منوعات

«مُلاك مصر».. كيف بدأ الكمباوند «1»

تفتقر المكتبة المصرية، خصوصا في السنوات الأخيرة، و التي قد تقترب من الثلاثين عاما، إلى الكتابات المهتمة بالاقتصاد السياسي، في حين تنتشر بدلا منها الكتابات المهتمة بالتحليل الاقتصادي الجاف والأكاديمي  المحمل بالأرقام والنظريات. ويتصور البعض أن تلك الكتابات خالية من السياسة نظرا لأن أصحابها يصبغون عليها صفة الحيادية، رغم كونها فعليا وسيلة لترسيخ نمط اقتصادي معين «النيوليبرالية». من هنا تأتي أهمية كتاب «مًلاك مصر.. قصة صعود الرأسمالية المصرية» الصادر عن دار مرايا، والذي يحاول أن يقدم إجابة مختلفة عما نعيشه اليوم من ظواهر وأوضاع اقتصادية واجتماعية، وكيف بدأ، من خلال لغة ليست بالبسيطة ولكنها أيضا ليست بالمعقدة، لغة موجهة للقارئ العادي غير المتخصص، وقراءتنا تلك لهذا الكتاب المهم تتكامل بشكل أكبر مع قراءة سابقة لموقع «أصوات أونلاين» للكتاب الصادر عن نفس الدار بعنوان «أ- ب العدالة الاجتماعية».

 

من عصر الانفتاح إلى اليوم

يقع كتاب «ملاك مصر» في 340 صفحة، وشارك في كتابة فصوله السبعة، كل من محمد جاد، وبيسان كساب، وعمر غنام، وكريم مجاهد، وآلاء مصطفى، وعبد الحميد مكاوي، أسامة دياب.

يبدأ الكتاب بمسرحية خيالية قصيرة، كتبها محرر الكتاب «محمد جاد» كتمهيد أولي لفصول الكتاب التي تركز بشكل أساسي على الفترة بين السبعينيات «عصر الانفتاح» وصولا إلى العصر الحالي. وتحاول المسرحية بشكل مبسط وومختصر الإجابة على سؤال «إذا كانت مسيرة التحديث بدأت مع محمد علي فلماذا نحن متخلفون اقتصاديا»؟.. شخصية القاضي المتخيلة في هذه المحاكمة تحاول منع شهادة من جاد نفسه لتوقيع العقوبة على المتسبب في هذا التخلف الاقتصادي. في هذه الشهادة يستعين الكاتب، بعدد من الشخصيات الاقتصادية لتقديم إجابة مقنعة للقاضي. فنري في صفحات قليلة اقتباسات من أفكار: محمود أمين العالم، وفوزي منصور، وراؤول بربيش، ومحمد دويدار، ولينين، ورمزي زكي، وديفيد هارفي، وسامر سليمان، لتنتهي تلك المحاكمة بإجابة مختصرة على لسان جاد موجها حديثه للقاضي: «حتى لو عُرف المتهم لن تقدر على توقيع عقوبة عليه.. حصيلة ما قيل إننا نتعرض للاستغلال.. استغلال من القوى الرأسمالية العالمية التي تريد منا أن نلعب دورا متدنيا في حلقه الإنتاج العالمية، وأن نقترض منها لكي نكون مجرد إسفنجة تمتص فوائد إنتاجها، حتى وإن سددنا الفاتورة بالتقشف وسياسات الإفقار، واستغلال الرأسمالية المحلية أيضا، سواء الطفيلي منها الذي يجني الثروات من السمسرة ولا يقدم فرص العمل أو يحقق التنمية، بل ولا يُخضع فوائده المالية للضرائب.. أو الرأسمالية المنتجة التي مارست الاستغلال عندما بنت إمبراطوريتها الاقتصادية بالاعتماد على علاقتها السياسية مع النظام حيث حصلت منه على الأصول والطاقة بثمن بخس وتُركت لسنوات تمارس السياسات الاحتكارية»، لينهي القاضي المحاكمة ببراءة الرأسمالية لأن القانون لا يعاقب على الاستغلال.

نشأة الرأسمالية في مصر

 القائمون على اعداد الكتاب رأوا أن الموضوع لكي يصل للقارئ بشكل شبه كامل فإنه يحتاج إلى فصل تمهيدي بعنوان «ديناميكيات الرأسمالية في مصر.. كيف تدور الماكينة.. أين العطب.. ومن يستغل من؟».. في هذا الفصل الذي كتبه محمد جاد يحاول الكاتب أن يقدم تمهيدا لنشأة الرأسمالية نفسها في العالم وفي مصر وتطورها وصولا للعصر الحالي، وهو ما يمكن اعتباره اختصارا للكتاب لا يغني عن بقية فصوله وتمهيدا لا يمكن إغفاله لتلك الفصول التي يركز كل منها على جانب مهم من تطور الرأسمالية في مصر.

محمد جاد

يقول جاد «كان القرن التاسع عشر هو القرن نضج الرأسمالية، اكتملت صورتها كما نعرفها في عصرنا الحالي: الإنتاج لصالح سوق، والسلع في مقابل النقد، والإنتاج بالاعتماد على العمل المأجور، وتقسيم العمل الذي اعتدنا أن نراه الآن في المواقع الصناعية.. كل هذه الملامح المميزة لنمط الإنتاج الرأسمالي اجتمعت مع التقدم التكنولوجي الذي يضاعف من قوى الإنتاج وصارت سويا نموذجا اقتصاديا جديدا قادرا على توليد الثروة بأضعاف المعدلات السابقة واستغلال الموارد الطبيعية على أفضل نحو ممكن. بدأ هذا النمط في الإنتاج قبل هذا القرن بحقبة طويلة. وتطور ببطء وبشكل ارتجالي على يد طبقه التجار «البرجوازية» في أوروبا الغربية التي تحولت لاحقا إلى رأسمالية صناعية وصارت هذه الطبقة البازغة بطريقتها في مراكمة الأموال نموذجا اقتصاديا متميزا يشار إليه بالبنان».

وبالحديث عن مصر التي بدأت الدخول في التحديث متأخرة عن أوربا، يشير جاد إلى تجربة الأسرة العلوية في الصناعة وتدخل الدولة حينها لحماية الصناعة الوليدة، والتي شهدت مراحل صعود وهبوط، حتى وصلت لأزمة الديون إبان حكم الخديوي إسماعيل والتي يرى بعض المؤرخين إنها البداية الفعلية للرأسمالية المصرية بعد اضطرار الخديوي إلي «منح حقوق الملكية الزراعية لكبار المزارعين مقابل تمويل الديون».

ومع الحرب العالمية الأولي بدأت السلطة المصرية في التفكير في التصنيع بعد انقطاع الصادرات الأوربية .والعنوان الأبرز هنا كان تأسيس بنك مصر على يد طلعت حرب «تقدم طلعت حرب بفكرة تأسيس البنك الذي كان يستهدف من البداية تحقيق طموحات البرجوازية الزراعية المصرية في توفير تمويل يكون منحازا لنشاطها القائم، ودافعا أيضا للتحول إلى التصنيع. وجاء رد فعل البرجوازية الزراعية على مبادرة طلعت حرب إيجابيا للغاية، إذ ساهم كبار الملاك الزراعيين في رأس مال البنك بنحو 92 في المائة».

ويمضي جاد في الفصل التمهيدي لمرحلة التأميم بعد ثورة يوليو 52، والخلافات التي نشأت بين الجهاز العسكري والبرجوازية الصناعية المصرفية في ذلك الوقت «البنك الأهلي وبنك مصر»، ثم مرحلة النكسة وما تلاها من فشل الخطة الخمسية الثانية رغم نجاح الخطة الأولى النسبي، وصولا إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي في عصر السادات وبداية تفكيك منظومة الصناعة الناصرية، «التي كانت تستهدف بالأساس إقامة صناعات تحقق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي».

ثم يمضي جاد في الإجابة على بعض الأسئلة بشكل سريع مازجا بين تطور الاقتصاد عالميا ومحليا، ولم يغفل الفصل كما حال الكتاب ككل الاستعانة بالرسوم البيانية. ودون الدخول أكثر في تفاصيل  أكثر يمكن  القول إن  هذا الفصل يمكن أن يصبح كتيبا مستقلا بذاته لفهم سريع لتطور الرأسمالية في مصر وأزمتها المستمرة منذ نشأتها.

 

كيف بدأت ثقافة الكومباوند

في الفصل الأول من الكتاب والذي جاء تحت عنوان «عن العمران والعزلة.. سياسة تسليع السكن في مصر» تحاول  بيسان كساب، تتبع سياسيات الإسكان خلال حكم مبارك، ومساهمة سياسات الدولة في دفع النشاط العمراني لبناء تجمعات عمرانية جديدة معزولة على أطراف العاصمة بدلا من المشاركة في إصلاح الماشكل الإنشائية والاجتماعية القائمة.فتشير بيسان إلى الدعم الذي حظيت به شركات الانشاءات خاصة في العقد الأخير من حكم مبارك، لبناء المجتمعات المسورة «الكومباوند» سواء ببيع أراضي الدولة لتلك الشركات بأسعار مخفضة، أو ظهور كبار رجال الدولة وعلى رأسهم مبارك نفسه في افتتاح تلك التجمعات مثلما حدث في افتتاح «الرحاب» عام 2003 على سبيل المثال.

بيسان كساب

وتمر بيسان في الصفحات الأولى من ذلك الفصل على الطريقة التي تم بها تعميم مصطلح «العشوائيات» في إشارة لأحياء الفقراء التي يجب إزالتها بحجة التطوير واستخدام أراضيها بأي شكل بعيدا عن سكانها، وهو ما دفع العديد من «أبناء الطبقة الوسطى لعزل أنفسهم عن الطبقة المتوحشة».

وترصد الكاتبة في ذلك الفصل كيفية تحولت الأرض إلي سلعة، وكيفة نظرت الحكومات المتعاقبة للأراضي فتقول «لا يمكن النظر للطابع النخبوي للمناطق الجديدة إلا كمحصلة لسياسة تسليع الأراضي التي اتبعتها الدولة منذ عقود ، والتي أنتجت قفزات في الأسعار حتى بلغ معدل ارتفاع أسعار الأراضي 16 ضعفا في بعض الأماكن على مدار العقد الماضي. وبصورة عامة لم تشهد أسعار العقارات أي تراجع تصحيحي خلال عشر سنوات مضت، وهو ما يدعم بدوره الشهية للاستثمار طويل الأجل في هذا القطاع».. «أدى التسارع في ارتفاع أسعار الأراضي إلى دفع الدولة لتغيير أحد الأهداف المعلنة على الأقل من وراء إنشاء المدن الجديدة وهو توفير مسكن ملائم لمحدودي الدخل كبديل عن المناطق اللارسمية، وهو ما كان باديا في اللوائح العقارية الداخلية في هيئة المجتمعات العمرانية التي تنص علي أن احد جوانب مهمتها هو تقديم الإسكان الملائم لكل مواطن مصري والوفاء باحتياجات السكن للعائلات محدودة الدخل».. وبالنظر إلى الشروط المتشددة.. في ما يتعلق بنسبة العمران إلى المساحات المفتوحة في المجتمعات الجديدة والتي وصلت في بعض الأحيان لاشتراط الإبقاء علي 94 % كأراض مخصصة للتشجير، فإن ذلك أضاف أعباء إضافية على الشركات الصغيرة وهو ما ساهم في قصر التنافس على عدد صغير من كبار الشركات».. «كما أضفت هذه الفراغات طابعا خاصا على المدن الجديدة كمدن لا يمكن لساكنيها أو زائريها المشي على الأقدام وكأنها مخصصة لملاك السيارات فقط».

ثم تمر بيسان على أثر ذلك على أرباح عدد من كبرى الشركات التي برزت في ذلك المجال ومنافسة الدولة عبر الشركات التي تملكها أو تملك جزءا منها في منافسة الشركات الخاصة على جني الأرباح من سوق العقار والسكن السكن، كشركة مصر الجديدة مثلا. وتضرب مثلا بالمشروع الأبرز في الوقت الحالي «العاصمة الإدارية الجديدة، وتؤكد على أنه لم يكن النموذج الأول التي تتدخل فيه الدولة لبناء مشروعات فاخرة فقد سبقها تدخل الدولة كمشارك في مشروع «أي سيتي» مع تحالف «ماونتن فيو – سيسبان» السعودي المصري.

وبناء على ما سبق تتطرق الكاتبة إلى مواد البناء نفسها والتي كصناعة لم تكن بعيدة عن دوائر السلطة وصنع القرار كحال الشركات الكبرى للعقارات. وتشير في هذا الصدد إلى قصة صعود رجل صناعة الحديد الأبرز في عصر مبارك «أحمد عز»، وكيف ساهم «نجاح شركة الدخيلة، في القضاء على وجودها كشركة قطاع عام وبيعها لعز، فتقول إن «الشركة التي تأسست في 1982، وحققت نجاحا دفع إدارتها إلي التوسع في النشاط وإنتاج ألواح الصلب، والتي كانت تحتاج لتنفيذه معدات مستوردة من الخارج، «وعقدت الشركة اتفاقا مع وزاره المالية لتأجيل سداد التعريفة الجمركية على هذه المعدات المستوردة وكان الاتفاق مشروطا بتقديم خطاب ضمان للبنك بالمبلغ المؤقت، وفي يونيو عام 1999 خرقت وزاره المالية الاتفاق مع الدخيلة وطلبت من البنك تسييل خطاب الضمان، وأرسل رئيس شركه الدخيلة في ذلك الوقت التماسا إلى رئيس الجمهورية يطلب منه منع تسييل خطاب الضمان ولكن القيادة لم تستجب، مما سهل استحواذ احمد عز على الدخيلة وتم في نفس الوقت تعطيل قرض كان موجها من صندوق النقد العربي للشركة رغم موافقة البرلمان عليه».

وبعد الاسترسال في قصة صعود وهبوط عز، تشير بيسان إلى صناعة الأسمنت كمدخل من مدخلات البناء، وكيف أن مصر تحولت من مستورد لتلك السلعة إلى أحد أكبر مصدريها في عام 2004، مع الأخذ في الاعتبار الطريقة التي تمت بها خصخصة هذا القطاع وتأثير ذلك على الأسعار بشكل مباشر وعلى النقد الأجنبي بشكل غير مباشر.

وفي ختام الجزء الأول من قراءتنا لكتاب «ملاك مصر» نشير إلى أن طريقة تقسيم فصول الكتاب ليست قائمة على التسلسل الزمني مثلا فكما هو موضح ركزت بيسان في الفصل الأول على ثقافة الكومباوند وهي حديثة نسبيا في مصر.

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: