حين قال أبو الغيث بن جميل الملقب “شمس الشموس” لتلميذه محمد بن أبي بكر الحكمي: “أصبحت أحيي وأميت، وأفعل ما أريد، وأنا على كل شيء قدير”، لم يكن يلقي خطبة. كان يفجر قنبلة فكرية ظل صداها يهز تهامة من أقصاها إلى أدناها قرونًا من الزمنِ.
كتاب “شمس الشموس” لعلوان الجيلاني كشف لنا هذه العبارة وغيرها من “مرقوم الحقائق”، فاستحق الرجل قراءة نقدية لا تقف عند الكرامة، بل تغوص في الفكرة.
1. الشطح أم الشهود؟ معضلة اللغة الصوفية.
المشكلة الأولى عند شمس الشموس ليست في معتقده، بل في لغته. الرجل ينطق من “مقام البقاء بعد الفناء”،وفي هذا المقام يسقط الضمير البشري، ويبقى الضمير الإلهي. فـ”أنا” التي يتكلم بها ليست “أنا” أبي الغيث بن جميل، بل هي “أنا” الروح التي شهدت أن لا فاعل إلا الله.
لكن من يسمعه من خارج المقام، كالحكمي الفقيه، يسمع “ادعاء ربوبية” صريح، وهنا تكمن مأساة الصوفية: لغتهم لغة ذوق، ولغة الفقهاء لغة حكم. فحين يقول البسطامي “سبحاني ما أعظم شأني” يفهمها العارفون، ويكفره الجاهلون.
شمس الشموس إذن لم يأتِ بجديد في “الشطح”، لكنه جاء به مبكرًا. قبل ابن عربي بسبعين سنة، وقبل أن تتبلور لغة “وحدة الوجود” التي تشرح هذا المقام. فكان ضحية “سبقه الزمني”.
2. العلم اللدني: ثورة على أرستقراطية الفقهاء.
جوهر فلسفة الرجل تقوم على ثنائية: علم كسبي و علم لدني.
الفقيه كالحكمي يمثل “أرستقراطية النص”: لا علم إلا ما ثبت بالرواية والاستدلال، وشمس الشموس يمثل “ديمقراطية الكشف”: علم يهبه الله مباشرة لمن اصطفاه، بلا واسطة كتاب.
لكنه لم يسقط الشريعة كما ظن خصومه. شروطه لشيخ الطريق صارمة: “معرفة قواعد الشريعة، والتحلي بآداب الصالحين”. هو إذن لا يلغي الوعاء، بل يقول: الوعاء خادم للبّ، والفقه خادم للحقيقة.
ثورته كانت على “احتكار الفهم”، يقول للفقيه: ليس كل من حفظ المتون يفهم أسرارها، وهناك “حكمة وهبية” لا تعطى بالدرس، بل تتراكم بالسلوك.
3. الشيخ الكاريزمي: اختراع “الطريقة” قبل أوانها.
القرن السادس الهجري كان مختبر ميلاد الطرق الصوفية الكبرى. وشمس الشموس كان أحد مهندسي هذا الميلاد بلا أن يدري.
ففلسفته التربوية ثورية: الشيخ عنده ليس “مفتيًا” ولا “مدرسًا”. الشيخ “بطارية روحية”. شروطه: معرفة بأحوال النفوس، قدرة على منح الطاقة، جاذبية وكاريزما.
وهذا الجلاء في الطرح يفسر ظاهرة خطيرة أرّخت لها المصادر: اجتذاب أتباع الشيوخ الكبار إليه، حتى أتباع الحكمي نفسه. الرجل لم يقدم فتوى جديدة، قدم “تجربة”. وهذا أخطر على المؤسسة من أي فتوى.
هنا نفهم سر “حفيظة الحكمي”: الصراع لم يكن عقديًا، بل سلطويًا. من يملك المريدين: الفقيه المعين من السلطان، أم القطب الموهوب من الرحمن؟
4. فلسفة التاريخ: ضد الزمن، مع المعنى.
أعظم ما في منهج شمس الشموس أنه “لا زمني”. المصادر الصوفية لا تبالي متى وقعت الكرامة، بل تبالي بماذا تعني.
هذا موقف فلسفي صارم: التاريخ عند الفقيه “تسلسل أحداث”، وعند الصوفي “سلسلة إشارات”. كرامة شفاء المريض لا تهم لأنها في سنة كذا، بل لأنها إشارة على أن الرحمة الإلهية لا تزال تعمل على امتداد هذا العالم الفسيح.
بهذا المعنى، فإن شمس الشموس كان فيلسوفًا “ما بعد حداثيًا” قبل الحداثة نفسها. يرفض تقديس الزمن، ويقدس الدلالة.
وعليه، فإن شمس الشموس لم يكن مجنونًا ولم يكن زنديقًا. كان “رجل مقام” ابتلي بـ”لغة قاصرة”.
ولو أنه عاش في زمن ابن عربي لوجد من يشرح كلامه في مجلدات. ولو عاش اليوم لوجدناه يكتب في علم النفس العرفاني، لكنه عاش في زبيد القرن السادس، بين فقهاء لا يعرفون إلا “قال وقلنا – وحدثنا فلانٌ عن فلانٍ” في طابورٍ طويلٍ من العنعنة والأنأنة .
مأساته أن فكره أكبر من عصره، ولغته أضيق من تجربته. لذلك قتله الفهم الحرفي، وأحيته الذاكرة الصوفية.
وفي سبيل تعزيز الفهم وتعضيده فهمًا لطريقة شمس الشموس أبو الغيث بن جميل نورد استشهادًا آخر :
فحين قال شمس الشموس أبو الغيث بن جميل: “نزل الحامي من على المشباب، ليس في الفقير إلا الكبير”. عبارة من سطرين، لكنها بجرأة كانت تلخص معركة الصوفية الكبرى مع اللغة والعقل.
في الشطر الأول “نزل الحامي من على المشباب” صورة جبلية يمنية. “المشباب” قمة الجبل، و”الحامي” هو الله، والمعنى المتشكل: تنزل إلهي من التعالي إلى القرب، حركة ضد الثبات.
أما الشطر الثاني فهو ذروة الشطح: “ليس في الفقير إلا الكبير”. الفقير = العبد الفاني. الكبير = الله. النتيجة: وعاء الإنسان يفرغ من “الأنا” فلا يبقى فيه إلا الله.
فلسفيًا، المقولة تقوم على “فناء + بقاء”. يفنى العبد عن إرادته، فيبقى الحق متصرفًا فيه.
على خلاف الحلاج، فإنه حين قال ” ما في الجبةِ إلا الله ” حكم عليه السيف، أما حين قال شمس الشموس جملة قريبة منها نجا.
وعليه ، فإن شمس الشموس يقف بين البسطامي والحلاج في خريطة ” الشطح الصوفي”، فهو أجرأ من الجنيد المتحفظ، وأخف من الحلاج المُعدم.
هو لم يأتِ بمعنى جديد، بل صاغ المعنى القديم بلغة سلطة: “نزل الحامي” صورة ملكية، و”الكبير” اسم من أسماء الله. والرجل كان قطبًا في التصوف، يعرف جيدًا كيف يجذب المريدين، فكانت لغته كاريزما لا فتوى.
ما أود قوله هنا: أن مقولة شمس الشموس ليست كفرًا ولا هي توحيدًا خالصًا. هي “شطح آمن” نجح صاحبه في قول المعنى بلا دم. عبّر عن الفناء بلغة تحتمل التأويل، فنجا حيث هلك غيره.
واليوم، بعد أن كشف الباحث علوان الجيلاني مرقومه، وقام مشكورًا بإيجاد الحلقات المفقودةِ من التصوفِ اليمني، فإنه قد حان وقت إنصافه: لا كوليّ فقط، بل كمفكر سبق أهل عصره بقرون.
فهل نحن اليوم أهل للفهم، أم سنكرر خطأ الحكمي، ونكون ضحايا لسوءِ الفهم؟








