مختارات

على طريق الإصلاح(3) إمام الإصلاح الشيخ محمود شلتوت (2-3)

وُلد الشيخ محمود شلتوت في 6 شوال 1310هـ – 23 أبريل سنة 1893، بمنية بنى منصور مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة في دلتا مصر، حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية شأن الراغبين في استكمال الدراسة بالأزهر، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني سنة 1324هـ – 1906، أي في العام التالي لوفاة الإمام محمد عبده، وكان الأول على أقرانه في جميع مراحل الدراسة حتى حصل على شهادة العَالِمية سنة 1336هـ – 1918م، عُيِّن مُدرِّسًا بمعهد الإسكندرية الدِّيني في أوائل سنة 1919م، وبعد سنةٍ واحدةٍ من تخرّجه من الأزهر شارك بجرأته المعهودة في الثورة الشعبية المصرية بزعامة سعد زغلول ضد الاحتلال الإنجليزي، فانخرط الشيخ في مظاهراتها واجتماعاتها وشارك بخطبه في تحفيز طلائع الثوار.

لم يلتق الشيخ محمود شلتوت بالإمام محمد عبده؛ لكنه التقى بتلامذته ومن أهمّهم شيخ الأزهر محمد مصطفى محمد المراغي الذي سلك مع الشيخ محمود شلتوت المسلك نفسه، الذي سلكه معه الشيخ محمد عبده، فقرّبه منه، ورشّحه لوظائف تسمح له باستكمال مسيرة الإصلاح التي بدأت بالشيخ رفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده، فنقل الشيخ شلتوت من معهد الإسكندرية إلى القاهرة للتدريس بالقسم العالي بالجامع الأزهر- الذي سيطلق عليه الجامعة فيما بعد- وكان يرأسه حينها الشيخ عبد المجيد سليم، ولم تمض فترة طويلة حتى ترقّى الشيخ شلتوت إلى تدريس الفقه بأقسام التخصص بالأزهر الشريف، وانبرى الشيخ شلتوت للدفاع بلسانه وقلمه عن مشروع شيخه الذي عُرف حينها بمذكّرة المراغي لإصلاح الأزهر، فألقى العديد من الخطب في الأساتذة والطلاب، وكتب عدة مقالات بجريدة السياسة اليومية غير أن حركة الإصلاح واجهت رفضا من أكثر رجال الأزهر والقصر.

فـ”لاقى الشيخ المراغي معارضة شديدة من أنصار الجمود في الأزهر، وكان الملك أحمد فؤاد الأول غير مرتاح لشغله هذا المنصب، فلم يُوافقه على المنهج الذي وضعه لإصلاح النظام الحديث في الأزهر، فلم يجد إلا أن يعتزل هذا المنصب سنة 1348هـ – 1929م، بعد أن مكث فيه أربعة عشر شهرا؛ لأنه وجد أن بقاءه فيه لا معنى له بعد عجزه عن إصلاحه، والمنصب يجب أن يكون وسيلة لا غاية، ولا يصحّ أن يُضحي بالرأي في سبيل منصب من المناصب”.([1])  عزل الملك الشيخ المراغي من مشيخة الأزهر في جمادى الأول 1348هـ – أكتوبر 1929م، وأعقبه الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (1295 – 1363هـ / 1887 – 1944م)، فاندلعت احتجاجات من بعض طلاب ومعلمي الأزهر، وتصاعد قمع حكومة إسماعيل صدقي باشا التي ألغت دستور 1923م، فأصدرت قرارات بفصل الشيخ شلتوت والعشرات من طليعة الإصلاحيين من علماء الأزهر في 4 جمادي الأول 1350هـ / 17 سبتمبر 1931م؛ ليدفع الشيخ شلتوت أول ضريبة للفكر الحر والتجديد والعقلانية.

حينها اقترح الشيخ مصطفى عبدالرازق على الشيخ محمود شلتوت عقب فصله من الأزهر أن يعمل بالمحاماة الشرعية مع أخيه الشيخ على عبدالرازق (1305 – 1386هـ / 1887 – 1966م)، فيصدق عليهما قول أحمد شوقي: “إن المصائب يَجمعن المصابينا” فالأول فُصل من التدريس بالأزهر والثاني فُصل من القضاء الشرعي سنة 1344هـ / 1925م بسبب كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، لم تمض سوى أربعة أعوام حتى أعادت حكومة توفيق نسيم باشا (1375هـ / 1938م) التي أعقبت حكومة إسماعيل صدقي الشيخ شلتوت إلى عمله بالأزهر مُدَرِّسًا بكلية الشريعة في ذي القعدة 1353هـ  فبراير سنة 1935م.

ثار الأزهريون بعدها بشهرين مطالبين بعودة الشيخ المراغي إلى منصبه ليس من أجل مذهبه الإصلاحي بل لأجل قوته النفسية التي يُراعي بها مصالحهم، فعاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر في المحرم 1354هـ / 27 أبريل 1935، وأصدر قرارا بتعيين الشيخ شلتوت وكيلا لكلية الشريعة، رُقّي بعدها إلى مفتش بالمعاهد الدينية – 1358هـ / 1939م فاطلع الشيخ على أحوال المعاهد الدينية عن قرب وقدّم ملاحظاته ومقترحاته لإصلاحه في مختلف النواحي العلمية والإدارية، إلا أنّ الشيخ المراغي سرعان ما أعاد الشيخ شلتوت مرة ثانية وكيلا لكلية الشريعة ليستكمل ما بدأه فيها من إصلاح. وصدر قرار بتعيين الشيخ محمود شلتوت عضوا في “لجنة الفتوى” بالأزهر الشريف، بعد أن نال عضوية جماعة كبار العلماء (جبهة كبار العلماء حاليا) بإجماع الآراء سنة 1360هـ / 1941م  وكان حينها أصغر الأعضاء سنّا، وكان قد تقدّم لنيل عضويتها بدراسته: “المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية” الذي سبق ومثّل به الأزهر في الدورة الثانية لمؤتمر القانون الدولي المقارن بلاهاي-هولندا في جمادى الثاني 1356هـ / أغسطس 1937م.

قدّم الشيخ لجماعة كبار العلماء خطته لاستعادة الاجتهاد والخروج من حالة الجمود بالعمل على أربعة محاور:

1- إنشاء مكتب علمي للجماعة، مهمته الردّ على الشبهات عن عقيدة وشريعة وحضارة الإسلام، وتبليغ الدعوة وإقامة الحجة.

2- بحث المعاملات المستجدة، لاستنباط الأحكام الفقهية الجديدة لهذه المعاملات التي لم تعرفها عصور واجتهادات القدماء.

3- وضع كتاب عن الإسرائيليات في التفاسير المتداولة للقرآن الكريم، لتنقية هذه التفاسير من تلك الإسرائيليات التي تُغرق العقل المسلم في الضلالات.

4- تنقية الكتب الدينية في البدع والخرافات.

تبنّت “هيئة كبار العلماء” المشروع، وشكّلت لجنة رأسها الشيخ عبد المجيد سليم لدراسة سُبل تحقيق هذه المقترحات، واختير الشيخ شلتوت ضمن أعضائها غير أن واقع عمل اللجنة وجماعة كبار العلماء لم يرتقِ إلى ما كان يأمله الشيخ.

وفي 1365هـ /  1946م اُختير الشيخ عضوًا بمجمع اللغة العربية، وذلك ضمن عشرة أعضاء مثّلوا قمم العلم والفكر في تلك الحقبة التاريخية، فأطلق عليهم الأستاذ أحمد أمين في حفل استقبال المجمع “العشرة الطيبة”، وهم: الشيخ محمود شلتوت، والدكتور عبد الرزاق السنهوري، والدكتور إبراهيم بيومي مدكور، والدكتور عبد الوهاب عزام، والدكتور أحمد زكي، والدكتور مصطفى نظيف، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والأستاذ محمد فريد أبو حديد.

كما انتدبت جامعة فؤاد (جامعة القاهرة حاليا) الشيخ لتدريس فقه القرآن والسنة لطلّاب دبلوم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، وعُيِّن مُرَاقِبا عامّا لمراقبة البحوث والثقافة الإسلامية بالأزهر1369هـ /1950م أثناء تولي الشيخ عبد المجيد سليم مشيخة الأزهر.

وفي 1376هـ / 1957م، تولّى محمد أنور السادات (1337 – 1401هـ / 1918 – 1981م) عضو مجلس الثورة أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي، فاختار الشيخ شلتوت مستشارا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، لما تمتع به الشيخ بعد أن تولّي منصب وكيل الجامع الأزهر من انفتاح فكري على مختلف مذاهب الأمة الإسلامية، وإقامته علاقات طيبة مع شعوبها، وتواصله مع الكثير من الهيئات والمنظمات والمؤسسات العلمية والدعوية.

جمع الشيخ إلى ما سبق عضويّة اللجنة العليا للعلاقات الثقافية الخارجية، وعضوية مجلس الإذاعة الأعلى، وعضوية لجنة العادات والتقاليد بوزارة الشئون الاجتماعية، والعضوية المؤسِّسة في دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومجلتها: “رسالة الإسلام” وكان شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي، وعبد المجيد سليم، والشيخ مصطفى عبد الرازق ممن سبقوا الشيخ شلتوت على طريق التقريب، وأكمل بعده الشيخ عبد العزيز عيسى، والشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ المدني حتى توقّف نشاط المؤسسة، وكان الشيخ شلتوت من أكثر شيوخ الأزهر إيمانا بدعوة التقريب فوصف فكرة الحرية المذهبية الصحيحة على نهج الإسلام: بـ “أنها دعوة التوحيد والوحدة، وأنها دعوة الإسلام والسلام”، وكان يقول: “نحن في عصر الحوار، وأنّه إذا ما كانت الحوارات قائمة بين الأديان في أنحاء مختلفة من العالم فكيف لا يكون هناك حوار بين أبناء الدين الواحد.. ومع افتراض أن بعض الاختلافات هنا لا يمكن تجاوزها، أو التغاضي عنها، أو القضاء عليها، فهذا أيضا لا يغلق للحوار بابا، والاختلافات بين أتْباع الدين الواحد ليست مقصورة علي المسلمين وحدهم، فنحن نشهد الخلافات الجذرية بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس، وهم جميعا أتْباع دين واحد وبينهم حوار ويضمهم كيان واحد هو مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس الشرق الأوسط”.

ولم يجد الشيخ حرجا في أن يُقدّم لكتاب يعتنق صاحبه المذهب الشيعي، فقدّم لكتاب مجمع البيان في تفسير القرآن للفضل بن الحسن الطبرسي (ت548هـ) مستحسنا منهجه مشيدا بدقة ووضوح الكتاب، وإنصاف وإتقان الشيخ الطبرسي وصفائه الباطني ونزاهته من كلّ تعصب طائفي، وأمانته في نقل أقوال السلف من المفسرين بحياد تام دون النظر إلى مذاهبهم، وختم تقديمه للكتاب بقوله: “إن تفسير مجمع البيان بما فيه من مزايا يفضل على جميع تفاسير القرآن المؤلّفة من قبل علماء الإسلام على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم طوال مئات السنين”. ولم يختلف عنه موقف شيخ الأزهر آنذاك الشيخ عبدالمجيد سليم الذي وصف الكتاب بأنه: “جليل الشأن غزير العلم كثير الفوائد وحسن الترتيب. لا أحسبني مبالغا إذا قلت إنّه في مقدمة كتب التفسير التي تعدّ مراجع لعلومه وبحوثه، وجدت صاحبه عميق التفكر عظيم التدبر، متمكنا من علمه، قويا في أسلوبه وتعبيره، شديد الحرص على أن يجلى للنّاس كثيرا من المسائل التي يفيدهم علمها”.

كما أشاد الشيخ شلتوت بكتاب “الخلاف في الأحكام” للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ) من فقهاء الشيعة، قائلا: “هذا رجلٌ كتب بنَفَس سنّي إلى درجة أنّ صاحب “طبقات شافعية” السبكي عدّ الطّوسي من الشوافع”.

تولّى الشيخ محمود شلتوت منصب الإمام الأكبر وفي 29 ربيع أول 1378هـ / 13 أكتوبر 1958م ليكون الشيخ الثالث والأربعين للجامع الأزهر؛ ليبدأ خطواته نحو تحقيق المشاريع الإصلاحية التي طمح إليها، فركَّز جهوده في إنشاء مجمع البحوث الإسلامية الذي اقترحه عندما كان وكيلا للأزهر الشريف، وكان يريده هيئة عِلْمِيَّة ورُوحِيَّة عليا جامعة لكبار علماء الأمة الإسلامية على اختلاف أقطارهم ومذاهبهم، تشدُّ أَزْرَ المسلمين جميعًا، وتُزيل ما بينهم من احتقانات، وكانت الدولة المصرية في ذلك الوقت تتطلع إلى ربط الجمهورية العربية المتحدة الوليدة -في هذا الوقت- بالعالم الإسلامي، فصدر القرار الجمهوري بإنشاء المجمع ضمن القانون رقم 103 لسنة 1961، بشأن تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، فتشكّل من60٪ مصريين و40٪ من مختلف الأقطار الإسلامية والمذاهب من إيران وباكستان والهند وغيرهم، والتقت فعليا لأول مرّة ممثلي مختلف المذاهب الفقهية بصفة دورية في جلسات المجمع ومؤتمراته التي انعقدت بانتظام حتى المؤتمر الثامن الذي تُوفّي بعده فضيلة الشيخ محمود شلتوت.

ومما جاء في المادة الثانية من قانون التطوير: “الأزهر هو الهيئة الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته، وتَجْليته ونشْره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر، ورقي الحضارة، وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا والآخرة. كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية، وإظهار أثر العرب في تطور الإنسانية وتقدمها. وتعمل على رقي الآداب وتقدم العلوم والفنون، وخدمة المجتمع والأهداف القومية والإنسانية والقيم الروحية، وتزويد العالم الإسلامي والوطن العربي بالمختصين وأصحاب الرأي فيما يتصل بالشريعة الإسلامية والثقافة الدينية والعربية ولغة القرآن، وتخريج علماء عاملين متفقهين في الدين، يجمعون إلى الإيمان باللّه والثقة بالنفس وقوة الروح، كفاية علمية وعملية ومهنية، لتأكيد الصلة بين الدين والحياة، والربط بين العقيدة والسلوك، وتأهيل عالم الدين للمشاركة في كل أسباب النشاط والإنتاج، والريادة والقوة الطيبة للمشاركة في الدعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة. كما تهتم بتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات والهيئات العلمية الإسلامية والعربية والأجنبية”.

وجاء في المذكرة الإيضاحية لقانون التطوير التي كتبها الأستاذ محمد سعيد العريان (1323 – 1384هـ / 1905 – 1964م) “أن أهم مبادئ هذا القانون: أولا أن يبقى الأزهر، وأن يُدعم ليظل أكبر جامعة إسلامية وأقدم جامعة في الشرق والغرب. ثانيا: أن يظل كما كان منذ أكثر من ألف سنة حصنا للدين والعروبة، يرتقي به الإسلام ويتجدد ويتجلى في جوهره الأصيل، ويتسع نطاق العلم به في كل مستوى وفي كل بيئة، ويُذاد عنه كلُّ ما يشوبه وكل ما يُرمى به”.

وبموجب قانون التطوير الذي أصدره عبدالناصر برعاية من الشيخ محمود شلتوت دخلت الفتيات الأزهر لأول مرة في التاريخ، وأنشئت الكليات العلمية، ودُرّست اللغات غير العربية -أوروبية وشرقية – بالأزهر، وأُلغيتْ هيئة كبار العلماء وحلّ بدلًا منها مجمع البحوث الإسلامية الذي يُعيَّن شيخ الأزهر من بين أعضائه، وبمقتضى هذا القانون أصبح يُطلق على شيخ الأزهر “الإمام الأكبر” فالشيخ شلتوت أوّل حامل لهذا اللقب، وأنشئ “معهد البعوث الإسلامية” لتأهيل الطلاب غير العرب للدراسة باللغة العربية، وأنشئت “مدينة البعوث الإسلامية” لتمثّل الأممية الإسلامية الجامعة لمختلف جنسيات الأقطار الإسلامية، وتوسّع الأهالي في بناء المعاهد الأزهرية في مختلف قرى مصر، وتعددت كليات جامعة الأزهر ثم فروعها جنوبا وشمالا.

لم تكن أغلب مواد قانون التطوير موضع استحسان من الأزهريين فتحفّظوا عليه بدافعٍ من سوء ظنّهم بالسلطة الحاكمة التي أصدرتْ القانون، وتخوّفهم من التغيير ومخالفة ما كان عليه السابقون من شيوخهم، فلم يكن من السهل أن يقبلوا بإدخال الفتيات والكليات العملية واستحداث بعض البرامج والمناهج التعليمية في الكليات الأزهرية الأصلية إلا أنهم قبلوا بالواقع على مضض؛ لأنه تطوير من أعلى  باركته رأس السلطة السياسية.

لم يكد يلوح في الأفق أمام الشيخ شلتوت حلم تطوير وإصلاح الأزهر حتى تبدّد وتلاشى بإطاحة قانون التطوير بصلاحيات شيخ الأزهر الذي تحوّل منصبه إلى منصبٍ دينيّ ليس له علاقة بالسلطات الإدارية، فنُقلت كامل السلطات الإدارية في الأزهر إلى وزير شئون الأزهر الدكتور محمد البهي، ما دفع الشيخ إلى خوض معركة صامتة فكتب مذكرة إلى رئيس مجلس الوزراء علي صبري ورئيس الجمهورية جمال عبد الناصر، ولجأ إلى قسم الفتوى بمجلس الدولة لتفسير قانون تطوير الأزهر، فردّت بإقرار الوضع القائم.

وكما قبل الشيخ أن يتولّى منصب الإمام الأكبر بدافع من أداء أمانة الإصلاح والتطوير قدم استقالته في 16 ربيع الأول 1383هـ / 6 أغسطس سنة 1963، بدافع من الأمر نفسه عندما وجد نفسه عاجزا أمام بيروقراطية أطاحت بكافة صلاحياته، وممّا جاء في استقالته قوله: “أسندت وزارة شؤون الأزهر إلى السيد الدكتور محمد البهي، فسار بها في طريق لا يتفق مع رسالة الأزهر، وما يبتغيه طلاب الإصلاح له، حتى مسّ كيانه، وصدّع بنيانه، وفي هذه الفترة الأخيرة، التي جاوزت العشرة شهور، ظللت من جانبي أحاول علاج ما ترتب على طريق سيره من مشكلات، وأدفع بقدر الاستطاعة عن حرمة الأزهر وحِماه، ولم أدع فرصة إلا التجأت فيها إلى المختصين عسى أن يهيئ الله من الظروف ما يستقيم معه المعوج وينصلح به الفاسد. ولكن الأمور أفلت زمامها من يدي، وانتقلت من سيء إلى أسوأ، حتى تحوّل الأزهر فعلا عن رسالته، ولم يصبح لمشيخة الأزهر وجود أو كيان، وإزاء هذه الظروف السابقة المتجمعة… فليس أمامي إلا أن أضع استقالتي من مشيخة الأزهر بين يديكم، بعد أن حيل بيني وبين القيام بأمانتها التي أعتقد عن يقين أنكم تشاركونني المسؤولية فيها أمام اللّه والتاريخ… واللّه أسال أن يديم عليكم نعمة التوفيق في خدمة العروبة والإسلام، وأن ينهض الأزهر في عهدكم حتى يظل للإسلام حصنا وللوطن وللمسلمين في مختلف الأقطار خيرا وبركة”.

نال الإمام الأكبر محمود شلتوت تقدير واحترام قادة العالم فسافر إلي الشرق الأقصى وزار الصين وإندونيسيا وأرخبيل الملايو وعندما زار الفلبين وضع الرئيس الفلبيني طائرته وحرسه الخاص تحت تصرفه طوال فترة إقامته، مُنح الإمام عددا من الأوسمة والشهادات منها الدكتوراه الفخرية من جامعة جاكارتا وجامعة ميدان والجامعة الإسلامية بإندونيسيا، وجامعة سومطرة الشمالية والجامعة الإسلامية بالفلبين، ودرجة الزمالة الفخرية من أكاديمية شيلي بأمريكا اللاتينية 1377هـ – 1958م، والأستاذية الفخرية من حكومة الكاميرون ووسام الاستحقاق ولقب مواطن فخري من أحمد أهيدجو رئيس جمهورية الكاميرون تقديرا لأبحاثه العلمية، ووسام العرش المغربي من ملك المغرب محمد الخامس 1379هـ -1960م، ووسام من الملك محمد طاهر شاه ملك أفغانستان، ووسام من الفريق إبراهيم عبّود رئيس جمهورية السودان، وزار الشيخ في بيته بعد أن أُصيب بشلل في نصفه الأيسر إمبراطور الحبشة هيلا سيلاسي، ورئيس العراق عبدالسلام عارف، ورئيس اليمن عبداللـه السلّال والرئيس الجزائري أحمد بن بيلا وغيرهم.

حتى كان مرضه الأخير الذي تُوفي فيه بعد أربعة أشهر من تقديمه الاستقالة في نهاية أشبه ما تكون بنهاية الإمام محمد عبده عندما حيل بينه وبين إصلاح الأزهر، عرجت روح الشيخ محمود شلتوت إلى بارئها راضية مرضية مساء ليلة الجمعة التي وافقت ليلة الإسراء والمعراج، وأدَّى المُصلّون عليه صلاة الجنازة في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1383هـ الموافق13 من ديسمبر سنة 1963م، بعد عمر امتدّ سبعين عاما، كان فيه منارة سامقة للاستنارة والإصلاح والاجتهاد والتجديد.

([1]) عبد المتعال الصعيدي، المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر. ص٤١٤، مكتبة الآداب، القاهرة، ط ١٤١٦هـ -١٩٩٦م.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى