في أحد مشاهد الفيلم الأمريكي الكلاسيكي “12 رجلا غاضبا” والذي يتناول مداولات 12 مُحلفا في قضية معقّدة في إحدى محاكم مدينة نيويورك الأمريكية، ينهض أحد المحلّفين في غضب ويؤكد اقتناعه بإدانة المتهم؛ لأنه ببساطة “واحد منهم”.
لا يوضح الفيلم من “هم” المشار إليهم، ولكن المحلّف يمضي في عنصرية مقيتة، ليضيف أن الجريمة من طبعهم، وليس من المستغرب أن “واحدا منهم” قد ارتكب جريمة قتل.
هنا يحدث أمر لافت؛ فبدلا من أن يرد بقية المحلّفين على منطق زميلهم الشديد التعصب؛ فإنهم يكتفون بإدارة ظهورهم له وتجاهل ما يقوله تماما؛ حتى يجد نفسه معزولا ولا يجد بُدًّا من أن يصمت تماما.
اليوم، تبدو دولة الاحتلال الصهيوني، أشبه ما تكون بهذا المحلّف، فكلاهما يستخدم ذات المنطق العنصري، وكلاهما أيضا -بسبب هذا المنطق- بات منبوذا أشبه بجزيرة معزولة في البحر.
فوفقا لاستطلاع للرأي أجراه مركز “بيو” للدراسات في الولايات المتحدة في شهر يونيو الماضي على امتداد 36 دولة في العالم، فإن غالبية سكان هذه الدول ينظرون بشكل سلبي للغاية، لدولة الاحتلال.
حيث أعرب 67% من البالغين -في الدول المشار إليها- عن نظرتهم للكيان الصهيوني بشكل عدائي أو سلبي.
وفي حين ترتفع نسبة النظرة السلبية للكيان، في دول ذات أغلبية مسلمة مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا، فإن اللافت وفقا للاستطلاع هو تزايد النظرة السلبية لدولة الاحتلال في بلدان أوروبية مثل: هولندا وإيطاليا وإسبانيا.. حيث أعرب نصف البالغين على الأقل في هذه الدول عن عدائهم للكيان الصهيوني.
وفي الولايات المتحدة -الداعم الأكبر والأساسي لحرب الابادة الصهيونية في غزة- أعرب 60% من المستطلع رأيهم عن نظرتهم السلبية لدولة الاحتلال.
ويزداد العداء للكيان الصهيوني وفقا لواضعي الاستطلاع في صفوف الشباب، خاصة في كلٍ من أميركا الشمالية والقارة الأوروبية.
كما أوضح الاستطلاع زيادة عدد من ينظرون إلى دولة الاحتلال بهذا الشكل، ففي بلد تدعم حكومته الاحتلال مثل الأرجنتين، كان نحوا من 46% يعادون الكيان في عام 2025، وفقا لاستطلاع السابق.. لكن هذه النسبة قفزت الى 55% في عام 2026.
هذا التحول الذي أحدثته حرب غزة، في نظرة شعوب العالم إلى الكيان الصهيوني، ليست خافية على الإعلام العبري الذي أبرز بعض مظاهر هذا التحول.
حيث ذكر تقرير لجريدة يديعوت أحرونوت في شهر يوليو 2026، تحت عنوان “ظاهرة لم نرها من قبل” أن وزارة الخارجية في دولة الاحتلال؛ رصدت ظاهرة خطيرة وهي أن الصهاينة باتوا مستهدفين، كلما سافروا إلى خارج فلسطين المحتلة.
وعلى عادة الدعاية الصهيونية، أرجع التقرير هذا الاستهداف إلى ما أسماه “معاداة السامية” في محاولة لنفي أن يكون هذا الاستهداف، نتيجة طبيعية ومباشرة لحرب الإبادة في قطاع غزة.
ويمضي التقرير ليذكر أنه خلال الفترة ما بين يوليو 2025، ويوليو 2026، طلب نحو 45 صهيونيا، العون من وزارة الخارجية بسبب تعرضهم لمواقف استهدفوا فيها في الخارج.
وتنوعت المواقف ما بين سب هؤلاء أو رفض أماكن معينة في الخارج -فنادق ومطاعم- تقديم خدمات لهم أو تطور الأمر في بعض الأحيان إلى البصق في وجوههم.
ومن بين الدول الأسيوية التي واجه الصهاينة فيها مواقف كتلك تايلاند، كما واجهها آخرون في دول اوروبية مثل اليونان وإيطاليا؛ بل في الولايات المتحدة ذاتها.
وأوضح مسئول في وزارة خارجية العدو، للجريدة أنه وعلى مدار عام كامل (2025-2026) تنامت هذه الظاهرة بالنسبة للصهاينة المسافرين إلى الخارج بشكل غير مسبوق.
ولعل خير تلخيص لهذا “الوضع غير المسبوق” هو ما ذهب إليه الكاتب الصهيوني آفي يسخروف في مقال له في صحيفة يديعوت أحرونوت في شهر أغسطس الجاري.
حيث اعترف الكاتب أن المقاومة الفلسطينية نجحت في تحويل دولة الاحتلال الصهيوني “إلى دولة منبوذة في أجزاء واسعة من العالم، بما في ذلك داخل الساحة السياسية الأميركية” وأن “هناك مرشحون معادون لنا يحققون نجاحا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي؛ كذلك برزت أصوات داخل الحزب الجمهوري تنتقدنا وتُحمّلنا مسئولية الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط”.
وأضاف أن المقاومة الفلسطينية نجحت أيضا في “إعادة تركيز الرأي العام العالمي على ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت دولتنا تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في العديد من أنحاء العالم، فضلا عن ازدياد أعداد الشباب، الذين يعبّرون عن تأييدهم لها علنا”.








