استضافت نقابة الصحفيين، الأحد 4 أكتوبر، ندوة نقاشية حول كتاب “ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي”، للكاتب الصحافي والمفكر الدكتور هاني نسيرة، الصادر حديثا عن دار رؤية، بمشاركة نخبة من المفكرين والكتاب والصحفيين، في نقاش امتد إلى قضايا الهوية والتنوع الثقافي والديني وعلاقة الدولة بالمجتمع. وأدار الندوة الإعلامي الأستاذ حمدي رزق، فيما شهدت حضورا لافتا لعدد من القامات الفكرية والصحفية، الذين قدموا قراءات متعددة للكتاب وأطروحاته، وأثروا النقاش حول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المجتمعات العربية المعاصرة.
وكان من أبرز الحضور الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية والوزير الأسبق، والذي أثنى على الكتاب وناقش مظاهر التنوع الثقافي والديني التي شهدتها مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، معتبرا إياها نموذجا للتعايش السلمي وعدم التمييز بين المواطنين. واستشهد بعدد من النماذج التاريخية، من بينها تأسيس طلعت حرب لبنك مصر، الذي ضم بين مؤسسيه مسيحيين ويهوديا، إلى جانب تشكيل لجنة الثلاثين التي وضعت دستور عام 1923 وضمت عضوين مسيحيين. كما أشار إلى أن الحياة الحزبية المصرية، في فترات ازدهارها، أسهمت في تجاوز الانقسامات الدينية، موضحا أن المسلمين والمسيحيين كانوا ينخرطون في الأحزاب المختلفة وفقا لمواقفهم السياسية، وليس على أساس الانتماء الديني، وهو ما عكس، بحسب رؤيته، طبيعة أكثر اندماجا للمجتمع المصري في تلك المرحلة.

من جانبه، أكد المفكر والكاتب الدكتور سمير مرقص أهمية الكتاب، مشيرا إلى أنه يقدم مقاربة مختلفة لمفهوم الهوية، مقارنة بمقاربات سابقة ركزت على اللغة أو سؤال “من هو؟” أو استدعاء التاريخ والتراث، لافتا إلى أن طبيعة المقاربة تتأثر أحيانا بالخلفية الفكرية لصاحبها. كما توقف الكاتب الصحفي ورئيس تحرير الأهرام الأسبق الأستاذ عبد العظيم حماد عند التحولات التي شهدتها قضية الهوية في مصر والعالم، مشيرا إلى أن تصاعد ما عُرف بالفتنة الطائفية في مصر ارتبط بصورة واضحة بسبعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع صعود الجماعة الإسلامية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. وفي الوقت نفسه، لفت إلى أن تلك الفترة لم تكن مصرية فقط، إذ شهد العقد نفسه بداية تصاعد قضايا الهوية على المستوى العالمي، بما جعل الظاهرة جزءا من تحولات أوسع شهدها العالم.
أما الدكتور صبحي عسيلة، الكاتب الصحفي والخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فتوقف عند أحد المفاهيم المركزية التي ينطلق منها الكتاب، والمتمثل في تعريف الهوية باعتبارها “كائنا حيا يتنفس”. ورأى عسيلة أن هذا التصور يفتح الباب أمام تجاوز إشكاليات النظر إلى الهوية باعتبارها جوهرا ثابتا أو تركيبا مغلقا، ويجعلها، في المقابل، بنية متحركة تتفاعل مع الظروف والتحديات المحيطة بها.
وينطلق كتاب “ألغام الهويات” من فرضية أساسية مفادها أن الهوية لا تكون أحادية، وإنما هي بالضرورة مركبة ومتعددة المكونات. ولا يتوقف الكتاب عند سؤال الانتماء، بل يربط الهوية بقضايا السلطة والحقوق والاعتراف، فضلا عن المقاومة والنضال من أجل الحصول على الاعتراف. ويعتمد نسيرة في كتابه مقاربة تحليلية تكاملية تجمع بين تحليل المفاهيم والخطاب وتاريخ الأفكار، مع الاستفادة من أدوات علم النفس والاجتماع السياسي والنقد الثقافي، بهدف تفكيك الأنساق والعوامل التي تسهم في تشكيل أيديولوجيات الهوية، ورصد قدرتها على الحشد والتعبئة والتأثير في الرأي العام.

كما يتعامل الكتاب مع خطاب الهوية باعتباره بناء سرديا وذاكرة حية تستعيد حضورها بقوة في لحظات تصاعد التحديات الوجودية، بينما يسعى البحث إلى تتبع الرموز والسرديات والخطابات المرتبطة بالهويات المختلفة، والكشف عن الأنساق الثقافية الظاهرة والمضمرة التي تقف خلفها.
وتأتي الندوة في سياق نقاش أوسع حول مستقبل الدولة والمجتمع في العالم العربي، وما تفرضه التحولات السياسية والثقافية من إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والانتماء والتنوع والاعتراف، وهي القضايا التي يضعها كتاب “ألغام الهويات” في قلب مقاربته النقدية.

