أثار قرار حزب الخضر في بريطانيا -قبل أسابيع- أسئلة كثيرة بشأن الصهيونية، عقب تبني أعضاء الحزب في مؤتمرهم الأخير قرارا يقول إن ”الصهيونية عنصرية“.
ولعل مقالة الأكاديمية والباحثة الفلسطينية الدكتورة غادة الكرمي، الذي كتبته بالإنجليزية في حسابها على موقع substack من أفضل ما كتب في هذا الشأن. إذ كانت مباشرة وواضحة دون مواربة. وظهر ذلك في عنوانها الذي اخترته لها (الصهيونية بالفعل عنصرية، فلمَ الجدل؟) ولذلك رغبت في تقديمه إلى القراء العرب حتى يروا كيف عالجت الباحثة الموضوع.
بيد أني أريد الإشارة إلى أسئلة أخرى كثيرة لم تتعرض لها الدكتورة غادة، لما تزل بحاجة إلى بيان. ومن بين تلك الأسئلة ما يتعلق بنشأة الصهيونية، وأنها لم تقم في الأصل على أيدي اليهود، بل نشأت على أيدي بعض المسيحيين في أوروبا ممن يؤمنون بأن عودة المسيح -عليه السلام- مرتبطة برجوع اليهود إلى فلسطين. وكانت أوروبا آنذاك تريد التخلص من اليهود لديها، وكان بعض اليهود في أوروبا يعانون من الاضطهاد. كما كانت حملات المد الاستعماري الأوربية في أوجها في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. فلقيت الفكرة قبولا لدى المسيحيين واليهود على السواء. وكان المؤسسون الأوائل من اليهود للحركة الصهيونية إما ملحدين وإما علمانيين، لكنهم رأوا في الديانة اليهودية عنصرا موحدا قد يجمع أشتات اليهود في العالم، الذين كانت لغاتهم مختلفة، وثقافاتهم مختلفة، لأنهم نشأوا في أوطان مختلفة، ولا جامع بينهم إلا أنهم ينتمون إلى اليهودية. وجدير أن نحاول في مقالة أخرى علاج تلك الجوانب معا. وفيما يلي ترجمة ما كتبته الدكتورة غادة الكرمي.
الصهيونية بالطبع عنصرية، فلمَ الجدل؟
إن من يظن أن الصهيونية ليست عنصرية في جوهرها وممارساتها، هو إما جاهل بالحقائق، وإما مخدوع بولائه لإسرائيل. ولو لم تكن الصهيونية عنصرية، لما وجدت إسرائيل أصلا. هذه هي الحقيقة ببساطة.
يحب المدافعون عن إسرائيل ترديد القول بأن ”للصهيونية معانٍ مختلفة بحسب اختلاف الأشخاص“، موحين بوجود أنواع ”جيدة“ من الصهيونية. لكن الصهيونية المهمة فعلا، هي تلك التي أدت إلى تدمير فلسطين وشعبها، واستبدال وافدين جدد من اليهود بالسكان الأصليين، وهي التي لما تزل تحظى بقبول أعمى ودون نقد من الحكومات الغربية بوصفها إيديولوجية مشروعة.
مهما حاولت تخفيف وقع الحقيقة، فلا جدال في أن التمييز لصالح مجموعة مقابل مجموعة أخرى، على أساس عرقي وطني، هو بعينه عنصرية موجودة بالفعل على الأرض. لقد تسببت الصهيونية في تطهير عرقي هائل للفلسطينيين عام 1948، وكان ذلك تمهيدا بررته آنذاك عاطفة المجتمع الدولي تجاه اليهود في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وساد اعتقاد عام بأن اليهود الذين عانوا من إبادة النازية يستحقون ملجأ يُؤويهم، حتى لو كان ذلك في بلد بريء من أي ذنب تجاه اليهود. ولقد حافظت إسرائيل، منذ تأسيسها، على هذا التقليد الصهيوني العنصري نفسه، وهو الذي مازال يتجسد في كل مناحي الحياة داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية منذ ذلك الحين.
تبني الغرب للعنصرية
هذه حقائق معروفة جيدا ومثبتة في سجلات عامة. ومع ذلك، تبنى العالم الغربي تلك العنصرية دون اعتراض أو تردد. ونجحت إسرائيل في فرض نفسها على العالم باعتبارها دولة استثنائية، تستحق امتيازات مهما اقترفت من جرائم. وإلا كيف يمكن تفسير قبول الغرب لما هو غير طبيعي وكأنه طبيعي: كالإبادة الجماعية في غزة، والعنف والتنكيل اللذين يعاني منهما الفلسطينيون في الضفة الغربية؟
تأثير قرار حزب الخضر قد يغير مجرى التاريخ
لا شك في أن مشروع القرار الذي تبناه حزب الخضر بوصفه: ”الصهيونية (بأنها) عنصرية“، والذي أجيز في مؤتمره السنوي في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، كان حدثا فارقا قد يستمر تأثيره ليغير مجرى التاريخ. ويحسب للحزب استعداده لمواجهة الحقائق بشأن طبيعة إسرائيل الحقيقية. فالصهيونية، وهي إيديولوجية إسرائيل السياسية عند تأسيسها، حركة قومية عرقية تستعلي بالجنس، وتعمل على استبعاد السكان غير اليهود في فلسطين، أو الهيمنة عليهم. وهذه الإيديولوجية في حد ذاتها هي التي أفضت إلى طرد معظم السكان الأصليين لفلسطين عام 1948، والكوارث التي حلت بالفلسطينيين منذ إنشاء إسرائيل.
وقد أعلن الحزب أنه معاد للصهيونية، كما دعم مشروع القرار، الذي اتخذه، إلى إنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوق متساوية، بدلا من دولة الفصل العنصري الإسرائيلية الحالية.
ردود الفعل على القرار في بريطانيا وأوروبا
كان الغضب الذي واجهت به المؤسسات السياسية البريطانية هذا القرار الملهم متوقعا، لكنه كان محبطا أكثر. فقد وصفه رئيس الوزراء البريطاني بأنه ”خطأ ومعاد للسامية“. واستبعد أي تعاون في المستقبل مع حزب الخضر، (وكذلك فعل زعيم حزب الأحرار الديمقراطيين)، وأعطى رئيس الوزراء توجيهات لمجالس حزب العمال التي تتشارك الحكم مع الخضر بإنهاء تلك المشاركة. وانتقد أربعة من نواب حزب الخضر الخمسة في مجلس العموم القرار، وطالبت بعض الأصوات مؤيدي القرار بالاعتذار عنه لأعضاء الحزب.
وبدأت لجنة المساواة وحقوق الإنسان في مجلس العموم في فحص مشروع قرار حزب الخضر من أجل ”تقييم عواقبه العملية وتأثيره المحتمل“. كما نأت أحزاب الخضر الأوروبية عن قرار الحزب البريطاني مؤكدة دعمها لحل الدولتين. وكان مجلس نواب اليهود البريطانيين يعتزم اتهام حزب الخضر نفسه بالعنصرية. والأخطر من ذلك كله، أن مقدم مشروع قرار ”الصهيونية عنصرية“ تعرض للمضايقات وللتهديد بالقتل.
اليهود ليسوا ”أمَّة“
ونحن على يقين من أن إسرائيل وأصدقاءها لن يهدأ لهم بال حتى يحاولوا تدمير زعيم الخضر، زاك بولانسكي، وتقويض حزبه. إذ إن لديهم خبرة واسعة في هذا المجال؛ ففي عام 1975، عندما أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3379، الذي يؤكد أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العرقي، نجحت إسرائيل في إلغاء القرار برمته – في سابقة هي الأولى والوحيدة من نوعها في تاريخ الأمم المتحدة.
إنه لمن المؤسف ألا تواجه إسرائيل أي عواقب لما ترتكبه، بسبب الخلط والبلبلة السائدين الآن حيال ماهية الصهيونية. فالصهيونية تعني ببساطة، بالنسبة إلى كثيرين، رغبة اليهود في أن تكون لهم دولة خاصة بهم يجدون فيها ملجأ. وهذه مشاعر قد تبدو مفهومة لو لم تكن مرتكزة على افتراضين باطلين: (الأول) أن اليهود أمة، و(الثاني) أنهم، بوصفهم أمة، يتمتعون بحق تقرير المصير، حتى ولو كان ذلك على أرض ليست ملكا لهم.
لقد بذل الصهاينة جهودا هائلة في ترويج هذه القصة المختلقة للعالم، معتمدين على صلة متخيلة بين شعب إسرائيل المذكور منذ آماد سحيقة في التوراة ويهود أوروبا المعاصرين. ولما يزال الناس إلى اليوم، يتقبلون هذه الخرافة إلى حد كبير. لكن الواقع هو أنه لا توجد أمة يهودية، وحتى لو وجدت، فإن ذلك لا يمكّن تلك ”الأمة“ من الاستيلاء على بلد شعب آخر مهما كان السبب، ومهما كانت الظروف.
حزب الخضر نسف الأكاذيب من جذورها
كان قرار حزب الخضر قد بدأ عملية نسف هذه الأكاذيب من جذورها، ووضع بذلك حجر الأساس لتفكيك الصهيونية ووليدتها، إسرائيل. ولم يجرؤ أي حزب سياسي غربي كبير آخر من قبل على اتخاذ قرار مثل هذا القرار.
وبدلا من إدانة حزب الخضر، فإننا نقول إننا مدينون لهم وممتنون لهم لكشفهم جذور المشكلة التي ألحقت هذا القدر من الدمار بفلسطين، وبالشرق الأوسط، وبالعالم بأسره.
