة.

الإنجاز الذي تآكل في لبنان

كانت الحملة الأولى ضد حزب الله، في صيف وخريف 2024، نقيضاً تاما للإخفاق الذي وقع في غلاف غزة، إذ أعدّت إسرائيل لها على مدى عقد كامل، وبادرت إلى تنفيذها مع قدر من عنصر المفاجأة، ووجّهت إلى خصمها سلسلة من الضربات القاسية، فضلا عن أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي فرضته في نهاية الجولة الأولى كان يصبّ في مصلحتها.

لكن الأمر لم يكن كذلك عند دخولها الجولة الحالية، قبل أربعة أشهر، كامتداد للجولة الثانية في إيران، حين دخل الجيش الإسرائيلي الهجوم من دون خطة عملياتية ملائمة، ووقع في حالةٍ من الجمود داخل لبنان، وأصبح الآن مضطرا إلى الحفاظ على شريط أمني عميق نسبيا، في وقتٍ يعاني جرّاء نقص حاد في عديد القوى المقاتلة، بينما استعاد حزب الله ثقته بنفسه، بعد أن وصل في السابق إلى حافة الانهيار.

أمّا في مواجهة إيران، فالوضع أسوأ؛ لقد أسفرت حرب الأيام الاثني عشر في إيران، في حزيران/يونيو من العام الماضي، عن نتائج إيجابية؛ إذ تعرضت برامج إيران النووية والصاروخية لضربات، وقُتل عدد كبير من كبار مسئولي النظام؛ غير أن القمع العنيف الذي مارسه النظام ضد موجة الاحتجاجات في كانون الثاني/يناير من هذا العام دفع نتنياهو وترامب إلى رهان خاطئ على إمكان إسقاط النظام.

وكانت النتيجة حربا عديمة الجدوى استمرت، بشكل متقطع، ثلاثة أشهر ونصف الشهر، خرج منها النظام الإيراني أكثر قوةً، على الرغم من اغتيال المرشد الأعلى علي الخامنئي، كما أن استعراض القوة المقرر تنظيمه في إيران في نهاية هذا الأسبوع، بمناسبة تشييع المرشد الذي اغتيل، ليس مجرد عرض شكلي؛ إن موقع إيران تعزّز بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه، وأدّت الحرب إلى إحداث شرخ غير مسبوق بين إسرائيل والولايات المتحدة.

تراجُع قيَمي وانضباطي في الجيش الإسرائيلي

لقد أدّت “الفظائع” التي ارتكبتها “حماس” في منطقة غلاف غزة إلى صدمة عميقة في المجتمع الإسرائيلي؛ فالخوف الحقيقي على وجود إسرائيل، إلى جانب الرغبة في الانتقام، شكّلا دافعا لجزء كبير من الخطوات التي اتُّخذت، بدءا من قرارات الحكومة والمجلس الوزاري الأمني المصغر، وصولا إلى تصرفات الجنود والضباط الميدانيين؛ كذلك أبدى الرأي العام، في معظمه، تأييده لهذه الأفعال، التي لم يعُد في الإمكان وصفها بأنها مجرد تجاوزات فردية. وفي ظل تآكل قيَم القتال داخل الجيش، فإنه بات بحاجة إلى إعادة ترسيخ المعايير الأخلاقية وفرض الانضباط من جديد، لكن ثمة شك في إمكان حدوث ذلك في وقتٍ يخدم جنود الاحتياط نحو مئة يوم سنويا، بينما نسيَ الجيش النظامي حتى شكل التدريبات العسكرية.

صدمة جماعية ما بعد الحرب

إن التجارب القاسية التي عاشها الجنود في المعارك، وأحيانا حالات “الصدمة النفسية” التي يعانيها المقاتلون نتيجة ما شهده بعضهم، أو قام به في أثناء القتال، جعلت المجتمع الإسرائيلي في حالة اضطراب وصدمة على نطاق واسع. ووفقا للبيانات التي عرضتها وزارة الدفاع أمس، فإن 65% من أصل 26.200 جريح تقريبا يتلقون العلاج في دائرة التأهيل، يطلبون علاجا بسبب معاناة نفسية. ومن المتوقع أن ترتفع هذه الأعداد خلال الأعوام المقبلة، نتيجة التوجه المتأخر لطلب العلاج، أو الاعتراف بالإصابة، حتى لو لم تستمر الحرب بالوتيرة نفسها من الشدة.

أزمة في القوى البشرية

يشيد كبار قادة الجيش الإسرائيلي بالشجاعة التي أظهرها الجنود الشباب وأفراد قوات الاحتياط في القتال. وفعلا، واجهت الوحدات الميدانية تحديات هائلة، فضلا عن أن صمود منظومة الاحتياط وعدم انهيارها تحت وطأة الأعباء يُعد إنجازا يُحسب لأفرادها، إلّا إن الجيش يواجه تحديا أكبر في المدى البعيد؛ فهناك عدد كبير من ضباط الخدمة الدائمة الشباب، سواء في الوحدات القتالية، أو في الوحدات الخلفية، يبحثون عن طريقة لمغادرة المؤسسة العسكرية؛ كذلك جاء بعض التعيينات الأخيرة نتيجة الاضطرار إلى تقديم تنازلات، لأن عدداً من القادة المتميزين في المستويات الوسطى يفضلون الاستقالة.

نحو جيش جديد

يعقد بنيامين نتنياهو خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الاجتماعات لمناقشة زيادة ميزانية الدفاع بمئات المليارات من الشواكل على مدى العقد المقبل، ومع ذلك، لم يعقد الجيش الإسرائيلي والمستوى السياسي حتى الآن نقاشا مشتركا وجادا بشأن الاتجاهات المستقبلية لبناء القوة العسكرية؛ فبعض القرارات المطلوبة ربما يؤثر في هيكلية الجيش وقدراته لعقود مقبلة. وهذا الخطر بدأ يتحقق فعلاً، وهو يتمثل في إنفاق مبالغ طائلة من دون رقابة، أو تخطيط كافٍ، بما يفرض أعباء كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي، من دون أن يضمن بالضرورة مواجهة المخاطر الاستراتيجية التي يمكن أن تواجه الدولة مستقبلا.

الحاجة إلى تحقيق شامل

يدافع الجيش الإسرائيلي عن نفسه بالقول إنه، بخلاف المستوى السياسي، أكمل عملية التحقيقات الداخلية المتعلقة بأحداث السابع من أكتوبر، لكن هذه الحقيقة ليست سوى حقيقة جزئية، فالجيش ركّز على التحقيق في الأسباب التي أدّت إلى الهجوم و”المجزرة”، لكنه لم يحقق في الحرب التي أعقبتها بشكل جدي، ولم تكن التحقيقات متساوية في مستواها، ولا يزال هناك، في أجزاء واسعة من المؤسسة العسكرية، خلافات حادة وغموض بشأن أسباب الإخفاقات وتحديد المسئولين عنها.

أمّا على مستوى الدولة، فالوضع أكثر خطورةً، بسبب تهرُّب بنيامين نتنياهو من إجراء تحقيق مستقل. وهذا الواقع يجعل من الصعب على إسرائيل تصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، ويزيد في خطر وقوع كوارث أمنية أُخرى في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى