رؤى

ما بعد الطوفان.. بين “النُّصرة” والرعب

“فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍ: أعطيت جوامع الكلم، نُصرت بالرعب مسيرة شهر، أحلت لي الغنائم، جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أرسلت إلى الخلق كافة، ختم بي النبيون” حديث شريف.

في صباح يوم الجمعة الموافق الرابع والعشرين من يوليو2026، هاجمت مجموعة من المستعمرين الصهاينة بلدة تل في الضفة الغربية المحتلة قرب مستعمرة حفات جلعاد.

بدا المشهد معتادا بالنسبة لأهل الضفة إلى حد كبير، فالمستعمرون مدججون بالسلاح ومن خلفهم جيش الاحتلال يدعمهم ويحميهم ويقمع من يحاول التصدي لهم من اصحاب الأرض.

لكن شابا من أهالي القرية يدعى فاروق رمضان والملقب بين أهل القرية بالشيخ فاروق، تصدى لجموع المستعمرين ولم يرهبه سلاحهم.

وفي لحظة فارقة تمكّن الشيخ فاروق، من انتزاع سلاح أحد المستعمرين وأطلق النار على قُطعان المستعمرين، وعلى جنود الاحتلال فقتل منهم جنديين ثم سقط شهيدا برصاص المحتلين.

أثار المشهد -على قصر مدته- حالة من الرعب في أوساط الجيش والأجهزة الأمنية الصهيونية، حيث قام الجيش بإلغاء إجازات الجنود وفرض طوق أمني شامل على مدينة نابلس القريبة، كما ضاعف من عدد وحداته في الضفة الغربية.

لم يعكس هذا الهلع مجرد خوف المحتل من تحوّل الشيخ فاروق إلى نموذج يحتذيه شباب الضفة فحسب؛ بل حالة لا تزال قائمة في أوساط الصهاينة -جنودا ومستعمرين- بعد نحوٍ من 3 سنوات من انطلاق معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر من عام 2023.

فوفقا لتقرير لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الناطقة بالإنجليزية (27 يونيو 2026) أشار استطلاع للرأي أجري في صفوف المستوطنين الصهاينة، إلى أن نحوا من ثلاثة أرباعهم مازالوا يخشون تكرار سيناريو السابع من أكتوبر.

وأوضح الاستطلاع الذي أجرته القناة 12 في التلفزة العبرية أن 74 % من المستطلعة آراؤهم يخشون هجوما كذلك الذي تعرضت له مستوطنات غلاف غزة في ذلك اليوم على يد المقاومة الفلسطينية.

وفي تعادل لافت، رأى 33% من المستوطنين أن الوضع الأمني صار أفضل بعد نحوٍ من 3 سنوات من المعركة في حين قالت نفس النسبة أن الوضع الأمني صار أسوأ بالنسبة لهم.

وأوضح 66% ممن شملهم الاستطلاع المشار إليه إلى أنهم يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر، وأبدوا رغبتهم في أن تكون لجنة رسمية، وأن يختار أعضاؤها من قبل المحكمة العليا في دولة الاحتلال، وهو مطلب لازالت الحكومة الصهيونية الحالية تتهرب من تنفيذه.

أما على صعيد جيش الاحتلال، فثمة خوف مماثل أشار إليه تقرير لقناة “N 12” التلفزيونية العبرية.

حيث نقل تقرير عن مصادر في جيش الاحتلال قولهم إنهم رصدوا وضعا في قطاع غزة مشابها لما كان سائدا قبل السابع من أكتوبر من عام 2023.

وأكدت هذه المصادر أن المقاومة الفلسطينية في القطاع ترسل عناصرها لرصد القوات الصهيونية المتواجدة في المنطقة التي يدعوها جيش الاحتلال “الخط الأصفر” ومراقبة تحركاتها ومحاولة التعرف على مواطن الضعف والثغرات في صفوفها، إضافة إلى محاولة معرفة إلى أي مدى يمكن لمقاتلي المقاومة الاقتراب من قوات الاحتلال دون أن يُرصدُوا.

كما أشارت المصادر إلى اعتقاد سائد في أوساط قوات الاحتلال في قطاع غزة- أن نشاط المقاومة المذكور أعلاه ليس مجرد نشاط عادي أو روتيني وإنما تحقق متعمد من قبل المقاومة من القواعد التي تحكم تحركات جيش الاحتلال في منطقة “الخط الاصفر”.

وحذّر جنود متواجدون في قطاع غزة من أن التردد في التعامل مع هذا النشاط من قبل المقاومة من شأنه أن يشجعها على التخطيط لهجمات أكثر خطورة في المستقبل.

وأوضح من أسماهم التقرير بالمراقبين في صفوف جيش الاحتلال، مقارنتهم بين الوضع الحالي والوضع ما قبل “طوفان الأقصى”٬ مشيرين إلى أن ثمة أوجه تشابه من بينها: تدريبات غير اعتيادية لعناصر المقاومة وزيادة في نشاطهم قرب “الخط الفاصل” وعلامات أخرى على استعداد المقاومة لجولة جديدة مع الاحتلال.

إن ما تعكسه هذه المخاوف هو إخفاق المنظومة الصهيونية: حكومة وجيشا في أن تعيد للمستعمر الاحساس بالأمن الذي افتقده صبيحة السابع من أكتوبر، حين فوجئ بأصحاب الأرض في قلب مستعمراته المقامة على أرضهم المغتصبة.

إذن لم يفلح تدمير قطاع غزة الممنهج ولا اغتيال قادة المقاومة ولا حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023، بحق الشعب الفلسطيني في إقناع هذا المستعمر بأنه آمن على الأرض التي يدعي أنها “أرض ميعاده”.

وقد أثبتت التجربة أن هذه الدعوى تنهار حين ينهار الأمن، ويصبح تخلي المستعمر عن “أرض الميعاد” المزعومة ومغادرتها إلى خارجها، أمرا غير مفاجئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى