في شهر أكتوبر من عام 1986، أقر الكونغرس الأمريكي، رغم معارضة الرئيس الأمريكي -آنذاك- رونالد ريغان، مشروع قرار تاريخي يقضي بحظر التجارة مع نظام التفرقة العنصرية (الأبارتهيد) الذي يحكم جنوب أفريقيا آنذاك بما في ذلك القروض الممنوحة لذلك النظام والاستثمار في اقتصاده.
شكّل إقرار القانون المذكور لحظة الذروة في سلسلة متتالية من العقوبات التي فرضت على نظام التفرقة العنصرية بداية من قرار مجلس الأمن الدولي عام 1963، بالدعوة إلى حظر تصدير الأسلحة إلى ذلك النظام مرورا بقرار للمجلس ذاته عام 1977، جعل حظر تصدير الاسلحة إلى جنوب أفريقيا إلزاميا للدول الأعضاء ووصولا إلى قرار دول الكومنولث فرض عقوبات على نظام الأبارتهيد في عام 1986.
شكّلت العقوبات المشار إليها جنبا إلى جنب مع حملة مقاطعة شعبية دولية لمنتجات جنوب أفريقيا، بدأت منذ صيف العام 1959، ووصلت ذروتها في الثمانينات، إضافة إلى خسارة عسكرية تعرّض لها جيش الأبارتهيد في معركة “كويتو كوانافالي” من قبل القوات المشتركة لكوبا وأنغولا إلى بداية لتفكك نظام التفرقة العنصرية بشكل تدريجي.
بدأ التفكك بانسحاب جيش الأبارتهيد من أنغولا ثم من ناميبيا التي نالت استقلالها مطلع التسعينات، ثم لم يجد النظام أمامه سوى الإفراج عن زعيم حزب المؤتمر الافريقي نلسون مانديلا، وتطبيق مبدأه الذي لم يتخلَ عنه رغم سجنه 27عاما وهو “صوت واحد لمواطن واحد” أي إجراء انتخابات يشارك فيه كل سكان جنوب أفريقيا أيا كان لونهم وهي الانتخابات التي أجريت بالفعل عام 1994، وأسفرت عن فوز حزب المؤتمر الأفريقي بأغلبية كبيرة واختيار مانديلا كأول رئيس أسود اللون لجنوب افريقيا.
لسنوات طوال.. كان ثمة نظام تفرقة عنصرية آخر هو الكيان الصهيوني، يرى ذاته بمعزل عن مصير نظام جنوب أفريقيا لكن هذه الطمأنينة فيما يبدو قد حل محلها قلق حقيقي من نفس المصير.
ففي برنامج تلفزيوني بثته القناة العاشرة العبرية قبل أيام فقط من توجه الناخبين الصهاينة لصناديق الاقتراع، قال مجرم الحرب الصهيوني -ورئيس الحكومة الحالية- أن على الدولة العبرية أن تستعد لاحتمال فرض عقوبات اقتصادية عليها.
وأوضح أن على دولة الاحتلال أن تطور نظاما اقتصاديا بديلا يمكنها من تجاوز هذه العقوبات في حال فرضها، خاصة وأن هذه العقوبات قد تشمل القطاع المصرفي.
وأشار إلى أنه قد طلب من مستشاريه وضع خطة لاستخدام العملات الرقمية بدلا من الورقية لمحاولة الالتفاف على هذه العقوبات.
وما إن بُثَّ البرنامج عبر شبكة الانترنت؛ حتى انهالت الانتقادات على الحكومة الصهيونية الحالية، خاصة من قبل معارضيها السياسيين مثل جابي إيزنكوت ويائير لابيد، اللذان اعتبرا اقتراح استخدام العملات الرقمية “جنونا”.
وصرح الوزير السابق أفيغدور ليبرمان أن ما قاله رئيس الحكومة يؤكد ما حذر منه منذ مدة، وهو أن إسرائيل تواجه خطر العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية.
وتحت عنوان “على طريق العزلة التامة” انتقدت صحيفة تايمز أوف إسرائيل الناطقة بالإنجليزية تصريحات رئيس الحكومة٬ حيث أقر “بأن إسرائيل تواجه عقوبات اقتصادية قاسية، لكن بدلا من تقديم جهود سياسية لمنعها، اقترح تجاوزها باستخدام العملات الرقمية – وهو حل سارع بنك إسرائيل إلى رفضه”.
في اشارة الى بيان بنك إسرائيل في اليوم التالي مباشرة للتصريحات المشار إليها أعلاه أكد فيه أن العملات الرقمية لا تصلح كوسيلة لتجاوز العقوبات الاقتصادية.
وأضافت الصحيفة : “رئيس الحكومة، الذي كان يتباهى بعلاقاته مع قادة العالم، يتعامل الآن مع العزلة الاقتصادية لإسرائيل كقدر محتوم”.
كما نقلت قناة كان العبرية عن المدير العام السابق لمكتب رئيس الحكومة، يوأف هوروفيتس قوله إن “عقوبات وربط بمساعدة البلوكشين – هذه نهاية دولة إسرائيل، هذا يعني قولا لمواطني الدولة: ‘اهربوا من هنا!”.
من ناحية أخرى نشر موقع “جلوبس” الاقتصادي بيانا لنحو 109 من الاقتصاديين ورجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين السابقين في دولة الاحتلال أكدوا فيه أن فرض عقوبات على الدولة الصهيونية سيكون ضررا كبيرا لا قدرة لها على التعافي منه.
ولا يأتي هذا القلق الصهيوني من فراغ بل من تصاعد مواقف دول عدة من بينها 12 دولة أوروبية أعلنت حكوماتها صراحة انها تدرس فرض عقوبات ومقاطعات على الكيان الصهيوني بسبب ما تصفه بأنه تفشّي الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية.
وفي شهر سبتمبر الماضي، ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن المستوطنين الصهاينة في هولندا خضعوا لتفتيش دقيق للتأكد من عدم حيازتهم منتجات من مستوطنات الضفة الغربية، حيث اعتبارا من 22 سبتمبر، تفرض هولندا رسميًا عقوبات على استيراد البضائع المصنعة في مستوطنات الضفة والجولان والقدس.
وفي الشهر ذاته صرح وزير الخارجية البريطاني أنه لا يستبعد أن تفرض بلاده عقوبات اقتصادية على البنوك في دولة الاحتلال.
وحتى في الولايات المتحدة، الحليف الأكبر للكيان الصهيوني، أظهر استطلاع للرأي أن 68% من الناخبين المنتمين للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان يقولون إن على الولايات المتحدة فرض عقوبات على الدولة العبرية.
ومن اللافت أن الحكومة الصهيونية قد قالت صراحة على لسان رئيسها ما حذر منه السفير الصهيوني السابق آفي بازنر من ان تتحول الدولة الصهيونية تدريجيا الى دولة “معاقبة” دوليا مثل جنوب أفريقيا في الثمانينات.
وقال بازنر أنه في حال استمرت الحكومة الحالية بعد الانتخابات، ستواجه دولة الاحتلال واقعا لم تعهده من قبل من حيث المقاطعات والعقوبات الدولية والتي لن تقتصر على “المناطق” فقط – في اشارة الى الضفة الغربية – بل ستشمل الدولة بأسرها.
إن ما صرح به رئيس حكومة الابادة الجماعية التي مارست كافة جرائم الحرب في قطاع غزة على مدار 3 أعوام كاملة، لم يكن مجرد زلة لسان، وإنما كان تعبيرا عن خشية حقيقية، لدى نفر غير قليل من الصهاينة، من لحظة مرتقبة يواجهون فيها مصيرا كذلك الذي واجهه حلفاؤهم السابقون من عنصريي جنوب افريقيا.








