كلمة لابد منها: عندما أطلقت القاصة اسم “توبا” على مجموعتها القصصية، لم تكن تبحث عن أنسب صوت ليسرد مأساة اليمن. التوبا ليست آلة للواجهة. هي أثقل آلات النحاس، وأعمقها صوتا. توضع في الخلف، لكنها تسند الفرقة كلها. ولو غابت.. صار اللحن خفيفا، تافها، وغير مرجوٍ؛ لأنه بلا أرض.. واليمن هكذا. بلد في مؤخرة العناوين، لكنه الأساس الذي يسند معنى “البقاء” في هذه المنطقة كلها. في “توبا” ستسمعون اليمن كما تسمعون التوبا: “ثقيلا” في قصص الحرب والجوع والخذلان والنكران. “مستمرا” بنَفَس طويل، لا ينقطع رغم الضغط والحصار. “أساسيا” في قصص الفتاة المغلوبة على أمرها والأب العالق في أوهامه وقناعته والأم المسكونة في مخاوفها.. أولئك الذين يحملون الكل على أكتافهم، ولا أحد يلتفت لهم.
لم تكتب الجليلة عن اليمن؛ لأنه “قضية”. كتبت عنه لأنه “إيقاع”. إيقاع حياة يومية، ثقيلة، عميقة، وتحتاج رئة كبيرة. هذه المجموعة نفخة واحدة طويلة. نفخة اسمها “توبا” قد لا تكون على مقاس جميع الأذواق، لكنها حقيقية، لكنها الصدق الوحيد حين يبتلع الجميع ألسنتهم وبدونها.. يسكت كل شيء. وإلى التوبا إلى الصوت الذي لا يُرى لكنه يُحمل إلى كل يمني كان الأساس ولم يكن الواجهة وإلى اليمن أرض السعادة التي لم تأتِ بعد. كل هذا اليقين. وماذا بعد؟
ففي زمن صارت فيه القصة اليمنية إما بكاء على الخراب أو تقرير حرب، تأتي “توبا” لجليلة الأضرعي لتكسر القاعدة مرتين: تكسر صمت الأنثى، وتكسر جاذبية الأرض.
الكتاب الصادر بتقديم د. إبراهيم أبو طالب ليس “مجموعة قصص”. هو عملية تأنيث كاملة للميثولوجيا اليمنية، و”طائر السمامة” هو بيانها الجوي.
أولا: الجرأة.. سرقة الأسطورة من يد الجد. منذ البداية تعلن الأضرعي انقلابها، فالجد “الزغيبي” في الموروث الشعبي “غرس يديه في فكي ذئب وقتله”. هذه هي الأسطورة الذكورية: قوة، دم، سيف.
ماذا تفعل القاصة؟ تستبدل السيف بشجرة، والذئب بكائن، والجد ببنت. تولد “والشمس” فتسميها الأم “صباحا”، فيغضب الأب لأنها أنثى. ثم “تمارس عليه سحرها المبكر” بالبكاء فيستبدل اسمها بـ “الجليلة”.
هذه هي الجرأة الأولى: الأنثى لا تثبت نفسها بالقوة، بل بالوجود. لا تقتل الذئب، بل تغير اسمها. من “ضحية التسمية” إلى “صانعة الاسم”.
ثانيا: العمق.. الواقعية السحرية كجهاز تنفس.
لو كانت “توبا” واقعية فقط، والتزمت بالانعكاس المرآوي للواقع؛ لكانت رثاء. لكن الأضرعي تستخدم السحر كأداة بقاء، وترى فيه فرصة للتحليق الحر في فضاء مفتوح وأوسع.
الأب يموت، يتجلى أمام القارئ “جثة هامدة” دون وداع، فيعود “يزور جارتنا في المنام”. والأخ يموت فيصير “فراشة تزورنا”، و ثمة “كائن” يكبر “عشرات الأضعاف” ويسكن الغرفة ويأكل من طعامها.
هنا العمق، وهنا الاشتغال السردي المختلف، وهنا البصمة: فالكاتبة لا تهرب من الواقع، طلبًا للخلاص والنجاة، بل تجسده. الاكتئاب، الفقد، الحرب، الذكورة السامة… كلها تصير أجسادا تطارد البطلة. لأن الخوف المسمى أهون من الخوف المبهم.
ثالثا: ذروة الجرأة والجمال.. “طائر السمامة”. وسط هذا الثقل، تفتح الأضرعي نافذة طوارئ اسمها “طائر السمامة”.
الجرأة في الاختيار: لم تختر “الحمامة” رمز السلام المستهلك. ولم تختر طائرا آخر مألوف، اختارت “السمامة”، الطير الأسود الذي لا يبني عشا ولا يهبط إلا ليموت. اختارت طيرا بلا بيت لبنت بلا أب.
الجمال في الفعل: السمامة تطير. ومن الأعلى ترى “السلاسل الجبلية” مجرد خطوط، و”الكنوز المدفونة” مجرد تراب. الطيران هنا ليس هروبا، بل هو فعل اختيار بقصدِ نزع ” قداسة عن المكان”.
الرمزية في المنظومة: قسمت الأضرعي الأنثى إلى 3 طيور:
- الفراشة: الروح الميتة التي تزور.
- الغيمة: الأنثى الصابرة “التي لا تغيب عن سماء القرية”.
- السمامة: الأنثى المتمردة التي ترفض الصبر وترفض البيت حين يكون سجنا يؤطره إخوة كإخوة النبي يوسف عليه السلام.
من فراشة الخفة التي لا تحتمل إلى غيمة الاحتشاد والصبر إلى “سمامة” الطائر المتفرد في قراراته، هذا من موت إلى صبر إلى طيران. وعند هذه النقطة، يحق لنا أن نتساءل، هل “توبا” شجرة في الجنة أم شاهدة على الأرض؟
قال عنها د. أبو طالب: “تجاوز نفسها في كل مرة، وتقديم تجربة جديدة، ولغة مختلفة”.
وأضيف: “توبا” مختلفة؛ لأنها لم تكتب عن الجنة، بل جلبت شجرتها إلى “هضبة الركح”.
الجرأة أن الكاتبة رفضت أن تكون راوية خراب. والجمال أنها منحتنا “رماد الرسائل” الذي تطيره الريح بدل أن يخنقنا.
“توبا” مجموعة قصصية لمبدعة أصيلة تقول في مجموع قصصها للأسطورة الذكورية: مكانك ليس فوق رأسي، مكانك تحت جناحي، وقد آن أوان تحليقي وبالطريقة التي أريد، وليس بالطريقة التي تراد لي.
فمن لا يستطيع الطيران، عليه أن يقرأ عن السمامة.
المجموعة تضم 19 نصا منها: توبا، تمرد، جُبن، المجنة، صياد، زومبي، هتلر، جليلة، طائر السمامة.







