نشرت صحيفة هآرتس أمس تقريرا عن الوضع في الضفة الغربية، تناول تصريحا لمسئول أمني وصف بـ “رفيع المستوى” يقول: “إن كل مَن يقول لك إن هناك سيطرة على الوضع كاذب. إن الجيش والشاباك والشرطة فقدوا السيطرة على الميدان. إنهم يركضون من موقع إلى آخر وراء مثيري الشغب. والمشكلة أن جهدا حقيقيا لا يبذل لاستعادة السيطرة على الأوضاع”.
التصريح يشي بأن الأمر أصبح تماما خارج السيطرة.. غير أنه يؤكد غيبة الجهود الحقيقية لاستعادتها، فيما يشبه التواطؤ!
والحقيقة أن جيش الاحتلال ما زال يسيطر- بشكل كامل- على حدود الضفة، متحكما في حركة البشر والبضائع وكل شيء، مواصلا عمليات الاعتقال والهدم والإخلاء وتوسيع المستوطنات، وتثبيت حضورها الإداري والعسكري في أجزاء متزايدة من الضفة. ما يمكن معه القول أن الاحتلال يترك لقطعان المستوطنين مساحة أكبر داخل منظومة العنف الاستيطانية، ما لا يعد تآكلا في احتكار دولة الاحتلال للإرهاب الموجه للفلسطينيين؛ بقدر ما هو إفساح للمجال أمام هؤلاء المعتدين للمزيد من فرض الأمر الواقع قبل الانتخابات التي ربما لن يكسبها نتنياهو.
لا يتحرك المستوطنون في فراغ، ولا يمكن النظر إلى عنفهم باعتباره ظاهرة منفصلة عن المشروع الاستيطاني الرسمي. الأمم المتحدة وثّقت خلال السنوات الأخيرة تداخلا واضحا بين التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين وتهجير الفلسطينيين، كما أشارت تقارير حقوقية، إلى أن العنف والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرض- يسهمان في دفع تجمعات فلسطينية إلى النزوح.
ما يمارسه المستوطنون من جرائم العنف يستفيد منه جيش الاحتلال بوصفه أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا، فعندما يُمنع فلسطيني من الوصول إلى أرضه الزراعية، أو يتعرض منزله أو ماشيته أو مصدر رزقه للاعتداء أو السرقة، ثم يُضطر إلى تقليص وجوده أو مغادرة المنطقة، تصبح النتيجة أبعد من وقوع جريمة؛ إذ يتغير ميزان السيطرة الفعلية على الأرض، وإذا تزامن ذلك مع إقامة بؤرة استيطانية، أو توسيع مستوطنة، أو فرض قيود عسكرية، أو هدم منشآت فلسطينية -بحجة عدم الترخيص- فإن العنف يصبح جزءا من سلسلة أحداث، تؤدي إلى تثبيت واقع جديد يصعب التراجع عنه.
تشكو المؤسسات الأمنية في دولة الاحتلال من فقدان السيطرة على الضفة في العلن؛ لكنها لا تنفك تخطط لمزيد من الوحدات الاستيطانية، وتخصّص الموارد، وتوسّع الطرق وتمد البُنى التحتية، وتنقل الصلاحيات، وتقيد البناء الفلسطيني، وتصادر الأراضي، ما يعني ترسيخ سيطرتها على مساحات متزايدة من أراضي الضفة- وهو ما ينسف تلك الادعاءات جملة وتفصيلا. كل ذلك يجري في ظل تراجع شديد في قدرة سلطة أوسلو على أداء وظائفها السياسية والاقتصادية والأمنية.
السلطة لا تملك السيادة على المنطقة ج، ولا تتحكم في الحدود، ولا تملك جيشا، ولا تستطيع منع التوسع الاستيطاني في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال، بينما تتآكل قدرتها الاقتصادية والمؤسسية مع استمرار القيود على مواردها وأموالها.. وتنحصر أدواتها في التنسيق الأمني وملاحقة عناصر المقاومة والاستجابة الفورية لإملاءات العدو.
لا يعكس المشهد حالة من الضعف تنتاب أدوات السيطرة الفعلية على الوضع في الضفة.. في مواجهة مستوطنين يتحركون وفق نهج محدد وبخطوات معلومة -على الرغم من عبثية وفوضى ظاهرة- تحاول دولة الاحتلال وصفهم -طوال الوقت- بالخارجين عن القانون، لكنها -في الوقت نفسه- لا تهتم -على الإطلاق- بتفعيل أي قانون بحقهم.
يعكس المشهد صورة نظام سيطرة متعدد المستويات تتداخل فيه السياسة الرسمية مع خطط المؤسسة العسكرية والإدارة المدنية والاستيطان والبؤر وجماعات العنف، بحيث يصبح الفصل بين ما تفعله الدولة وما تسمح به وما تعجز عن منعه وما تستفيد من نتائجه مسألة بالغة التعقيد.. وتحتاج إلى دراسة كل حالة على حدة. بالتزامن مع محاولات جادة لفهم موقف السلطة الفلسطينية التي أصبح وجودها بمثابة عبء آخر على الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.







