في مطلع أغسطس/آب الماضي، تعرض مطار لايبزج بشرق ألمانيا لهجمات بمسيرات استهدفت نقطة إمداد عسكري حيوية للعمليات الأوكرانية. الاتهامات الغربية توجهت فورا إلى روسيا. وفي 2 سبتمبر/أيلول 2026، جاء تنديد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا الهجوم؛ ليعيد إلى الواجهة مصطلحا يتردد بقوة في السنوات الأخيرة على الساحة الدولية: “الحرب الهجينة”. فمن حين لآخر، نسمع تصريحا أو نلمح إشارة من مسئول أو قيادة أوروبية رفيعة عن الاستخدام الروسي لهذا النمط من الحروب، سواء في عملياتها العسكرية ضد أوكرانيا أو في تهديداتها الأمنية المستمرة لدول حلف الناتو. وهذا النوع من الأحداث يدفعنا للتفكير بعمق في ماهية الحرب الهجينة، وأشكالها الراهنة، ومدى فاعليتها في تغيير موازين القوى على الأرض، وفرض سياسة الأمر الواقع في الصراعات الدولية الحديثة.
يشير مصطلح “الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare)، وفقا للتعريفات الأكاديمية والعسكرية، إلى نمط حديث من الحروب، يعتمد على أدوات غير كلاسيكية في مواجهة الخصوم، إذ يدمج هذا النمط بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والسيبرانية والإعلامية. فنجد أساليب مثل الخداع والتضليل المعلوماتي المصمم بالذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية على المرافق والمنشآت الحيوية، واستخدام الميلشيات والوكلاء المحليين، في معركة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى الفضاءات الرقمية والرمزية. وقد بدأ هذا المفهوم يترسخ داخل الناتو بعد عام 2014، عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حيث أشار الأمين العام للحلف آنذاك، أندرس فوج راسموسن إلى أن “التهديدات لم تعد تأتِ فقط من الدبابات، بل من المعلومات المضللة والهجمات الإلكترونية”.
تنسب بعض الأطروحات البحثية صياغة مصطلح الحرب الهجينة إلى ضابط البحرية الأمريكي روبرت واكر (1929-2016)، الذي أشار إليه عام 1998، معتبرا إياه نموذجا مختلطا من التكتيكات العسكرية التقليدية والخاصة، ينفذ في لحظات حرجة بين الدول المتصارعة دون اللجوء إلى عمليات عسكرية موسعة. ويرى بعض المحللين أن هذا النمط من الحروب لم تكن بدايته حديثه في القرن الحادي والعشرين كما يظن البعض، بل له إرهاصات سابقة في الحرب العالمية الثانية، مثل قرار رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل بإنشاء “إدارة العمليات الخاصة” بأمره الشهير: “أشعلوا النار في أوروبا!”.
لكن أصابع الاتهام الغربية تشير حاليا إلى روسيا باعتبارها المطور الحصري لهذا النوع من الحروب، وأنها بلورته في شكله الحديث انطلاقا من الأدوات والتكتيكات غير التقليدية التي استخدمت في سنوات الحرب الباردة. وما زاد هذه الفرضية وجاهة هو ما يعرف بـ”عقيدة غراسيموف”، نسبة إلى الفريق أول فاليري غراسيموف، رئيس أركان القوات المسلحة الروسية، الذي كتب مقالا في مجلة عسكرية روسية عام 2013، ناقش فيه أن تحقيق النصر في حروب المستقبل يستلزم تعزيز التكتيكات العسكرية الموروثة من الحقبة السوفيتية بـ”وسائل عسكرية ذات طابع خفي”. واعتبر هذا التصريح في الأوساط الغربية اعترافا صريحا من القيادة العسكرية الروسية بشرعنة استخدام أساليب الحرب الهجينة.
وإذا كانت عقيدة غراسيموف، قد وفرت الغطاء النظري لهذا النمط من الحروب، فإن الذكاء الاصطناعي هو ما وفّر أدواتها التنفيذية الأخطر. فهو اليوم الأداة الأبرز في الحرب الهجينة، والعقل التكنولوجي الذي يديرها ويصمم استراتيجياتها، كما يمثل دليل الاتهام الأقوى الموجه لروسيا في الحرب الأوكرانية.
وتشير تقارير غربية إلى أن موسكو اعتمدت على الذكاء الاصطناعي في تطوير مسيرات هجومية، واستخدام خوارزميات متقدمة لتنسيق نيران المدفعية واستهداف البنى التحتية الحيوية. لكن الاستخدام الأخطر تمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي في الدعاية الحربية وتحليل اتجاهات الرأي العام الغربي، حيث استخدمت روسيا روبوتات رقمية (Bots) ومنصات تواصل مدعومة بخوارزميات تعلم آلي، للتأثير على النقاشات العامة في الغرب وشرق أوروبا وإعادة توجيه السرديات لصالحها.
في المقابل، طورت أوكرانيا، بمساعدة دول الحلف وأمريكا، أنظمة مسيرات قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والتعامل معها ذاتيا دون تدخل بشري مباشر، وهو ما جعل سلاح المسيرات عاملا حاسما في ميزان القوة الميداني، ولوحظ ذلك من خلال العمليات النوعية التي استهدفت من خلالها كييف، مصفات نفط وموانئ ومطارات حيوية في روسيا. وبرزت شركات خاصة أمريكية مثل Palantir و Clearview AI في توفير منصات تحليل بيانات ضخمة، استخدمت لدعم القوات الأوكرانية في التعرف على الأفراد والمعدات الروسية عبر تقنيات التعرف على الوجه وتحليل الحركة.
ما يميز هذا النمط الحربي -في ساحات القتال الميداني- أنه يربك الخصوم ويشتت جهودهم وقدراتهم على الرد. ومع اندلاع الغزو الروسي الثاني لأوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، ظهرت معالم هذه الحرب الهجينة بشكل واضح لا تخطئه العين. فقد مرت أربع سنوات حتى كتابة هذه السطور، ولا تزال الأدوات والتكتيكات المستخدمة في هذه الحرب، تتطور يوما بعد يوم، إلى حد وصف بعض المختصين في الشئون العكسرية أوكرانيا بأنها الميدان الأحدث للحروب الهجينة في عصرنا الحالي – فلم يعد هذا الميدان موقعا للصراع والقتال فقط، بل حقل تجارب لأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية المرتبطة بالحرب الهجينة.
في المقابل، تنفي موسكو باستمرار مسئوليتها عن تطوير وشن هذا النوع من الحروب. “هذا النمط صناعة غربية في الأساس”، هكذا يتكرر الرد الروسي على الاتهامات الغربية، مستشهدا بما يسمى بـ”الربيع العربي” والإطاحة بأنظمة عربية مختلفة دون تدخل عسكري مباشر، باعتباره التطبيق العملي الأول لهذا النمط الحربي حديثا. ولم تتوقف الاتهامات عند روسيا وحدها، بل امتدت إلى الصين أيضا، باعتبارها أبرز المهندسين لهذا النوع –لا عبر أعمال عسكرية مباشرة، بل من خلال سلوك دعائي ومعلوماتي مضلل، إضافة إلى توظيف تقنيات متقدمة من الذكاء الاصطناعي في إدارة عمليات استراتيجية عن بعد، غرضها تعزيز الصورة النمطية الإيجابية عن الصين بما يخدم مصالحها حول العالم.
وبين اتهام غربي يرى في موسكو وبكين مهندستي هذا النمط الحربي، ورد فعل روسي- صيني ينسب الفكرة أصلا للغرب نفسه، يبقى السؤال الأهم: هل ما نشهده حقا “حرب هجينة” بأدوات جديدة، أم أن كل طرف في هذا الصراع يعيد اختراع الأداة ذاتها التي طالما استخدمها الآخر ضده؟

