رؤى

يديعوت أحرونوت: قطاع الأوهام

مقدمة أصوات:
كتب ميخائيل ميلشتاين اليوم هذا المقال الذي يعكس جانبا من المراجعات في الخطاب الإسرائيلي بعد سنوات من الحرب على غزة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن مفارقة لافتة؛ فهو يعترف -ضمنا- بأن القوة العسكرية لم تحقق الهدف الذي أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها خاضت الحرب من أجله، والمتمثل في القضاء على المقاومة الفلسطينية، ثم ينطلق من هذا الاعتراف ليبحث عن كيفية احتواء نتائج الفشل، لا عن أسبابه. ويتجاهل الكاتب أن المقاومة ليست مجرد تشكيل عسكري يمكن إنهاؤه بقرار سياسي أو بترتيبات أمنية، بل هي تعبير عن صراع نشأ في ظل الاحتلال، وأن أي محاولة لعزل البعد الأمني عن جذور القضية السياسية محكوم عليها بإعادة إنتاج الأزمة. كما يناقش مستقبل غزة وكأن المشكلة تكمن في شكل الإدارة أو طبيعة الحكومة المقبلة، بينما يتجنب السؤال الجوهري: لماذا، بعد كل هذا الدمار والتفوق العسكري الإسرائيلي، لم يتحقق الهدف الذي رُفع منذ اليوم الأول للحرب؟

ويكشف المقال عن فجوة واسعة بين الخطاب الإسرائيلي الرسمي والواقع ؛ إذ يتحول شعار “القضاء على حماس” إلى نقاش حول كيفية التعايش مع استمرار نفوذها، ويتراجع الحديث عن “النصر المطلق” ليحل محله البحث عن تسوية تفرضها الوقائع السياسية والعسكرية، لا الأمنيات والشعارات.

المقال

لم يكن مفاجئا اقتراح “مجلس السلام” بشأن التسوية في غزة، والذي نُشر قبل يومين؛ ففي الوقت الذي كانت إسرائيل منشغلة بالعمليات العسكرية في إيران ولبنان، وبالصراعات الداخلية، عملت قطر وتركيا ومصر (الوسطاء في ملف غزة) على إعداد خطة لمستقبل القطاع، تتمحور حول تأليف حكومة فلسطينية من التكنوقراط، بدلا من حركة “حماس”، وبلورة صيغة غامضة بشأن نزع سلاح الحركة.

والشخص الذي أحدث الاختراق -كما هي الحال دائما- هو دونالد ترامب، الذي يعتبر السردية والصورة الإعلامية أهم من الحقيقة؛ ترامب هو الذي سيقرر ما إذا كان نُزِع سلاح “حماس”، بغض النظر عن الواقع، تماما مثلما أعلن في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن الحركة وافقت على نزع سلاحها، على الرغم من أن هذه الأخيرة نفت ذلك علنا، أو مثلما صرّح بأن إيران هُزمت في المواجهة الأخيرة، وأنها تتوسل التوصل إلى اتفاق، وأن نظامها أصبح أكثر اعتدالا.

من جهتها، ترى حركة “حماس” أن الاتفاق ينطوي على مزايا أكثر من العيوب؛ لذلك ترحّب به، فالحركة التي وجّهت إلى إسرائيل أقسى ضربة في تاريخها، والتي تعهّد بنيامين نتنياهو بالقضاء عليها، لكنها نجت فعليا بعد ثلاثة أعوام من حرب ضارية، وظلت القوة المهيمِنة في قطاع غزة، لا تعتقد أن التسوية تهدد مكانتها، أو مصالحها. ووفقا لتقديرها، ستتمكن من الحفاظ على قوتها العسكرية ونفوذها المدني تحت الغطاء الشكلي لحكومة التكنوقراط، أي من خلال تبنّي نموذج يشبه نموذج حزب الله، إذ توجد قوة فعلية إلى جانب سلطة رسمية ضعيفة.

وفيما يتعلق بالسلاح، تؤكد الحركة أن مطلب نزع السلاح يقتصر على الأسلحة الثقيلة فقط، والتي لم يعُد في حيازتها سوى القليل منها أساسا، وأن العملية ستكون بالتدريج، وتشمل، من بين أمور أُخرى، إمكان الاحتفاظ بالسلاح الشخصي، فضلا عن إجراءات غير واضحة تماما، مثل تخزين الأسلحة، أو إيداعها، من دون اشتراط واضح بأن يبدأ تنفيذ التسوية، فقط بعد نزع السلاح، وفق ما يطالب به نتنياهو باستمرار. علاوةً على ذلك، تطالب “حماس” بانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، حتى من دون نزع سلاحها؛ كذلك تشدد على ضرورة ألّا تكون إسرائيل طرفا في معالجة هذه القضية.

لم تُوقَّع التسوية بعد، ولا تزال تحيط بها علامات استفهام كثيرة، لكنها تبدو كأنها تضع إسرائيل أمام مأزق منذ الآن. ويتمثل التحدي الأكبر في احتمال احتفاظ حركة “حماس” بقوتها تحت مظلة حكومة التكنوقراط والقوة المتعددة الجنسيات المزمع نشرها في قطاع غزة، وهي الخطوة التي أيّدتها الحكومة الإسرائيلية قبل أسبوع، على الرغم من تعهّدها بعدم المضيّ في أي ترتيبات في القطاع قبل نزع سلاح “حماس”.

إن مجرد ترسيخ وجود حكومة التكنوقراط والقوة المتعددة الجنسيات على الأرض يمكن أن يضيّق هامش التحرك العسكري الإسرائيلي، إذ من المرجّح طرح حجج، مفادها بأن استمرار الهجمات سيقوّض الجهود الرامية إلى إرساء “نظام جديد” في قطاع غزة.

وربما يبرز تحدٍّ آخر على صعيد العلاقات مع واشنطن؛ فإذا أصرّ الرئيس دونالد ترامب على الدفع بالتسوية قُدما، فيمكن أن تتعرض إسرائيل لمزيد من الضغوط التي ربما تصل إلى حدّ حدوث احتكاك خطِر بين البلدين. وفي هذا السياق، قد لا تقتصر المطالب على السماح بدخول حكومة التكنوقراط، بل يمكن أن تشمل أيضا الدعوة إلى تخفيف النشاط العسكري الإسرائيلي، بما في ذلك عمليات استهداف عناصر التنظيمات المسلحة، والمضيّ في جهود إعادة الإعمار، والأهم من ذلك، الانسحاب التدريجي من “الخط الأصفر”، وهذا كله من دون اشتراط نزع سلاح “حماس” بالكامل، وبشكل فوري.

يُطرَح إطار التسوية في غزة في مرحلة حساسة تسبق الانتخابات، ومن المرجّح أنه إذا تسارعت وتيرته، فسينعكس سلبا على صورة بنيامين نتنياهو، الذي وعد بـ”النصر المطلق”، وتفاخر بدعمه الميليشيات المحلية (التي تطالب “حماس” بحلّها في إطار الاتفاق)، ولا يزال يتحدث عن إمكان إفراغ قطاع غزة من سكانه. إن الشعور العميق بالإحباط ربما يدفع إلى إطلاق عملية عسكرية جديدة في غزة عشية الانتخابات، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة، في وقتٍ تحتاج إسرائيل إلى تنسيق وثيق مع واشنطن لمواجهة التهديد المتمثل في البرنامج النووي الإيراني، ولترسيخ ترتيبات التسوية في لبنان.

يعكس إطار التسوية المطروح فجوة كبيرة بين الأهداف التي أعلنتها إسرائيل وبين النتائج المتوقعة، ومن المحتمل أن ينضم إلى سلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية التي شهدتها الحرب، والتي تعكس نمطا متكررا من سوء الإدارة، يتمثل في قيادة لم تُجرِ مراجعة لإخفاقاتها السابقة، فواصلت تكرار الأخطاء عينها، وهو ما أدى إلى مزيد من الفشل، وأكبر مثال لذلك مشروع “مؤسسة غزة الإنسانية” في غزة، أو التخطيط لإسقاط النظام الإيراني.

إن نهاية النهج القائم على الإصرار على الاعتماد على القوة وحدها، ورفض مناقشة مسألة “اليوم التالي” في غزة، والاعتقاد أنه يمكن العودة قريبا إلى القتال، معروفة سلفا، وهي أن يفرض ترامب تسوية تتعارض مع المبادئ التي طرحها نتنياهو، ولا سيما أن الاتفاق يتضمن أيضا هدفا يتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقبلا.

ربما كان في الإمكان التوصل إلى هذه التسوية من دون استئناف القتال في آذار/مارس 2025، وهل الاستيلاء على مساحات واسعة من قطاع غزة يشكل فعلا “إنجازا استراتيجيا طويل الأمد”، مثلما قيل، أم أنه خطوة من المتوقع التراجع عنها قريبا؟

المطلوب من إسرائيل في المرحلة الراهنة التركيز على التهديد النووي الإيراني، والحفاظ على التنسيق الوثيق والثقة المتبادلة مع واشنطن؛ لذلك سيكون الانزلاق إلى مواجهة حادة مع الولايات المتحدة بسبب غزة أمرا بالغ الخطورة. إن التسوية المقترحة بعيدة عن كونها إنجازا، لكنها تبقى أقل سوءا من البديل الذي يتمسك به كثيرون داخل الحكومة، والمتمثل في شن حرب واسعة، وربما احتلال قطاع غزة، في ظل استمرار موجة من الحماسة لفكرة بعيدة عن الواقع، هي “العودة إلى غزة” وإقامة مستوطنات فيها.

في ضوء هذه الأوضاع، من الضروري تحديد المصالح الحيوية لإسرائيل في غزة وفق مبدأ “الردع”، وعلى رأسها: الحفاظ على حرية العمل ضد أي تهديدات ناشئة في القطاع؛ وإقامة منطقة واسعة بمحاذاة الحدود يُحظَر فيها أي نشاط من أي نوع، وبشكل خاص تمركُز أي جهة معادية؛ والاحتفاظ بحق النقض (الفيتو) على الجهات الأجنبية التي ستدخل إلى غزة؛ والأهم من ذلك، ضمان ألّا يكون محور فيلادلفيا تحت سيطرة حركة “حماس”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى