كتب تسفي برئيل أمس الجمعة يقول: في حين تعد دول المنطقة الأيام -إذا لم يكن الساعات- لاستئناف الحرب ضد إيران، يعقد اليوم (الجمعة) اجتماع استثنائي بدعوة من وزير خارجية تركيا فيدان هاكان في إسطنبول، يشارك فيه وزراء خارجية مصر، باكستان، السعودية، بريطانيا، فرنسا وألمانيا. يهدف الاجتماع إلى أن يكون إطارا لمناقشة القضايا الملحّة المألوفة: مضيق هرمز، اليمن والحوثيون، إيران، الفلسطينيون، الوضع في غزة، وحتى الحرب في أوكرانيا. ولكن الهدف من هذه المبادرة هو إقامة تحالف دبلوماسي غير رسمي، يحدد نقاط الخلاف بين سياسة إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وسياسة دول المنطقة والدول الأوروبية الكبيرة من جهة أخرى.
وفي محاولة تبدو متسرعة في اللحظة الأخيرة ستسعى هذه الدول إلى تقديم بديل دبلوماسي، تنقصه حاليا خطة عمل مفصّلة، يقدم حلولا مقبولة إلى إيران والولايات المتحدة.
مصدر دبلوماسي تركي قال للصحيفة: “تعتبر الحرب ضد إيران حاليا مشروعا خاصا لنتنياهو وترامب، اللذين يشجعان عليها لأسباب سياسية”، وحذّر من امتدادها إلى حرب إقليمية خارجة عن السيطرة. وأضاف: “هناك بالفعل بؤر توتر ثلاثة في المنطقة وهي الخليج الفارسي والبحر الأحمر وقطاع غزة، إلى جانب لبنان وسوريا اللتين تبدوان هادئتين في الوقت الحالي، أو على الأقل لا تشكلان أي تهديد على المنطقة”. مع ذلك، هناك اختلاف جوهري بينها من ناحية موقف الولايات المتحدة. “في بداية الحرب، في كل هذه الساحات، كان إسهام الولايات المتحدة بوصفها شريكا كاملا، أما اليوم فهي تظهر بمظهر المتفرج”. في هذا الموقف لا يترك الأمر لدول المنطقة أي خيار إلا خيار تشكيل نظام أمني مستقل، حتى لو لم يكن متحررا تماما من التبعية للولايات المتحدة، ولا ينوي أن يكون هكذا، لكنه يفسح المجال دبلوماسيا لإطار بديل أوسع.
ويردد الدبلوماسي فكرة “الاستقلال الأمني” التي طرحها وزير خارجية تركيا هذه السنة. وتستند هذه الفكرة إلى ضرورة سعي دول المنطقة إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، التي أثبتت عدم الاكتراث والعجز بدرجة كبيرة عن التصدي للتهديدات الإقليمية. وهذا ليس فقط شعور أو تفسير لرؤساء دول استخلصوا الاستنتاجات خلال الحرب. في هذا الأسبوع، على هامش “منتدى الأمن العالمي” الثامن، الذي عقد في الدوحة عاصمة قطر، أجرت قناة “الجزيرة” مقابلة مع توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا ومبعوث ترامب في سوريا وفي العراق. وكعادته أصدر تصريحاته بدون مواربة دبلوماسية، وأوضح أن واشنطن تتخلى عن دور الضامن لأمن المنطقة، وأن حكومات الشرق الأوسط بحاجة الى تحمل مسئولية أكبر عن أمنها بعد فشل التدخلات البرية الأمريكية المتكررة.
وعندما سئل عن الاتفاق الذي بحسبه توفر الولايات المتحدة الحماية للدول المنتجة للنفط مقابل الإمداد المنتظم، أوضح وقال: “لم تنجح محاولات السيطرة المباشرة. ولم تنجح محاولات السيطرة على مناطق أخرى مثل ليبيا، أفغانستان، سوريا والعراق، أيضا. لذلك، الاتفاق لا يتعلق بالتملق أو السيطرة، بل بالرعاية والاهتمام، وهذا لا يعني أننا سننسحب، نحن لن ننسحب”.
لن ننسحب. ولكن تبين أن التواجد لا يفيد أيضا. فقد اعتقدت دول الخليج أن القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها ستكون بمثابة جدار دفاع، لكن إيران اتخذتها ذريعة مشروعة لمهاجمة جيرانها وأجبرت الولايات المتحدة على إخلاء بعضها.
إن السعودية هي التي عانت وما زالت تعاني، من تبعات استراتيجية “التجاهل”، حيث تخوض حربها ضد الحوثيين لوحدها تقريبا، وكأنها ساحة مستقلة ومحلية، بدون أي اتصال دولي. ولكن السعودية ليست إلا المثال الأحدث على ذلك. فقد سبقتها دولة الإمارات التي تعرضت للهجمات أكثر من أي دولة أخرى، وكذلك قطر والبحرين وسلطنة وعمان والعراق، التي استهدفت بصواريخ ومسيرات أطلقتها إيران ووكلاؤها بدون أي رد فعل من قبل أمريكا. ويكمن الخطر الشديد لدى قادة دول المنطقة في أن حرب جديدة ستضعهم من جديد في مرمى نيران إيران، هذه المرة مع ضعف أنظمة دفاعاتهم وانخفاض عدد الصواريخ الاعتراضية إلى مستوى خطير، وقدرة إيران على ضرب أهداف مدنية وبنى تحتية اقتصادية لم تدمَّر بالكامل بسبب الحرب.
وقد نجحت دول الخليج مرتين على الأقل في إقناع ترامب بعدم مهاجمة إيران. يبدو الآن أن نفوذها بدأ يتلاشى في ظل التقارير التي تشير إلى نية ترامب شن الحرب، بدون وضوح أهدافه الاستراتيجية أو الأهداف الإيرانية التي سيستهدفها، أو كيف يمكن لمثل هذا الهجوم أن يضعضع موقف إيران. ويستند التقييم الذي يقول بأن هذا الهجوم سيكون كثيف وقصير المدى إلى افتراض أن قائمة الأهداف ستشمل أهدافا جديدة مثل منشآت النفط وشبكات الكهرباء والبنى التحتية المدنية ومنصات الصواريخ، وربما أيضا جبل الفأس الشهير، حيث ستختبر “أم القنابل”.
لا يحتاج رد إيران المتوقع إلى أي تكهنات عشوائية. فعلى خلفية الحرب غير المتكافئة التي شنتها حتى الآن لا يمكن استبعاد أي سيناريو، وتشمل قائمة الأهداف الإيرانية تخريب كوابل الإنترنت تحت مياه الخليج العربي وتعطيل المطارات في الدول المجاورة وتدمير محطات تحلية المياه التي توفر حوالي 90 % من استهلاك دول الخليج للمياه، وتلغيم واسع للخليج، ومهاجمة المؤسسات المدنية مثل المكاتب الحكومية والمستشفيات والمدارس بالصواريخ والطائرات المسيرة.
يرى البعض، لا سيما في واشنطن وفي القدس، أن مثل هذه الاحتمالية ستجبر دول الخليج على خوض حرب شاملة ضد إيران، والانضمام للحرب، ومهاجمة إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتحويلها إلى حرب في الشرق الأوسط. في هذا السيناريو لن تبدو إسرائيل والولايات المتحدة وكأنها بدأت الحرب لمصالحها الخاصة وفرضتها على دول المنطقة لأسباب داخلية. ستكون هذه حرب رد فعل، إلى جانب حماية المدنيين. ويفترض هذا السيناريو أن إيران ستهزم في مثل هذه الحرب الشاملة: سيرفع النظام يديه مستسلما، ويعلن عن عجزه على تحمل تكلفة الحرب، وسيقدم قادته وثيقة استسلام يتنازلون فيها عن السيطرة على مضيق هرمز، ويفككون صناعة الصواريخ ويسلمون الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60%.
مع ذلك، تظهر التجربة المتراكمة في الأشهر التسعة للحرب، ليس فقط مرونة إيران؛ بل أيضا دول الخليج وشركاءها في المنطقة، غير مستعجلين لتوحيد قوتهم وشن حرب انتقامية. على الورق توجد تحالفات مثل التحالفات الموقعة بين السعودية وباكستان قبل أكثر من سنة، والتحالف الثلاثي بين السعودية، باكستان وتركيا (تحالف مكة). ولكن هذه التحالفات لم تتطور إلى إطار عسكري مشترك يخضع لقيادة مركزية ويخطط لمهمات مشتركة ومستعد لخوض الحرب. تقدم تركيا المساعدة بشكل رئيس في المجال التكنولوجي، أما باكستان فقد وضعت في السعودية، حتى قبل التحالف، 8 آلاف جندي و16 طائرة قتالية ومنظومات دفاع صينية الصنع. ولكنها أوضحت بأن جنودها لن يحاربوا على أراضي اليمن. هل ستوافق إسلام آباد على إرسال جنودها وطائراتها للقتال ضد ايران؟ هل ستنحاز تركيا، التي تسيطر على الاستراتيجية الدفاعية، إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؟
حتى في الحرب “المحدودة” ضد الحوثيين، التي تعطل الملاحة السعودية في البحر الأحمر وتستهدف مطارات المملكة، تواجه السعودية صعوبة في حشد الجيوش العربية. ليست تركيا وباكستان وحدها هي التي تتخوف من إرسال الجنود إلى الميدان. فلم توافق دولة الإمارات إلا على تمويل بعض المليشيات في اليمن التي تقاتل الحوثيين، وما زال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ينتظر موافقة البرلمان على تحويل مساعدات عسكرية للسعودية. ولكنه أعلن بالفعل أن مصر لن تقاتل على أراضي اليمن، في حين اكتفت الدول الأعضاء الأخرى في مجلس التعاون الخليجي بإصدار بيانات إدانة شديدة. فهل هناك خط أحمر يدفع هذه الدول إلى عمل مشترك، في حين أنها تعجز عن توحيد صفوفها في الأوقات العادية وفي أوقات الحرب؟
أمام احتمالية اندلاع حرب قد تتطور خطوة دبلوماسية في القريب، تبدأ فيها دول المنطقة بحوار استراتيجي مع إيران. ففي أيلول الماضي كان من المقرر أن يلتقي وزير خارجية العراق ووزراء دول الخليج الستة في سلطنة عمان مع وزير خارجية إيران عباس عراقجي، لمناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. وقد ألغي الاجتماع بسبب هجمات الحوثيين على السعودية ومعارضة البحرين. في هذا الأسبوع، في نفس المنتدى الذي عقد في قطر حيث ألقى توم باراك كلمته، قدم نائب رئيس الوزراء القطري ووزير الدولة للشئون الأمنية سعود بن عبد الرحمن آل ثاني اقتراح طموح: أن تُجري دول الخليج، إلى جانب تركيا وباكستان، حوارا استراتيجيا مع إيران لصياغة اتفاق عدم اعتداء، تُنشأ في اطاره آلية إقليمية “تقوم على بناء الثقة ومعالجة المخاوف الأمنية المشتركة”. وجدير بالذكر أيضا منطق المتحدث باسم وزارة خارجية قطر، الذي أوضح أن الولايات المتحدة “تفصلها عن مضيق هرمز مسافات واسعة، وأن إسرائيل لا تستفيد من مياه الخليج”. بكلمات أخرى، مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتطابق مع مصالح دول الخليج.
إذا ما تحول هذا الاقتراح إلى سياسة متفق عليها فقد تكون النتيجة معاكسة. فالحرب التي تهدف إلى إخضاع إيران ستؤدي بالتحديد إلى ما سعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى منعه. فبدلا من انضمام جبهة إقليمية للحرب، سيتشكل تحالف يهدف الى احتواء الحرب، وسينظر هذا التحالف لطهران بوصفها شريكة ضرورية حتى لو كان غير مرغوب فيها في ترتيب أمني جديد في الخليج، ليس هذا لأن الدول العربية نسيت موضوع الصواريخ الإيرانية أو بدأت تثق بالنظام في طهران، بل لأنها تخشى من تركها لوحدها في مواجهة النيران من جديد أمام واشنطن والقدس اللتين تحددان أهداف الحرب وتكلفتها.
مع ازدياد التخوف من اندلاع الحرب يطرح السؤال الأكثر إلحاحا وهو ما إذا كان الخطر الأكبر على دول المنطقة هو إيران نفسها أو حرب ستدار باسمها، لكنها خارجة عن سيطرتها. سيحدد اجتماع وزراء الخارجية في إسطنبول اليوم إذا كانت هذه المخاوف ستثمر عن تحرك دبلوماسي منسق قد يعطي إيران مكانة جديدة: ليس فقط العدو الذي يريدون إخضاعه؛ بل أيضا الطرف الذي لا يمكن وقف الحرب بدونه.








