رؤى

هآرتس:  الجرائم التي ارتكبناها في غزة معروفة.. لكن الإسرائيليين يفضلون نسيانها

مقدمة اصوات: يعرض المؤرخ الإسرائيلي لي مردخاي، عددا من المسائل المتعلقة بالجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وحتى وقتنا هذا ويؤكد مردخاي أن هذه الجرائم لن تخضع لأي تحقيقات جدية مشيرا إلى أن أكثر من 60% من الإسرائيليين يرون أن القطاع المحاصر يخلو من الأبرياء.. ويلمح الكاتب إلى أن المؤسسات الرسمية المسئولة عن إنتاج المعرفة تعمل على تعزيز النسيان لدى مواطني دولة الاحتلال؛ ولكن ما لا يتسنى لتلك المؤسسات هو محو ذاكرة شعوب العالم التي رأت الجريمة النكراء بحق الإنسانية التي ارتكبها جيش الاحتلال في غزة.. وهي جريمة لا تُمحى ولا تُنسى ولا تسقط بالتقادم.

لي مردخاي11/7/2026

مضى 33 شهرا على السابع من أكتوبر، ويبدو كأن الحياة عادت إلى مجراها الطبيعي، فبدأت العطلة الصيفية، وأصبحت الانتخابات على الأبواب، بينما تتصدر العناوين أخبار أحدث التحالفات السياسية، واستطلاعات الرأي اليومية، أو الجدل بشأن مدى التزام الحكومة بقرارات المحكمة العليا، وهو ما يشغل الساحة السياسية في أزمة جديدة “مصطنعة”، هدفها إبعاد النقاش العام عن قضايا سيكون من الصعب على الائتلاف الحاكم تبريرها.

أمّا غزة، وما ارتُكب فيها من جرائم عديدة، ومَن يتحملون المسئولية عنها، فلا تكاد تحظى بحضورٍ في النقاش العام؛ هذا ليس خللا عارضا، بل سِمة متكررة، على غرار ما حدث بعد كل جولة من جولات القتال خلال العقدين الماضيين. فالجمهور الإسرائيلي ينسى بسرعة، وهذا النسيان هو الذي أدى إلى هجوم 7 أكتوبر،  واستمراره سيقود، في المستقبل القريب، إلى انهيار ما تبقى من إسرائيل الليبرالية، وفي المستقبل الأبعد، سيؤدي إلى تكرار حدثٍ مشابه لِما وقع في السابع من أكتوبر. وتساهم المؤسسات المسئولة عن إنتاج المعرفة في هذا النسيان، وفي مقدمتها وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، عبر تهميش ما يجري في غزة. وكَوني مؤرخا إسرائيليا اختار توثيق الأحداث في غزة، فإنني أعرض هنا تذكيرا بمجموعة من المسائل:

إسرائيل تواجه دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة، وفي موازاة ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي ووزير الدفاع السابق بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛ كذلك طلبت المحكمة أيضاً إصدار مذكرات توقيف سرية، يُرجَّح أنها تتعلق بالتهمة نفسها، بحق كلٍّ من وزير المال ووزير الأمن القومي ووزيرة الاستيطان، فضلاً عن اثنين من العسكريين.

قُتل أكثر من 73 ألف شخص في قطاع غزة، وأصيب أكثر من 173 ألفاً. وهذه الأرقام اعترف بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق هرتسي هليفي، الذي صرّح بأن أكثر من 10% من سكان القطاع قُتلوا، أو أُصيبوا. وتشمل هذه الأرقام، ما لا يقلّ عن 20 ألف طفل. وفي رأيي، تمثل هذه الأعداد تقديراً أقلّ من الواقع، والعدد الحقيقي للوفيات ربما يكون أعلى. فقبل عامٍ، قدّرت صحيفة “هآرتس” عدد القتلى بنحو 100 ألف (نير حسون، 25 يونيو/حزيران 2025)، قُتل أكثر من ألف منهم خلال فترة “وقف إطلاق النار” الحالية.

لقد منعت إسرائيل إدخال المواد الغذائية إلى القطاع مدة شهرين ونصف الشهر، الأمر الذي أدى إلى وفاة مئات الفلسطينيين جوعاً. وعندما سمحت باستئناف دخول المساعدات، جرى ذلك عبر “مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، وهي مبادرة إسرائيلية – أميركية أسفرت عن مقتل نحو 2600 فلسطيني وإصابة نحو 20 ألفا في أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء لعائلاتهم؛ كذلك  دمَّرت إسرائيل النظام الصحي في قطاع غزة بصورة منهجية، وتشير دراسة أكاديمية أن متوسط العمر المتوقع في القطاع انخفض إلى نحو نصف ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر. وتعرضت غزة لدمار واسع؛ بعد عامين على اندلاع الحرب، يتضح أنه تضرّر، أو دُمّر 81% من مباني القطاع، و90% من منشآت الطاقة، و74% من شبكة الطرقات، و88% من البنية التحتية للمياه، وهذا مجرد أمثلة، وليس قائمة شاملة.

تسيطر إسرائيل على المعلومات الخارجة من قطاع غزة، إذ لم تسمح منذ 33 شهرا للصحافيين بدخول القطاع بصورة مستقلة، والسبيل الوحيد للدخول هو عبر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي يحدد ما يمكن للصحافيين مشاهدته، ويفرض عليهم عرض الصور التي يلتقطونها على الجيش. وتمنع الرقابة العسكرية، إلى جانب ميل وسائل الإعلام إلى الرقابة الذاتية، حصول الإسرائيليين على صورة كاملة للواقع الذي يشكل حياتهم؛ في هذه الأثناء، تُظهر استطلاعات الرأي تبنّي الجمهور الإسرائيلي مواقف متشددة، إذ أظهر استطلاع أجراه معهد “أكورد” أن 62% من الجمهور يعتقدون أنه لا يوجد أبرياء في غزة.

تشجع الدولة ومؤسساتها التوجه نحو مزيدٍ من التشدد اليميني. لقد نفّذ الجيش الإسرائيلي، خلافا للقانون، حملة تأثير استهدفت المواطنين الإسرائيليين، فنشر -عبر قناة في منصة تليجرام كان يديرها سرا- مقاطع فيديو تتضمن مشاهد عنف شديد وإساءة معاملة بحق فلسطينيين؛ مؤخرا، رُقّي القائد المسئول عن هذه الحملة إلى منصب مدير هيئة الإعلام الوطنية في إسرائيل، فضلا عن أن القاضي الحاخامي أبراهام زربيب، الذي تفاخر بتسوية غزة بالجرافات، اختير لإشعال أحد المشاعل في احتفالات يوم الاستقلال.

إن نظام السجون الإسرائيلي هو أشبه بـ “ثقب أسود” يبتلع حياة مَن يدخله. هناك أكثر من 4500 فلسطيني محتجزين ضمن إطار الاعتقال الإداري، أو بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، وهما الإطاران القانونيان اللذان يسمحان باحتجاز أشخاص من دون توجيه اتهامات إليهم، ومن دون منحهم حقوقا أساسية. ومنذ السابع من أكتوبر، توفي أكثر من مئة فلسطيني داخل أماكن الاحتجاز، ومقارنةً بمعتقل غوانتانامو، توفي تسعة معتقلين خلال 21 عاما.

توقفت زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين بصورة كاملة أكثر من عامين ونصف العام، بموافقة من المحكمة الإسرائيلية العليا. ويتحدث محامون يمثلون معتقلين فلسطينيين، إلى جانب تقارير صادرة عن منظمات حقوق الإنسان وتغطيات إعلامية دولية، عن تعرُّض المعتقلين لمختلف الأشكال من سوء المعاملة، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية؛ والفلسطينيون الذين يغادرون منظومة الاحتجاز، يخرجون محطّمين، نفسيا وجسديا.

وبعكس آمال بعض الإسرائيليين، فإن المؤسسات الإسرائيلية القائمة غير قادرة، وغير راغبة في التحقيق مع نفسها، أو كبح تجاوزاتها. وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، جرى تجاوُز جميع الخطوط الحمراء. لقد سبق أن قال رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي: “لم يحدث، ولو مرة واحدة، أن قيّدني أحد، ولا حتى المدعية العسكرية العامة”. وأخبرني ضابط كبير في أحد الألوية النظامية بالتالي: “نحن (الجيش الإسرائيلي) نحتجز مئات العبيد.” في إشارةٍ إلى فلسطينيين يستخدمهم الجيش فيما يُعرف بـ” بروتوكول البعوض” [استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية ووصفهم بالبعوض]ٍ. إن تراجُع المعايير الأخلاقية في الميدان دفع نقيبا في الاحتياط إلى مطالبة المؤسسة العسكرية -علنا- بوضع حدود له ولجنوده (صحيفة “هآرتس”، 4 تموز/ يوليو).

وفي الواقع، لم ينجح الجيش حتى في فرض الانضباط في قضايا يراها أقل خطورةً من قتل الفلسطينيين. وبعد أكثر من عامين من معارضة القيادة العسكرية العليا لِما يُعرف بـ”شارة المسيح” [إشارة إلى جندي من فرقة ناحل وضع على زيّه  العسكري شارة تحمل اسم المسيح]، حُكم على جندي واحد بالسجن مدة شهر، قبل أن يُخفَّف الحكم عليه تحت ضغط سياسي. وخلال أكثر من عامين، بعد السابع من أكتوبر، تلقّت هيئة التحقيق التابعة لهيئة الأركان العامة -التي أنشأها الجيش الإسرائيلي في سنة 2014 خصيصاً لإجراء مثل هذه التحقيقات الداخلية- نحو أربعة آلاف حالة استوجبت التحقيق، لكن فُتحت تحقيقات رسمية في نحو ثمانين حالة فقط، أي ما يعادل 2% من مجموع الحالات، بينما لم تصل حالات أُخرى كثيرة تتعلق بإصابة، أو مقتل مدنيين، إلى هذه الآلية أصلا.

لقد وثّقت هيئة بريطانية مستقلة، استنادا إلى معلومات متاحة للعامة، أكثر من 15.500 حالة قُتل، أو أُصيب فيها مدنيون في قطاع غزة. ومن بين العدد المحدود من التحقيقات التي فُتحت، انتهى كثير منها من دون تقديم لوائح اتهام. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال السنة والنصف الأولى من الحرب، لم تُقدَّم سوى ثلاث لوائح اتهام تتعلق بجرائم ارتُكبت بحق فلسطينيين؛ انتهت إحداها بإدانة، بينما أُغلقت أُخرى كانت تخص أفرادا من “القوة 100″، وُثّقت إساءة معاملتهم لفلسطيني، وأُعيدَ المتهمون بعدها إلى الخدمة الفعلية، بل التقوا أيضا وزير الدفاع الذي اعتذر منهم.

إن هذه المعطيات -في معظمها- معروفة أصلا، وكان من المفترض في أي دولة سليمة أن تتمحور الانتخابات حول هذه الوقائع وتداعياتها، لكنها ستُنسى في إسرائيل خلال صيف 2026.

رابط المقال الأصلي:

https://www.haaretz.co.il/opinions/2026-07-11/ty-article-opinion/.premium/0000019f-4731-d4a4-afff-e7bf1df10000

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى