بعد ما يقرب من عقدين على الانقسام الفلسطيني، لم يعد ممكنا التعامل معه باعتباره خلافا سياسيا عابرا أو أزمة مؤقتة قابلة للحل بتوقيع اتفاق جديد، فقد تجاوز الانقسام – منذ زمن- حدود التنافس على السلطة والصلاحيات، وتحول إلى واقع سياسي ومؤسسي واجتماعي، بل إلى ثقافة سياسية كرّست الشك المتبادل، وأضعفت الثقة بالمؤسسات الوطنية، وألحقت أضرارا بالغة بالمشروع الوطني الفلسطيني.
لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمنا باهظا لهذا الانقسام، ففي الوقت الذي استنزفت فيه القوى الفلسطينية طاقاتها في صراعاتها الداخلية، واصل الاحتلال مشروعه الاستيطاني في الضفة الغربية، وأحكم حصاره على قطاع غزة، وعمّق سياسة الفصل الجغرافي والسياسي بين جناحي الوطن. ولم يكن الاحتلال يوما متضررا من الانقسام، بل كان أحد أكبر المستفيدين منه، إذ استغله للترويج لغياب الشريك الفلسطيني الموحد، ووجد فيه فرصة للمضي قدما في سياسة الضم الزاحف وفرض الوقائع على الأرض.
واليوم، وبعد حرب الإبادة وما خلفته من دمار غير مسبوق وخسائر إنسانية ووطنية هائلة، تبدو الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فقد كشفت هذه الحرب -بما لا يدع مجالا للشك- أن الشعب الفلسطيني يدفع ثمن الانقسام مرتين: مرة تحت القصف والحصار والتهجير، ومرة أخرى بسبب غياب قيادة وطنية موحدة تمتلك رؤية مشتركة لإدارة الصراع، وتوحيد الطاقات، وتحويل صمود الشعب وتضحياته إلى مكاسب سياسية ووطنية.
ولم تكن المشكلة يوما في نقص الاتفاقات أو المبادرات؛ فمن القاهرة إلى مكة، ومن الشاطئ إلى بكين، وُقعت عشرات الاتفاقات والوثائق، لكن جميعها تعثر عند لحظة التنفيذ، ولم يكن ذلك بسبب غموض النصوص، بل بسبب غياب الإرادة السياسية، إذ تعاملت أطراف الانقسام مع المصالحة باعتبارها ورقة لتحسين مواقعها السياسية، لا باعتبارها ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن الانقسام لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل تحول إلى خطر استراتيجي يهدد مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، فلا يمكن لشعب يخوض معركة وجود مع الاحتلال أن يبقى محكوما بسلطتين، وقانونين، وإدارتين، وخطابين سياسيين متناقضين، فيما يواصل الاحتلال استثمار هذا الواقع لتعميق سيطرته وتقويض أي أفق لإقامة الدولة الفلسطينية.
إن إنهاء الانقسام لا يتحقق بالشعارات ولا بالبيانات الختامية واللقاءات البروتوكولية، وإنما بإجراءات عملية تبدأ بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة جميع القوى، وتشكيل قيادة وطنية موحدة لإدارة المرحلة، وإجراء انتخابات عامة فور توافر الظروف المناسبة، وصياغة برنامج وطني جامع يوظف جميع أدوات النضال السياسي والشعبي والقانوني والدبلوماسي في إطار رؤية وطنية واحدة.
ولا تكتمل المصالحة الوطنية من دون مصالحة مجتمعية تعيد ترميم ما أصاب النسيج الاجتماعي من تصدعات خلال سنوات الانقسام، وتطوي صفحات التحريض والكراهية والإقصاء، فالوحدة الوطنية ليست مجرد اتفاق بين الفصائل، بل عقد وطني وأخلاقي يؤسس للشراكة، ويحترم التعددية، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني – رغم الحصار والحروب والتهجير- أنه يمتلك من الصمود والإرادة ما يؤهله لمواصلة نضاله من أجل الحرية، وهو يستحق نظاما سياسيا يرقى إلى مستوى تضحياته، ويستحق قيادة تدرك أن التنافس على سلطة محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال لا يمكن أن يكون بديلا عن التوحد في مواجهة المشروع الاستعماري الذي يستهدف الأرض والإنسان والهوية.
لقد علمتنا السنوات الماضية أن الانقسام لم يحقق نصرا لأحد، وأن الاحتلال كان الرابح الأكبر منه، كما أثبتت حرب الإبادة أن الوحدة الوطنية ليست ترفا سياسيا ولا شعارا يرفع في المناسبات، بل شرطا أساسيا للصمود، ولحماية المشروع الوطني، ولتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة أخطر التحديات في تاريخه المعاصر.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تكون هذه المأساة التاريخية نقطة تحول تدفع الجميع إلى مراجعة شجاعة، والانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء شراكة وطنية حقيقية؟ أم أننا سنواصل الدوران في الحلقة المفرغة، بينما يواصل الاحتلال فرض وقائعه على الأرض؟
إن التاريخ لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم المواقف والقرارات. والأجيال القادمة لن تسأل من انتصر في خلافات الأمس، بل ستسأل: لماذا تركتم الوطن منقسما في اللحظة التي كان فيها بأمسّ الحاجة إلى وحدتكم؟







