رؤى

جنة التكنولوجيا الزائفة.. وتيه المعرفة!

شكلت جائحة كورونا نفطة مفصلية دفعت بالبشرية إلى تيه لم تعد منه إلى الآن.. كان من مظاهره ضعف الروابط الإنسانية والرغبة الشديدة في العزلة وفقدان الانتماء إلى المجموع في تجلياته الثلاث: الناس، المكان، التاريخ. ليصبح إنسان ما بعد 2019، إنسانا مختلفا بالكلية عنه قبل ذلك التاريخ.

ليس من قبيل القول بنظرية المؤامرة، أن ندرك أبعاد هذا التحوّل الذي ساهمت فيه التكنولوجيا بقدر وافر؛ فقد استطاعت أن تملأ كل فراغ حادث بسرعة كبيرة يصعب معها إيقافها.. فالعالم الآن يفضل التعامل مع الجزر البشرية المنعزلة، عن تلك الكتل التي كانت تتحرك من آن لأخر لتعلن عن رفضها أو تبرمها حيال أمر ما.

إن وعي الإنسان بواقعه ومحيطه وتفاصيل أمسه واستشرافه لما هو آت- هو ما يشكل حقيقة وجوده اليوم.. لكنه ذاهل عن كل ذلك، غارق في لحظته الراهنة، لا على سبيل التبصر؛ بل التغييب والاستغراق غير الواعي في حاضره، بما لا يسمح له باستقراء معطيات ومتغيرات ومآلات هذا الواقع.

إن تفسُّخ المجتمعات وتحللها وانهيار منظوماتها الأخلاقية على النحو الذي نراه اليوم- هو أسوأ بكثير من آثار الحروب المدمرة، والكوارث الطبيعية المهلكة؛ لأنه إيذان بالفناء الحقيقي الذي لا مجال للعودة منه.. فنحن نرى الآن عالما تحكمه القيم الفاسدة.. بينما أصبحت القيم النبيلة والمثل العليا تتوارى خجلا، والهدم في هذا الجانب صار يتخذ أشكالا وألوانا لم نعرف تبجحها من قبل.. إن تلك المقارنات التي تنتصر للقيم المادية، وتنتقص -بضراوة- من منظومتنا القيمية -صارت أوضح من أن تخطئها عين، والأمثلة على ذلك بلا حصر في واقعنا.. وفي العالم من حولنا.

إن أخطر ما في هذا الفساد المستشري اليوم، هو قدرته على تقديم نفسه على أنه من طبائع الأشياء التي لا يجب التوقف عندها.. بل إنه في أحيان كثيرة يقدم نفسه بوصفه فضيلة.. صنعها الذكاء الاجتماعي والمهارة في اقتناص الفرص. بعد أن تحول الجشع إلى طموح، والأنانية إلى استقلال، والقسوة إلى واقعية، والتخلي عن الآخرين إلى حماية للذات. عندها لا يعود الصراع بين الخير والشر صراعا واضح الحدود؛ وإنما يصبح صراعا على تعريف الخير نفسه.

ولهذا فإن المقارنات التي تنتصر للقيم المادية، وتنتقص بضراوة من منظوماتنا الأخلاقية، لم تعد حالات فردية أو استثناءات عابرة، وإنما أصبحت أكثر وضوحا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الخطاب العام، وفي أنماط السلوك، وفي الطريقة التي يُقاس بها نجاح الإنسان وفشله.

وربما كان أخطر ما في هذا التحول، أن الإنسان لم يعد يواجه منظومة قيمية بديلة فحسب، وإنما يواجه عالما يسعى إلى إقناعه بأن القيم نفسها أصبحت عبئا، وأن الوفاء سذاجة، والإيثار خسارة، والتواضع ضعف، والانتماء قيد، وأن أفضل طريقة للنجاة هي أن ينشغل المرء بنفسه، وأن يكتفي بعالمه الصغير، وأن يقطع ما استطاع من صلاته بما حوله.

منذ زمن بعيد مثلت قيمة المكان للإنسان جزءا مهما من ذاكرته.. واحتل الصراع حول المكان أهمية كبيرة في تمثلات تدافع القيم.. رأينا ذلك في الأدب وفي الدراما كما رأيناه في الحياة بأشكال عديدة.. فكانت خطيئة المحو حاضرة مع كل حجر يغادر موضعه إلى الأبد.. ومع كل شجرة تقتطع عن جذورها.. آلية ناجعة للتكريس لإسقاط ذاكرة المكان، ومن ثم الانتماء إليه والتمسك به.. لتصبح تلك الأمور مُسلما بها مع تضاعف الضغوط المادية على إنسان هذا العصر البائس.

في ظل هذا الواقع يجد الإنسان نفسه معاديا لتاريخه الذي يتهمه بأنه هو من صنع بؤسه المقيم.. ليبدأ رويدا رويدا في التخلي عن مبادئه وانحيازاته بوصفها أثقال يجب التخفف منها.

من هنا نعود إلى الاغتراب بمفهومه الأعمق؛ فالإنسان لا يصبح غريبا عن المكان والناس والتاريخ لأنهم اختفوا، وإنما لأن منظومة المعاني التي كانت تربطه بهم تآكلت بالفعل. وحين يسقط المعنى، تتحول الأماكن إلى مجرد مواقع، والناس إلى مجرد عابرين، والتاريخ إلى مجرد أحداث مضت، ويصبح الإنسان أكثر وحدة حتى وهو يعيش بين أهله.. “فهل إلى خروج من سبيل؟”.

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى