فن

توفيق صالح.. مخرج الثورة والتمرد

يقف الرجل على حافة خطرة طوال حياته حتى تصير مصادقة التحدي دأبه، فما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أكبرهما مجالدة للواقع. صدقه صار مقتله ومكمن استعداء للمتوائمين في وقت رأى “صالح” أن إعلان الفنان عن انحيازه لما يؤمن به أمر لا مساومة فيه.

إذا كان حكمك ظاهريا على الرجل فقد اخترت الأيسر؛ فهناك قائمة اتهامات بدأت في الظهور إلى الوجود منذ أربعينيات القرن الماضي على أقل تقدير، حين اختار “صالح” طريق الفن وكان قد تخرج حديثا في “كلية فيكتوريا” بالإسكندرية، وقرر المغادرة إلى القاهرة ليتعلم الفن من خلال العمل لا الدراسة، لكن الأسرة ذات الأصول الارستقراطية تجتمع لتفرض عليه الالتحاق بالتعليم الجامعي، لأنه ليس من اللائق ولا المقبول أن يكون ابن الطبيب الذي يمت بصلة قرابة للعائلة المالكة -غير حامل لشهادة جامعية. امتثل توفيق لإرادة العائلة احتراما لذكرى الوالد الذي كان قد رحل قبل نحو عام، والتحق بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، فكانت دراسة الأدب منقذا له ودافعا على الإصرار في مواصلة الطريق نحو العمل بالفن.

ذاكرة الفتى كانت تزدحم بالمشاهد والوجوه والحوارات المصرية التي جمعها طوال الفترة التي تنقل فيها بحكم عمل أبيه بين مدن بورسعيد والسويس قبل الاستقرار في الإسكندرية. تشكّل الوعي وارتسمت ملامح الوجدان في معترك ذلك الكفاح المستمر الذي يخوضه البسطاء ببطولة من أجل الحصول على ما يضمن لهم حياة لا تشبه الحياة في شيء، لذلك كان انفصاله عن الطبقة التي ينتمي إليها حقيقة جلية تفرض بصدقها قرار الاختيار المنحاز للجموع دون غيرهم.

بعد حصوله على “الليسانس” غادر صالح إلى القاهرة فورا؛ محملا بآمال كبار وأحلام نبيلة لكنه يصطدم بواقع السينما المصرية أواخر الأربعينات، وكان قد أخرج في سنته الجامعية الأخيرة مسرحية “رصاصة في القلب” وتم عرضها في جمعية الصداقة المصرية الفرنسية، ونالت إعجاب رئيس القسم الفرنسي بكلية الآداب فعرض على “صالح” بعثة لدراسة المسرح في “باريس” لكنه صارح الرجل بأنه يود دراسة السينما، فكان له ما أراد.

في العام الأول له في باريس لم ينتظم “توفيق” في الدراسة في المعهد العالي للسينما، تمرد على الوضع كعادته، إذ رأى أن التردد على السينماتيك (الأرشيف الفرنسي للسينما) ونوادي السينما واكتشاف تاريخ السينما ومشاهدة كل الأفلام التي سمع بها في مصر أفضل من الانتظام في الدراسة بالمعهد. ثم قرر “صالح” دخول مدرسة التصوير ولكنه لم ينتظم بسبب عدم قدرته على الاستيقاظ مبكرا،  لكن القدر ييسر له أمرا أثّر في حياته كثيرا إذ تعرّف على الفيلسوف الفرنسي تيان سوريو أستاذ علم الجمال بجامعة “السوربون” وكان تخصصا جديدا هو ” filmol” ويعني دراسة السينما بوصفها جزءا من علم الجمال، قد بدأ تدريسه بالجامعة.

انتظم “توفيق” لفترة في الدراسة، ثم آثر الميدان العملي؛ فالتحق بالعمل مساعدا لمساعد المخرج في فيلمين، في الفيلم الثاني الذي لعب دور البطولة فيه النجم الفرنسي الشهير شارل ترينيه. بدأ “صالح” يوجه المخرج مباشرة لما يقع فيه المساعد من أخطاء، ويقدم للمخرج ملاحظاته، ما جعل الرجل يتجاوز مساعده تماما ويعتمد عليه. شعر المساعد بالحقد على “توفيق” وتقدم ضده بشكوى إلى النقابة التي أصدرت على الفور قرارا بمنعه من العمل، وبقي بباريس لفترة حتى نفد ماله فقرر العودة إلى مصر.

خلال فترة وجوده في فرنسا كتب “صالح” معالجة سينمائية لقصة عالمية، وعند عودته إلى مصر حاول جاهدا مشاهدة كل ما أنتج من أفلام مصرية أثناء وجوده في باريس. لفت نظره اسم نجيب محفوظ في “تترات” بعض الأفلام، ولاحظ أن طريقة سرد المشاهد في هذه الأفلام تختلف عن غيرها؛ فقرر أن يلتقيه ويعرض عليه المعالجة السينمائية التي كتبها. عندما قرأ “محفوظ” المعالجة نصح “صالح” على الفور بعدة تغييرات حتى لا يتهم بـ”الشيوعية” ووعده أن يلتقيه بعد أسبوع ومعه التعديلات. يقول “صالح”: “وبعد أسبوع تحديدا جاء ومعه تسعة مقاطع في أربع ورقات. صُعقت لأنّه غيّر الشخصيّات التي أصبحت شخصيّات مصريّة حقيقيّة، كما أعطى للفيلم عنواناً فاجأني  هو “درب المهابيل”.

مع نجيب محفوظ صديقه المقرب وزعيم شلة الحرافيش

عرض توفيق صالح السيناريو على شركة الهلال للإنتاج وكان مستشارها آنذاك المخرج الكبير فيما بعد صلاح أبو سيف. رفض أبوسيف السيناريو وتهكم عليه، وقارنه بفيلم “السوق السوداء” الذي كان قد حقق فشلا ذريعا.. لكن “محفوظ” عرض السيناريو على صديقيه عبد الحميد جودة السحّار، ومحمّد فرج، فأعجبهما وتم إنتاج الفيلم. حدث ما توقعه أبو سيف وسقط الفيلم جماهيريا رغم جودته السينمائية، ويُرجع صالح ذلك إلى الواقعية الشديدة التي سيطرت على الفيلم في الوقت الذي كان جمهور السينما يهرب إليها من الواقع وصعوباته.

أفيش فيلم درب المهابيل 1955

في عام 1961، أقامت الدّولة أوّل مهرجان قوميّ للسينما وأعلنت أنّه يجوز تقديم الأفلام التي أُنتجت في السنوات الخمس الأخيرة، فدخل «درب المهابيل» المسابقة وفاز “شباب امرأة” لصلاح أبو سيف بالجائزة الأولى وفاز “درب المهابيل” بالجائزة الثانية مناصفة مع “رد قلبي” لعز الدين ذو الفقار الذي تعجب جدا من الأمر، وكان يمر بوعكة صحية شديدة فطلب الفيلم وشاهده في المنزل، فأعجب به جدا وطلب من صالح الحضور إليه، كان لديه سيناريو “صراع الأبطال” الذي كتبه عبد الحي أديب، وعندما علم أن “توفيق” لم يعمل منذ أخرج هذا الفيلم قبل ست سنوات دفع إليه بالسيناريو الذي كان يود هو إخراجه وحالت ظروفه الصحية دون ذلك.

أفيش فيلم صراع الأبطال 1962

يقول المخرج توفيق صالح إنه فهم من خلال تجربته الأولى أن عليه “الخضوع لشروط الميلودراما والحوارات المباشرة التي تحجّم في بعض المشاهد القدرة السينمائيّة مقابل إيصال الفيلم بطريقة أسهل للجمهور”.

عرض صالح من خلال الفيلم فكرة مواجهة العلم للفقر والجهل من خلال شخصية الطبيب بطل الفيلم الذي حمل ظلال صورة الزعيم جمال عبد الناصر حين كان يجوب أقاليم مصر بالقطار في أوج تحقيق الثورة لمطالب الجماهير في العدالة الاجتماعية. بعد جهد وافقت سينما “مترو” على عرض الفيلم؛ فحقق نجاحا كبيرا، وكان الرئيس عبد الناصر يرفض تحويل السينما إلى قطاع عام، لكنه عندما شاهد الفيلم قال: لو كان ما ستنتجونه من أفلام على هذا المستوى فلا بأس، وتحولت السينما إلى قطاع عام.

توفيق صالح أثناء تصوير أحد أعماله

في يونيو عام1966، بدأ صالح العمل في فيلم “المتمردون” عن قصة صلاح حافظ الذي شاركه كتابة السيناريو. أراد صالح من خلال الفيلم أن يدق ناقوس الخطر منبها إلى أن الواقع يتهاوى وأن كارثة ما توشك على الحدوث. بقي الفيلم لفترة في الرقابة، واستدعي صالح لسؤاله عن بعض المشاهد التي رأت الرقابة أنها تحمل رمزية ما، ولم يخرج الفيلم إلى النور إلا بعد عامين.

أفيش فيلم المتمردون 1966

واجه توفيق صالح الصعوبات نفسها مع فيلمه “يوميات نائب في الأرياف” عن قصة توفيق الحكيم، واتهم صراحة بالإساءة لوزارة الداخلية، ولمنظومة العدالة في مصر، وطلب منه عمل فيلم تسجيلي قصير عن الشرطة ليعرض مع الفيلم في صالات العرض؛ لكنه رفض وتم تشكيل لجنة عليا لكتابة تقرير بشأن الفيلم، لكنها لم تصل إلى رأي، وتم تصعيد الأمر، وطلب عبد الناصر مشاهدة الفيلم فأعجب به وقال: “لو أن المؤسسة تنتج أربعة أفلام سنويا على هذا المستوى لكان هذا كافيا، ولرفعت ميزانيتها”.

أفيش فيلم يوميات نائب في الأرياف 1968

كانت تجربة توفيق صالح الأخيرة في مصر عام1969، فيلما بعنوان “السيد البلطي” ناقش فيه فكرة غياب المخلص وما يمكن أن يتعرض له المجتمع الذي عقد كل آماله على شخص واحد حال غيابه. تعرض الفيلم لمذبحة من الرقابة؛ فأصيب صالح باليأس من التعامل مع تلك العقليات، وقرر البقاء في دمشق التي كان قد زارها معزيا. وهناك عمل لفترة بالتدريس في معهد السينما، ثم قرر تحويل رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” إلى فيلم بعنوان “المخدوعون” من إنتاج مؤسسة السينما السورية، وهذا العمل هو أهم أعمال توفيق صالح لأسباب كثيرة، فهو أول عمل سينمائي يناقش مأساة الشعب الفلسطيني بواقعية شديدة، كما أن الفيلم اعتبر البداية الحقيقية للسينما السورية.

فيلم “المخدوعون” لتوفيق صالح، عن رواية كنفاني “رجال في الشمس” 1972

أزعج ذلك السينمائيين السوريين جدا، لكنه كان فاتحة الطريق للأفلام العربية نحو مهرجان “كان”. كالعادة واجه الفيلم مشاكل عدة من جانب الرقابة، ثم رأت المؤسسة أن يعرض الفيلم في مهرجان دمشق فحاز على إعجاب الناقد الفرنسي مارسيل مارتان وأصر على أن يشترك الفيلم في مهرجان “كان” لكن موعد تقديم الأفلام كان قد فات؛ فأصر على عرضه ضمن برنامج “نصف شهر المخرجين” في “كان” والذي يعد مهرجانا موازيا. ومن الطريف أن بطاقتي الحضور اللتين أرسلتا إلى دمشق أخذهما رئيس مؤسسة السينما، الذي احتفظ لنفسه بواحدة وأعطى الأخرى لأحد كبار الموظفين، فاضطر صالح للسفر على نفقته الخاصة.

شارك الفيلم في نفس العام 1972 في مهرجان قرطاج وحصل على جائزة “التانيت” الذهبي، ثم الجائزة الأولى في مهرجان ستراسبورج لأفلام حقوق الإنسان، والجائزة الأولى من المركز الكاثوليكي الدولي ببلجيكا، وجائزة لينين للسلام من مهرجان موسكو كل ذلك عام 1973.

ان لهذا النجاح الكبير الذي حققه الفيلم أثرا عكسيا على مسئولي السينما السورية، فلم يستطع مخرجنا البقاء في دمشق وانتقل إلى بغداد للعمل بالتدريس في معهد السينما وأخرج هناك فيلما تسجيلا عن الحضارة البابلية بعنوان “فجر الحضارة” ثم فيلما آخر بعنوان “الأيام الطويلة” عن محاولة اغتيال عبد السلام عارف التي شارك فيها الرئيس صدام حسين وتم توجيه نقد شديد لـ “صالح” لإخراجه هذا العمل. ويبدو أن الظروف التي لم يرد الرجل سرد تفاصيلها فرضت عليه إخراج الفيلم.

في حفل ختام المهرجان القومي للسينما المصرية 2010

في عام 1983 عاد توفيق صالح إلى أرض الوطن، ولم يجد الفرصة للعمل بالإخراج، فانكب على العمل بالتدريس بالمعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون، مقدما خلاصة تجربته للأجيال، حتى وافته المنية عام2013 عن عمر ناهز السابعة والثمانين.

مما لا يمكن الالتفات عنه أن الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة يرى أن الأفلام الستة التي قدمها توفيق صالح بمصر تعتبر فيلما واحدا يعبر بأقصى درجات الصدق الفني عن ثورة يوليو المجيدة، ففيلم “درب المهابيل” 1955 هو تشريح لمجتمع ما قبل الثورة الذي يغلب عليه الجهل والأثرة، وفيلم “صراع الأبطال” 1962، يجسد مرحلة الأمل والأحلام الكبيرة وتحقيق أهداف الثورة، وفيلم “المتمردون” 1966، يمثل مرحلة قبل النكسة بكل خطورة تداعياتها، وفيلم “السيد البلطي” 1969، يجسد واقع الأمة العربية التي عقدت آمالها على شخص مخلصها الذي تغيبه الأقدار في ظروف دراماتيكية، فتدخل الأمة بأسرها مرحلة التيه، ثم يأتي فيلم “المخدوعون” 1972، ليجسد المأساة الفلسطينية والفشل العربي وتخاذل الحكام بعد انتصار الثورة المضادة وانهيار حلم يوليو الثوري.

مع منى زكي ونبيلة عبيد وعزت العلايلي

لم يخرج توفيق صالح في مصر سوى خمسة أفلام احتلت أربعة منها أماكن مميزة في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، أما فيلمه السوري “المخدوعون” فهو البداية الحقيقية للسينما السورية وأحد أهم علامات السينما العربية في كل مراحلها.. رحم الله المخرج توفيق صالح الثائر المتمرد الذي لم يخدعنا أبدا ولم يُخدع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: