على شاشة إحدى القنوات الاخبارية العربية، ظهر الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي، ليعلق على عملية مسلحة نفذها شابان من مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، ضد حاجز عسكري لقوات الاحتلال.
وملخص العملية التي وقعت صبيحة يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أن الشابين وصلا بسيارتهما إلى الحاجز، ثم ترجلا من السيارة وأطلقا النار على جنود الاحتلال، في معركة حامية الوطيس، دامت -باعتراف المحتل- نحوا من 20 دقيقة وأسفرت عن استشهاد الشابين، ومقتل جنديين من جنود الاحتلال وإصابة 4 آخرين.
استنكر البرغوثي، المدافع بشكل مستمر عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، المنطق الصهيوني الذي يقلب النتيجة سببا على حد تعبيره. بمعنى أن حكومة الاحتلال سبب في التوسع في سياستها في هدم المنازل في الضفة الغربية، وزيادة المستوطنات المقامة على أراض فلسطينية وتهجير الأهالي.
في حين أن الحقيقة -كما أكد البرغوثي وكما تثبت الأرقام والإحصائيات- هي أن هذه العملية البطولية شأنها شأن هجوم السابع من أكتوبر عام 2023، هي رد فعل طبيعي لسياسات الاحتلال في الضفة وغزة.
اللافت في الأمر.. هو أن المنطق الذي انتقده البرغوثي، لم يعد قاصرا على الجانب الصهيوني؛ بل بات يردده قسم من “الفلسطينيين” و”العرب” أيضا.
حيث حفلت مواقع التواصل الاجتماعي -في اعقاب العملية- بتعليقات ومداخلات تنتقد الشابين الشهيدين، وتشكك في توقيت العملية، معتبرة إياها تصب في صالح الحكومة الصهيونية الحالية، المقبلة على انتخابات تشريعية بعد أيام معدودة.
والحق أن عملية الخليل قد كشفت اللثام عن هذا المنطق المعوج الذي يدين الشهداء؛ بدلا من أن يحتفي بهم ويصور المقاومة كأمر شاذ مخالف للطبيعة، وكأن العادي -من وجهة نظر هؤلاء- هو أن يقبل البشر الضيم والعيش في ظل احتلال.
ينسى هؤلاء أو يتناسون أن الضفة منذ انطلاق معركة طوفان الاقصى في أكتوبر 2023، شهدت -وفقا لأرقام منظمة الأونروا- مقتل أكثر من ألف فلسطيني، 20% منهم على الأقل من الأطفال، وإصابة أكثر من 12 ألفا آخرين، علما بأن الضفة لم تشهد هجمات على جيش الاحتلال أو المستوطنين كغزة.
وفاتهم أيضا أن المحتل ليس بحاجة لذريعة ليبرر الاستيطان والتهجير، فهذا هو جوهر مشروعه ودأبه منذ إقامة دولته على أرض فلسطين عام 1948.
وعليه.. فلم يحتج المستوطنون الصهاينة إلى مبرر أو مسوغ أخلاقي ما ليؤسسوا اكثر من ١٨٠ موقعا استيطانيا في الضفة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ولتصادر حكومتهم أكثر من ٢٥ ألف دونم من أراضي المزارعين الفلسطينيين في الفترة ذاتها؛ ناهيك عن تشريد أكثر من 400 اسرة فلسطينية وفقا لأرقام الأمم المتحدة.
ويظهر مدى تهافت المنطق المشار إليه أعلاه، حين يتذكر الباحث في تاريخ القضية أن العمليات الفدائية كعملية الخليل، لا تخدم من يجلسون في مقاعد الحكم في دولة الاحتلال؛ بل على العكس فإنها تظهر هشاشة وضعف منظومتهم الأمنية وتظهر الحكومة -أيا كانت- بمظهر العاجز عن حماية المستوطن الصهيوني.
وهو ما حدث في مطلع العام 1996، حين أدت عمليات المقاومة الفلسطينية في الداخل المحتل -وخاصة في كل من القدس وتل أبيب في ذلك العام- إلى انهيار ثقة المستوطنين بحكومة شيمون بيريز وخسارتها الانتخابات.
أما اللثام الثاني الذي أسقطته عملية الخليل، فهو ذاك الذي تلثم به تيار معين؛ لتكشف المعركة الدائرة على أرض فلسطين منذ سنوات ثلاث عن الفجوة الهائلة بينه وبين المقاومة الفلسطينية.
ففي حين عرف بطلي عملية الخليل إلى أي صدور يوجهون رصاصهم وإلى أي وجهة يجب أن تتجه بنادقهم.. كان الرصاص في الأردن المجاورة وعلى مرمى حجر من الضفة الغربية، يتجه إلى صدور أبناء الوطن والأمة لمجرد أنهم مخالفون في العقيدة الدينية.
لقد كشفت عملية الخليل بجلاء عن ثقافة أراد لها العدو وداعميه أن تسود المنطقة.. ثقافة تدين المقاومة وتشجب البطولة وتستنكر فعل الشهداء، ولا يميز رصاص من ينتمون إلى تلك الثقافة بين عدو حقيقي وعدو مصطنع.
والحق الذي لا يريد الفريق السالف الذكر أن يقر به، هو أن هذه العملية الفدائية التي لا تعجب البعض هي طوق نجاة الأمة، بعد أن عرفت عدوها حق المعرفة ووجهت سلاحها -على بساطته- نحوه وتسامت فوق الاختلافات العرقية والدينية والقطرية في سبيل انتزاع الحق وكسر شوكة العدو.








