ساقتني الأقدار إلى مسرح الطليعة بالعتبة، لمشاهدة أحد العروض المسرحية، صعدت سلم المترو.. وجدت نفسي وسط الباعة الجائلين ومخلّفاتهم التي تغطي المكان وتُخفي مدخل المسرح، حتى أنني اضطررت لسؤال المارة والباعة عن مكان المسرح، وهو المكان الذي أعرفه من سنوات طويلة، لكنني فعلا لم أجده وسط أجولة الملابس الملقاة على الأرض وأمامها يقف الباعة والمارة في زحام وضوضاء لا توحي بأن هذا المكان به أحد أهم وأعرق المسارح في مصر!
مسرح الطليعة في أيام مهرجانات المسرح المختلفة يستقبل عروض مسرحية من دول مختلفة عربية أو أفريقية أو حتى أجنبية؛ ليصبح هذا المشهد العبثي هو عنوان دولة بحجم وتاريخ مصر والفن المصري، مسارح تاريخية وعريقة مثل الطليعة والقومي، محاطه بالباعة الجائلين وما يصحب هذا من زحام وتلوث وضوضاء وفوضى، وما قد يتعرض له رواد المسرح سواء جمهور أو فنانين مصريين أو غير مصريين من مضايقات أو تحرش لفظي أو تعدي على من يعترض أو يحتك بهؤلاء الباعة !
الأمر يحتاج تدخل عاجل وفوري من الدولة.. بالطبع لا نطالب بطرد أو غلق مصدر عمل ورزق لهؤلاء الباعة فهم بالتأكيد لم يتعمدوا إهانة الفن المصري، ولا يعنيهم في شيء، لكن بالطبع عملهم ومصدر رزقهم أهم عندهم من أي شيء آخر؛ لذا أرجو أن يكون هناك حل تنظيمي لوجودهم مع الحفاظ على قيمة المكان ومظهره، حل يسمح لهم بالتواجد والعمل، وأيضا يسمح بوجود صرح فني كبير يقدم عليه فناني مصر إبداعهم للجمهور المصري بكل شرائحه.
ماذا بعد مقتل شفيقة؟!
نعود للعرض المسرحي “متولي وشفيقة” العمل من تأليف محمد علي إبراهيم واخراج أمير اليماني، في البداية سألت نفسي وأظن كل من عرف بهذا العرض، ما الجديد في متولي وشفيقة أو شفيقة ومتولي ليُعاد تقديمها، إعداد مختلف أم رؤية جديدة، ذهبت وبي توجّس أن يكون العمل تكرار للرواية المعروفة.

المفاجأة أن العمل ذهب لما هو أبعد من الرواية المعروفة، أو ذهب لما بعد الرواية، ماذا حدث لمتولي بعد أن قتل شفيقة، فرح بالثأر لشرفه أم حزن لفراق أخته الوحيدة ؟ العمل هو رحلة في عقل وضمير متولي بعد أن قتل أخته ثأرا لشرفه ورجولته ومحاكمة لموروث شعبي وأفكار قديمة عن القتل دفاعا عن الشرف، العمل يكسر تابوهات الموروث الشعبي، فليس كل ما نعرفه مقدس وحقيقي، كل الروايات تحمل أكثر من وجهة نظر؛ قد تكون الضحية هي الظالمة، وقد يكون القاتل هو البريء الوحيد، المهم أن نعيد التفكير والقراءة، ولا نستسلم لأفكار وأحكام جاءت لنا مع قلب الماضي.
يُرفع الستار لنرى ديكور منزل متولي، يعيش فيه وحيدا مهزوما، تهاجمه الخيالات والأوهام، في يمين المنزل نرى باب البيت القديم وبجواره طاقات بها بلاليص في رمزية للعقول الفارغة التي ما زالت تحمل موروث شعبي قديم وعفن، وفي عمق المنزل مرجيحة تظهر من خلالها شفيقة في مراحل عمرية مختلفة لنرى علاقة الحب بين متولي وشفيقة، كيف كان الأب البديل، كيف كان لها كل الدنيا وكل الرجال، كان يحملها في عقله وقلبه، كانت ترى الحياة من عينيه، وما إن ذهب للجهادية حتى انهارت من الداخل، وأصبحت عُرضة وفريسة لكل حب كاذب ولكل وجه مخادع، في اليسار نرى حائط عليه صور ولد وبنت بالألوان وهي رمزية لعلاقة الحب بين الأخ وأخته منذ نعومة أظافرها، هذه الزاوية المختلفة في سرد العلاقة يبن متولي وشفيقة، منحت الشخصيات عمق أكبر جعلت كل أفعال الشخصيات مبررة، مهما كانت قاسية أو منحرفه، زاوية سرد جعلت المتفرج جزءا من الرواية وفاعلا أصيلا في المحاكمة.

يبدأ العرض ومتولي في الوسط حزين مكسور، عروق الشجر التي كانت تحمل البيت أو كانت جزء من البيت -كما العادة في كل منازل الريف- تحولت لأشباح تخرج وتتحرك على المسرح وتُحاكم متولي في أداء حركي مميز ومبهر، من مجموعة من الشباب قادهم بكل احترافية وتميز المخرج أمير اليماني، مجموعة الأشباح تقود محاكمة لعقل وضمير متولي اللذين قاداه للقتل، وأثناء المحاكمة يُعيد متولي سرد الرواية من البداية حتى النهاية؛ محاولا فهم لماذا فعلت هذا وهل كانت تستحق القتل أم أنه تعجّل وظلمها؟
انتقل العرض بين الماضي والحاضر بكل بساطة وعمق؛ ليسرد لنا تفاصيل الرواية التي لا نعرفها، دخلنا معه إلى عقل متولي وعشنا معه المأساة بكل تفاصيلها، لنرى كيف ثأرت شفيقة من متولي وكل من قتلها بعد أن رحلت.
الديكور المتميز والمبهر للفنان محمد سعد، هو أحد أبطال العمل، على قدر بساطته كان مليئا بالعمق ودلالات تعبر عن حالات الضياع والتيه الذي عاشه كل من متولي وشفيقة في مراحلهم الدرامية المختلفة، وكانت الاستعراضات والأداء الحركي لـ أحمد مانو مكملين للسرد، وعبر بالجسد عن حقيقة الصراع الذي عاشه متولي ومحاكمة ضميره، عندما يكون التعبير بالكلام صعب يكون الجسد هو الوسيلة الأكثر صدقا.

على مستوى الأداء، تميز محمد فريد في دور متولي حيث قدّمه بقدر كبير من الصدق والتمكن، تدرّج فريد في انفعالاته في مراحل تطور وتغير الشخصية من الحنان للقسوة، ومن الحب للكراهية، دون أن يُفقدنا التعاطف معه، عشنا معه تأنيب ومحاكمة الضمير، تعاطفنا معه وبررنا ما فعله، ثم رفضنا هذا الفعل القاسي وبررنا ضياع شفيقة بنفس الصدق والإحساس.
وجاءت شفيقة من خلال ثلاث مراحل زمنية، الأولى مع الطفلة دالا حربي والتي قدمتها بعفوية وتلقائية ملفتة، والمرحلة الزمنية الثانية وهي مرحلة الصبا مع الشابة منة اليماني وهي مرحلة التحول للتمرد والتساؤل، وأخيرا مرحلة السقوط والانحدار مع يسرا المنسي، وهي المرحلة الأكثر تعقيدا مرحلة التحول الدرامي والسقوط الذي يعقبه العقاب والثأر، قدمتها يسرا بكل اقتدار وعبرت عن الحب والضياع والخطيئة بصدق وإحساس كبير
دياب أو أحمد عودة، كان مميزا لدرجة كبيرة حيث قدم لنا شخصية مركّبة تحمل الحب والخداع، قدم انحطاط وفساد دياب دون أن يسقط في نمطية الشرير المتعارف عليها.
وخلف كل هذا يقف المتميز والموهوب أمير اليماني، الذي صاغ كل هذا وقاده ليقدم لنا معزوفة فنية عظيمة مكتملة العناصر، عمل هو الأفضل والأكثر اكتمالا في السنوات الأخيرة، عرض مسرح أتمنى أن يستمر عرضه ويخرج من الطليعة؛ ليجوب المحافظات التي خرج منها هذا الموروث، ليحاكم الجميع ويناقش الكل، عمل أتمنى أن يراه الجميع؛ ليعرفوا أن وسط كل هذا الإحباط والزحام والميديكور، هناك فن يعافر ويحاول أن يظهر فلا تمنعوه.

العرض فتح لنا بابا من الأسئلة والاحتمالات الواجب طرحها، لا حقيقة مؤكدة ولا رواية نهائية إطلاقا، الموروث الشعبي وكل الحكايات تحتمل التأويل وإعادة القراءة، والراوية تحمل بداخلها أكثر مما يظهر، وما تظنه مجرما قد يكون الضحية وما تعتقد أنه مظلوما قد يكون الأكثر ظلما وقسوة، فقط أفتحوا الأبواب للأسئلة والطرح، لا تقدسوا الروايات ولا تصدقوا الحكايات.
ونظرا لتميز كل العناصر، هيمن عرض “متولي وشفيقة”، للمخرج أمير اليماني، على جوائز الدورة الـ 19 من المهرجان القومي للمسرح المصري، حيث حصد “أفضل عرض مسرحي أول” و”أفضل إخراج” و”أفضل أداء حركي” لأحمد مانو و”أفضل تصميم ديكور” لمحمد سعد.









