في حادثة أظن أنها الأولى في تاريخ السينما المصرية -علي الأقل في السنوات الأخيرة- أن يتخلى أبطال الفيلم عن فيلمهم؛ قبل أن يُعرض. قد يحدث هذا عندما يفشل الفيلم، ويضطر أبطاله للتبرؤ منه، وإلقاء اللوم على أطراف أخرى، أما أن يتخلوا عنه قبل العرض التجاري؛ بل وفي يوم العرض الخاص للنقاد والصحفيين فهذا أمر يدعو للدهشة والتساؤل!
قبل العرض الخاص بيوم واحد، أصدرت بطلات العمل بيانات صحفية وأخبار موجَّهة باعتذارهن عن حضور العرض الخاص نظرا لسفرهن، حتى أن ياسمين رئيس، إحدى بطلات العمل اعتذرت عن الحضور بسبب انشغالها بتصوير فيلمها الجديد “شمس الزناتي 2” لتكون المفاجأة هي حضور مخرج شمس الزناتي 2 العرض الخاص لفيلم الست لمَّا! وهو ما أكد ظنون البعض بوجود شيء ما في الكواليس بين بطلات العمل وصُنَّاعه، قد يكون بسبب ترتيب الأسماء في تتر العمل وعلى الأفيش، وقد يكون المستوى المتواضع الذي ظهر عليه الفيلم في نسخته الأخيرة، وإن كنت أظن أن المبرر الأول هو الأقرب للواقع لأن تواضع مستوى الأفلام أصبح سمة أساسية مؤخرا، ومع ذلك يخرج أبطال العمل يشيدون بما قدموه وبنجاح العمل الذي فاق التوقعات.
نعود للفيلم الذي يعد إطلاق اسم فيلم عليه من باب المجاز.. العمل يتحدث عن دكتورة تقرر إنشاء جمعية نسائية لرفع الظلم عن المرأة والمطالبة بالمساواة مع الرجل! وتطلق من خلال هذه الجمعية صيحة اعتراض “ڤيتو” على كل ما يهين المرأة ويقهرها ويعيقها، وتطالب الدكتورة دينا الكردي (يسرا) النساء بمقاطعة الرجل لمدة شهر اعتراضا على ممارساته ضد المرأة وتلقي الدعوة تفاعلا في المجتمع ككل، ومنها تخرج عدد من المفارقات والمشاهد المفترض أنها كوميدية.
فكرة فيلم كانت تصلح للتناول قبل خمسين عاما من الآن، فمن غير المعقول أن تطالب المرأة في عام 2026، بالمساواة من خلال نفس الزوايا والموضوعات التي سبق تناولها في سينما الأبيض والأسود دون أي تجديد أو اجتهاد، دون مراعاة للتطور الاجتماعي في نصف قرن. جاء السيناريو مفككا ومترهلا ومباشرا أقرب إلى المقالات السطحية والإسكتشات المتفرقة والمواقف المفتعلة إلى الإبداع الفني. جاء الحوار مباشرا لحد الفجاجة واستخدم جملا باتت من الماضي ووقعت في فخ الاكليشيهات في الحديث عن ضرورة المساواة مع الرجل مثل “المرأة نصف المجتمع وهي الأم والأخت والبنت”. حوار يُشبه إلى حد كبير ما قالته مديحة يسري في “بنات حواء” عام 1954، لكن بنات حواء كان أكثر إقناعا وتماسكا عن ما شاهدته في أحداث الفيلم.
التحولات الدرامية لبعض الشخصيات في الفيلم بدت بلا مبرر معقول لا في منطقها الأول ولا في تحولها الأخير.
على مستوى التمثيل لم يحضر أحد إلا دُنيا سامي، التي قدمت أداءً هو الأفضل بين كل بطلات العمل، فهمت طبيعة الشخصية وعاشتها بكل تفاصيلها، في حين جاء أداء يسرا -رغم موهبتها العريضة- مفتعلا ومبالغا فيه بهدف استجداء الكوميديا، أما درة وياسمين رئيس، فقد دفعا ثمن كتابة محدودة وسطحية للشخصيتين، فلم يبذلا أي مجهود في تقديمها فجاء الأداء باردا لا يوصل للمشاهد أي إحساس.
الفيلم هو العمل الأول لـ خالد أبو غريب، وكان فرصة جيدة لتقديمه من خلال فيلم جماهيري مليء بنجوم وأسماء كبيرة تكفي لتنجيم أي مخرج في بداية الطريق، لكن أبو غريب لم يستغل الفرصة ولم يقدم لنا ما يدعو الناقد للخروج من الفيلم؛ ليقول لدينا هنا مخرج واعد، المخرج أخفق في علاج عيوب السيناريو الواضحة وفي إدارة الممثلين وعجز أن يستخرج منهم أفضل أداء أو حتي أداء متوسط فنيا. لم يقدم المخرج صورة جيدة أو كادرات متميزة، فأصبحنا امام فيلم مفكك بلا رابط، يهيمن عليه الافتعال والتهريج.
وللتأكيد على مستوى الإخراج المتواضع، جاء في أحد مشاهد الفيلم قيام المعلم المزواج (عمرو عبد الجليل) بقيادة مظاهرة رجالي أمام المركز النسوي الذي تديره دينا الكردي، وظهر حول عمرو عدد قليل من الرجال المتظاهرين، في الخلفية أضيفت أعداد كبيرة من المتظاهرين بالـ AI ومع تغير الكاميرا والشوت التالي ظهر اختلاف العدد واختفاء الـ AI وتحول المشهد إلى كوميدي هزلي بسبب تواضع الإخراج.
لم تفلح محاولة المنتج وبطلة العمل في حشد أكبر عدد من ضيوف الشرف علهم أن يضيفوا شيئا ما إلى فيلم بلا أية مقومات نجاح أو يبثوا الروح في جنين وُلد ميتا فشارك في الفيلم ضيوف شرف “هاله سرحان، لميس الحديدي، كِنده علوش، كريم فهمي، ماجد المصري، حمدي الميرغني، كريم عفيفي، أحمد صيام، هدى الإتربي، محمد أنور”
والسؤال الأهم بالنسبة لي كيف قبلت نجمة كبيرة -بحجم يسرا- أن تشارك في فيلم بهذا المستوى وهي تملك من الخبرة الفنية ما يمكنها من تقييم مستوى السيناريو من القراءة الأولى، وأن تختار عندما تمثل عملا أفضل من هذا؟ وهل تحتاج يسرا بتاريخها للتواجد بأي شكل وفي أي عمل؛ حتى تقبل ان تقدم ما قدمته في “الست لمّا”!
أعتقد بالنسبة لنجمة كبيرة ربما يكون الابتعاد مؤقتا لحين العثور على عمل جيد أفضل بكثير من المشاركة في عمل بهذا المستوى.
“الست لمّا” هو واحد من أضعف وأسوا أفلام هذا الموسم وربما في السنوات الأخيرة، فلم يشفع له ولم يجعله ناجحا، كل هؤلاء النجوم، وكل هذه الأسماء التي شاركت فيه.








