ثقافة

نصر حامد أبو زيد.. قراءة في مشروعه الفكري (2-4)

أدرك نصر، من اللحظة الأولى لشغْله وظيفة معيد بقسم الدراسات الإسلامية، أنّه ما بين خيارين: إمّا أن يكون واعظا، وإمّا أن يكون باحثا، اختار الثانية، وهو يُدرك عواقب البحث في الفكر الديني في مجتمع لا يتعامل مع الفكر الديني بوصفه منتجا إنسانيا يخضع للبحث والنقد والتطوير، وإنما بوصفه دينا، فالمغالطة الأخطر في ثقافتنا “الخلط بين الدين المقدس والفكر الديني غير المقدس”، تردد نصر بداية في اختيار مجال “الدراسات الإسلامية” تخصصا لدراساته الأكاديمية بعد تخرّجه في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب – جامعة القاهرة سنة ١٩٧٢، وكان السبب وراء التردد، على حد قوله: “هو عجز الجامعة عن تقديم الحماية الاكاديمية للباحث محمد أحمد خلف الله الذي تقدم عام ١٩٤٧، برسالة لنيل درجة الدكتوراه بإشراف الشيخ أمين الخولي بعنوان “الفن القصصي في القرآن الكريم” تحت ضغط الهجوم الشرس الذي تعرضت له الرسالة والباحث والمشرف – وذلك قبل أن تناقش في الجامعة – في الصحف والمجلات قررت الجامعة عدم صلاحية الرسالة، كما قررت تحويل الباحث إلى وظيفة إدارية (خارج النطاق التعليمي) وحرمان الأستاذ المشرف من تدريس علوم القرآن والحديث أو الإشراف على رسائل جامعية في إطار تخصص “الدراسات الإسلامية”.

“هكذا ظل كرسي “الدراسات الإسلامية” شاغرا، حتى تنبه قسم اللغة العربية سنة ١٩٧٢، إلى ضرورة توجيه أحد شباب الدارسين لاختيار تخصص الدراسات الإسلامية؛ لشغل المنصب الذي ظلّ شاغرا لربع قرن، كان ترددي مفهوما ومنطقيا، إلى جانب أنّه يكشف عن وعيي المبكر بإشكالية البحث العلمي في مجال الدراسات الإسلامية، وأعلم “الخطورة” الكامنة في تجاوز الخطابين الوعظي والإصلاحي معا من هنا كان ترددي الذي حاول أساتذة القسم أن يُهوّنوا من شأنه”.

وكعادة الباحث الجيد يقوده السؤال إلى سؤال، وتُفضي به الدراسة إلى دراسة أخرى في رحلة لا تتوقف، انتقل نصر من سؤال الذات القارئة/المؤولة في رسالتيه لنيل درجة الماجستير والدكتوراه إلى سؤال النّص، فقد تكوّنت بداخله العديد من الأسئلة البحثية حول أهمية إعادة النظر في المراد بمفهوم “النّص”، إذ “لا يُمكننا فهم واقعنا الثقافي المعاصر منفصلا عن الثقافة العربية الإسلامية في جانبها التراثي التاريخي، ولما كانت الثقافة تُمثّلُ الذاكرة الجمعية للجماعة، فليست الذاكرة إلاّ مجموعة من النصوص المحدِّدة للقيم والأعراف وأنماط السلوك ومعايير الخطأ والصواب، وفي ثقافة احتلّ النص الديني فيها – ولايزال – مركز الذاكرة/ الثقافة لا بديل عن البحث في مفهوم النص الصانع للثقافة العربية الإسلامية، فكل كشف وإجلاء للنّص هو إجلاء لآليات إنتاج المعرفة، ولنمط الثقافة التي ينتمي إليها”.([1])

كما أنّ تحليل مفهوم النّص سيكشف الغطاء عن القراءة الإيديولوجية النفعية للتراث التي تجلّت بوضوح في سبعينات القرن الماضي، فتحوّل النصّ الديني المقدس إلى ساحة عراك في المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة، يحاول كل طرف من أطراف الصراع تأويلَه بما يُعطي “أيديولوجيته” مشروعية عليا، فكما قُدّمت قراءة اشتراكية للإسلام لتُضفي على المشروع الاشتراكي مشروعية عليا في فترة الحكم الناصري، كان لابد من تقديم قراءة أخرى مغايرة للإسلام في فترة الحكم الساداتي تبرّر تحوّل علاقتنا مع إسرائيل من الصراع إلى المصالحة، وما صاحب ذلك من أفكار عن رأس المال الحر، فتحوّلَ “النص” الديني المقدس بالقراءة الإيديولوجية الجديدة من نصّ يدعو إلى الفكر الاشتراكي القومي التقدمي إلى نصّ يدعو إلى الرأسمالية والانفتاح الإقليمي، فرأى نصر أنّ البحث عن مفهوم النص في مجال علوم القرآن مرة، وأخرى في مجال الدراسات اللغوية كفيل بربط التراث بالمناهج العلمية المعاصرة، وتحقيق “وعي علمي” نتجاوز به موقف “التوجيه الأيديولوجي” السائد في ثقافتنا وفكرنا.

وكانت تلك الدراسات سببا لدخول الخطابات المؤدلِجة للنص في مواجهةٍ مع خطاب نصر الذي لم يقف عند حدود دراسة “مفهوم النص” بل تعداها إلى دراسة “إشكاليات القراءة وآليات التأويل”، فخطاب نصر على مستوى الموضوع يتحرّك حركته البندولية بين دراسة القديم والحديث، بين التراثي والحداثي، فكانت دراسته “الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص”([2]) ودراسته “الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطيّة” محاولة لاكتشاف جذور “الآني” في بنية الخطاب في “الماضي”. ثم كان “نقد الخطاب الديني” حفرا في بنية الخطاب الديني الحديث تعريةً لجذوره التي يُحاول أن يخفيها مُدّعيا أنه نتاج مباشر للنص الديني،([3]) فكان لتنوع منطلقات نصر أثره في عمق وثراء نتاجه العلمي.

استمرت دراسات نصر حول بنية النص في الثقافة العربية، ولم يتوقف منهجه في تحليل النصّ – كما يُظنّ – بانتقاله إلى قراءة التراث في ضوء علم تحليل الخطاب، فبعد أن كشف عن مفهوم النص في نظرية الفقه الإسلامي الذي استخدم كلمة “النص” للإشارة إلى إحدى مستويات الدلالة، وهي “الواضحة وضوحا بيّنا يفهمه كل من يعرف العربية” متسقا بذلك مع المعنى المعجمي للفظ “النص”، عاد نصر وكشف عن مفهوم ثانٍ للنص في الثقافة العربية انتقل إليها من دلالة “النصّ” في اللغات الأوربية التي تُطلق كلمة “النص” على كل بنية لغوية كاملة تتجاوز حدّ الجملة المفيدة، فتُطلق كلمة “نص” على مسرحية أو رواية أو كتاب بوصفه بنية كاملة، وليس بمعنى الواضح البيّن الذي لا غموض فيه، وبالمفهوم الثاني أصبح يُطلق على القرآن الكريم كلمة “نص” بوصفه بنية لغوية كاملة بتقسيمها إلى سور وترتيبها وتقسيمها إلى آيات.

ولم يقف النص في الثقافة العربية عند حدود النصوص اللغوية، بل حمل مفهوما ثالثا أوسع بكثير، فلم يكتف باللفظ لغة للتعبير النصّي، بل امتدّ للإشارات التي يستقبلها الإنسان في منامه، فالنصّ في العقل العربي تجاوز العبارة لغة العقل المحدود بقيوده إلى نص من نتاج لغة أخرى هي لغة الإشارة التي تنفذ إلى ما وراء العقل المجرَّد.. بهذا تكون الرؤى والأحلام في الثقافة العربية نصوصا دالةً بالمعنى السميوطيقي للنصوص لكنها نصوص تحتاج للترجمة إلى اللغة الطبيعية؛ لتصبح أحاديث يُمكن مشاركة الآخرين في فهم “الرسالة” التي تضمنها هذا النمط من النصوص (الرؤى)، فتُصبح موضوعا للتأويل أو التفسير؛ لتستحيل إلى معانٍ جديدة بالترجمة والتعبير والتأويل. فالنصوص من منظور سميوطيقي “سلسلة من العلامات غير اللغوية المنظمة تنظيما خاصا يجعلها منتجة لدلالة كلية، ليست إلا حاصل تفاعل دلالات العلامات داخل كل منظومة، فالحلم والرؤيا مثل اللوحة أو التمثال أو قطعة الموسيقى جميعها نصوص من اللغات غير الطبيعية.([4])

وفي دراسته “القرآن: العالم بوصفه علامة”([5]) كشف عن مفهوم رابع للنص في الثقافة العربية مستفيدا من تجربته السابقة في “علم العلامات في التراث”([6])، تلك الدراسة الاستكشافية التي بحث فيها داخل التراث العربي بمعناه الشامل عن جذور وآفاق معرفية لبعض قضايا “علم العلامات” أحد معطيات الدراسات اللغوية الحديثة، فقد عاد بعدها نصر إلى المقاربة السميولوجية لعلم العلامات في بحثه “القرآن: العالم بوصفه علامة”؛ ليبرهن على فرضية مفادها أنّ بنية النص القرآنى جميعها تقريبا تُحيل العالم كله بسمائه وأرضه وكواكبه وبنباته وحيوانه وجماده إلى آيات وعلامات بوصفها نصوصا كونية مقروءة، وليس العالم فحسب هو الذي يتحوّل إلى علامة بل التاريخ الإنساني كله.. قصص الأمم الغابرة وصراع الأنبياء والرسل مع أقوامهم، يُصبح علامة تُجسد الصراع الأزليّ بين الحقّ والباطل وبين الإيمان والكفر. وتتعانق أنماط العلامتين – الكون والتاريخ – من خلال الفصل بين نمطين من البشر: القادرين على قراءة العلامات الكونية، فيستدلون منها على وجود “الخالق”، ويدخلون “الإيمان” ويتمتعون بالخلاص الأخروي، والنمط الثاني هم العاجزون عن تلك العلامات فيسقطون في وهدة “التكذيب” ومحاربة الأنبياء والرسل، مشيرا إلى أن العلامة دال الإشارة لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة، وجاء دال العلم بمعنى المعرفة ودال العالم لم يأت أبدا في القرآن فاعلا ولا في موقع الابتداء كما أنه لم يأت مفردا.([7])

فيُمكننا القول إن الثقافة العربية طوّرت مع الإسلام مفهوما جديدا للنص بالمعنى السميوطيقي الذي يُعرّف النّص بأنه “سلسلة من العلامات المنتظمة في نسق من العلاقات تُنتج معنى كليا يحمل رسالة، وسواء كانت تلك العلامات علامات باللغة الطبيعية – الألفاظ – أم كانت علامات بلغات أخرى، فإنّ انتظام العلامات في نسق يحمل رسالة يجعل منها نصا، وليس من قبيل الصدفة أن المفردات “عِلْم” و”عَالم” و”علامة” مفردات من جذر لغوي واحد في اللغة العربية. وليس من قبيل الصدفة أيضًا أن كتاب العربية الأكبر، ونصها المهيمن، يُسمى نفسه “رسالة”، ويُطلق على وحداته الأساسية المكونة للسور – الوحدات الأكبر – اسم “الآية”، والآية فيما يقرر الطبري تحتمل وجهين في كلام العرب: أحدهما أن تكون سُميّت آية، لأنها علامة يُعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها… وإذا كانت “الآية” علامة، والنص: رسالة، فإنّ الكون كله – في الخطاب القرآني – سلسلة من العلامات الدالة -الآيات – على وجود الله، وعلى وحدانيته. ومعنى ذلك أن ثمّة نصين: نصّ لُغوي مرسل من الله للإنسان، ونصّ غير لغوي – العالم – يُمثّل رسالة يتجاوب مضمونها مع مضمون الرسالة اللغوية.. وفي كثير من آيات القرآن توجيه للإنسان لكي يقرأ آيات الله في الكون وفي الناس وفي نفسه، وفي هذا التوجيه ما يدلّ على وجود تصورٍ لتساند النصوص -لغوية وكونيه وإنسانية- في إنتاج الدلالة المنتجة للرسالة. إن النّظر في الملكوت وفي الخلق هو بمثابة قراءة لتأويل الآيات/العلامات – وصولا إلى دلالتها، وبالمثل يُعدّ تأويل القرآن -النص اللغوي- موصلا للرسالة الموجودة -سلفا- في الكون”. ([8]

فـ”اللغة الدينية نسق من النظام اللغوي، لكنه النسق الذي يُحاول أن يفرض هيمنته وسيطرته على النظام اللغوي، وتتم هذه الهيمنة والسيطرة من خلال عملية إعادة بناء دلالة العلامات اللغوية في نظام اللغة الأساسي([9]) حيث يتمّ تحويل تلك العلامات في نسق العلامات السميولوجية أو (السميوطيقية)، وبعبارة أخرى تُقوم اللغة الدينية من خلال عملية التحويل تلك – ويُطلق عليها مصطلح السمطقة Semiosis – بالاستيلاء على اللغة العربية الأساسية والاستحواذ عليها. والاستيلاء على اللغة يعنى الاستيلاء على “العالم” الذي تُنظّمه اللغة من خلال نظامها العلاماتي، وهذا يُفضي بدوره إلى الاستيلاء على “الإنسان” عن طريق امتلاك وعيه بآليات التحويل المشار إليها، وهذا يكشف عن وظيفة اللغة الدينية في الاستحواذ على الإنسان وامتلاكه لكي يندمج داخل دائرة نظام “الإيمان” و”الجماعة” الذي تسعى اللغة الدينية إلى تأسيسهما”.([10]

بهذا شرح نصر كيف تشكّلت أربعة مفاهيم للنص في الثقافة الإسلامية، في محاولة منه الإجابة عن سؤال ما مفهوم النص؟ سؤال من أسئلة واضحة وصريحة طرحها نصر انطلاقا من هموم واقعه الثقافي، ولم يكن يتوقّع أن طرح جانب من الأسئلة المكبوتة سيكون سببا في إرغامه على ترك الوطن إلى “المنفى”.

               يُتبع

([1]) مفهوم النص، ص١٢،١١.

([2]) نُشرت في كتابه إشكاليات القراءة وآليات التأويل ، ط. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، بيروت/لبنان، الطبعة السابعة، ٢٠٠٥، ص ١٣: ٥١ .

([3]) ينظر: النص السلطة الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة ، ص١١،١٠.

([4]) ينظر: النص السلطة الحقيقة، ص١٦٧،١٦٦.

([5]) ينظر: السابق، ص ٢٥٩:٢١٣ .

([6]) نُشرت في كتاب “أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السميوطيقا” (دار إلياس العصرية، القاهرة، ١٩٨٦) بإشراف: سيزا قاسم ونصر أبوزيد، وأعيد نشرها في كتاب إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص١١٧:٥١.

([7]) ينظر: النص السلطة الحقيقة، ص٢٣١،٢٣٠.

([8]) السابق، ص١٧٠.

([9]) الفكرة التي سبق واقترب منها نصر في كتابه نقد الخطاب الديني ص٦٧:٦٥، في قوله: “اللغة العربية لغة دينية بامتياز أحكم النص السيطرة عليها، واستوعبها استيعابا شبه تام في نسقه الدلالي الخاص”.

([10]) ينظر: النص السلطة الحقيقة، ص٧.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock