في 28 أغسطس الماضي، أعلنت شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة للخزانة الأمريكية “FinCEN” اقتراح اتخاذ إجراء خاص ضد عمليات بنك مصر في الإمارات، بموجب المادة 311 من قانون Patriot Act.
ويستهدف الاقتراح منع المؤسسات المالية الأمريكية، من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة مصرفية لصالح بنك مصر الإمارات، أو استخدام حساباتها للمراسلة في إجراء معاملات تمر عبره. ومن المقرر أن تستمر فترة تلقي التعليقات -على الاقتراح- حتى الأول من أكتوبر 2026. وبالتالي فإن الباب لا يزال مفتوحا أمام تعديل الإجراء أو التراجع عنه أو تحويله إلى قاعدة نهائية.
وقد صرّحت الشبكة إنها رصدت، خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 إلى يونيو 2026، معاملات تبلغ قيمتها نحوا من 1.8 مليار دولار، جرى تنفيذها عبر فروع بنك مصر في الإمارات، وارتبطت بأكثر من مئة كيان، تعتبرها السلطات الأمريكية جزءا من شبكات “الظل المصرفي” الإيرانية. وقالت “FinCEN”: إن نحوا من 520 مليون دولار من هذه المعاملات جرى خلال آخر عام من الفترة التي خضعت للدراسة، وهو ما تستخدمه لتأكيد أن الأمر -وفق تقييمها- ليس قديما أو منتهيا، وإنه نشاط استمر حتى العام الجاري.
وشملت الوثيقة الأمريكية أسماء عدد من الشركات تعتبرها جزءا من الشبكة الإيرانية. من بينها شركة Alpa Trading FZCO، التي تقول واشنطن إنها استخدمت في تحويل الأموال لشراء منتجات لصالح جهات إيرانية، من بينها وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني. ووفق الوثيقة، عالج بنك مصر الإمارات أكثر من 32 مليون دولار من معاملات الشركة بين عامي 2024 و2025.
لم تكتف الخزانة الأمريكية بالقول إن شركات مرتبطة بشبكات إيرانية استخدمت بنك مصر الإمارات؛ بل ترى أن أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإجراءات معرفة العميل لدى البنك لم تكن كافية، لمنع هذه العمليات أو اكتشاف طبيعتها الحقيقية. إن أخطر ما يمكن أن ينطوي عليه الأمر، ليس الرقم المالي الوارد في البيان (1.8 مليار دولار) وإنما اقتناع الجهات الأمريكية بأن المشكلة هيكلية أو متكررة في نظام البنك.
لا تكمن قوة الإجراء الأمريكي في قدرته على إغلاق فروع بنك مصر أو مصادرة أمواله، وإنما في قدرة الولايات المتحدة على التحكم في الوصول إلى شبكة المراسلة المصرفية بالدولار. وبحسب الوثيقة الأمريكية، يمتلك بنك مصر الإمارات علاقات مراسلة مباشرة مع مؤسسات مالية أمريكية. وعلاقات المراسلة هذه هي أحد الممرات الأساسية التي تُمكّن البنوك الأجنبية من إجراء معاملات بالدولار، وتسوية المدفوعات المرتبطة بالتجارة الدولية.
فإذا أصبح الإجراء نهائيا-مطلع الشهر القادم- فإن المؤسسات الأمريكية لن تتمكن من الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح بنك مصر الإمارات، كما ستواجه قيودا على استخدام حساباتها للمراسلة الأجنبية في معاملات تمر عبره. وبالتالي فإن التأثير الحقيقي لا يتمثل في منع البنك من العمل، وإنما في تضييق قدرته على الوصول المباشر إلى البنية المالية الأمريكية. وهو ما يرفع تكلفة المعاملات الدولية ويزيد من متطلبات الامتثال، ويجعل بعض البنوك الأجنبية أكثر تحفظًا في التعامل معه.
وفي بيان له أكد بنك مصر أن ما صدر عن الخزانة الأمريكية.. هو إجراء مقترح وليس قرارا نهائيا، وأنه يراجع المعلومات الواردة في الوثيقة، ويتواصل مع السلطات الأمريكية، تمهيدا لتقديم رده واتخاذ الإجراءات اللازمة. وشدد البنك على أن الإجراء المقترح لا يشمل بنك مصر في مصر أو فروعه في الدول الأخرى، وأن فرعه الإماراتي يواصل نشاطه وفق القواعد والضوابط المعمول بها. وأكد البنك المركزي المصري أن الإجراء يقتصر على معاملات فرع بنك مصر بالإمارات مع المراسلين بالدولار الأميركي فقط. وقال في بيان إن “أثر أي من تلك الاجراءات لا يمتد إلى أي من بنوك القطاع المصرفي المصري بما فيها بنك مصر بجمهورية مصر العربية أو أي من فروعه الخارجية الأخرى”. وأضاف المركزي أن اتصالات جارية مع الجانب الأميركي بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية بشأن هذه الإجراءات، مؤكداً في الوقت نفسه قوة وصلابة القطاع المصرفي المصري.
كما أعلن البنك المركزي الإماراتي إجراء مراجعة خاصة وعاجلة للمعاملات محل التي ورد ذكرها في المقترح، مع التركيز على الشركات التي ورد ذكرها في الوثيقة الأمريكية.
فهل تستطيع القاهرة وأبوظبي، إقناع واشنطن بأن ما حدث كان قصورا محدودا في التحقق من بعض الحسابات، أم أن هناك بالفعل خللا مؤسسيا في القنوات التي يستخدمها بنك مصر الإمارات في مراسلاته المصرفية، وتعاملاته المالية الدولية؟








