فن

نور الشريف.. قصة جيل على شاشة السينما

من النادر حقاً أن يتمكن فنان ما من تجسيد أحلام وطموحات جيل بأكمله  بل تجسيد إحباطات هذا الجيل أيضاً.

هذا تحديداً ما نجح في تحقيقه الفنان الكبير الراحل نور الشريف عبر مسيرة فنية حافلة بالعطاء على مدار نحو نصف قرن من الزمان.

محمد جابر، لاعب الكرة السابق، والشهير باسمه الفني «نور الشريف» ولد عام 1946، وهو العام الذي وقفت فيه مصر على حد تعبير الكاتب لويس عوض «على حافة الثورة»، ينتمي إلى جيل تفتح وعيه مع ثورة عام 1952 وعاش انتصاراتها وهزائمها على حد سواء.

هذا الجيل الذي كتب عليه، تماما كبطل فيلم «سواق الأتوبيس» الذي جسده نور ، أن يخوض معركة تلو الأخرى من أجل الوطن، فلما عاد من هذه المعارك المتتالية وجد واقعاً متغيراً، تغير وجه الوطن كما تغيرت أحلام أبنائه، فلم يعد الحلم جماعياً كما كان وإنما بات فردياً وأنانياً للغاية.

صوت الجيل

استطاع الشريف، الذي أصبح منذ نهاية السبعينات أحد أبرز وجوه ما عرف باسم «الواقعية الجديدة» في السينما المصرية مع رفيقي دربه أحمد زكي ومحمود عبد العزيز، أن يكون الصوت المعبر عن هذا الجيل خاصة في الأعمال التي صاغها مخرجون مبدعون من الجيل ذاته أمثال عاطف الطيب وداوود عبد السيد ومحمد خان وآخرين.

ويبرز هذا التوجه لدى الشريف بداية من فيلم «أبناء الصمت» للمخرج محمد راضي والذي أنتج عام 1974 أي في أعقاب نصر أكتوبر عام 1973 مباشرة.

وجسد الشريف ببراعة وتلقائية محسوبة دور جندي يقبع مع زملائه في خندق على الجبهة طيلة قترة ما عرف باسم «حرب الاستنزاف» منتظرين تلك اللحظة التي يتاح لهم فيها محو عار نكسة عام 1967، لحظة أتتهم  بالفعل ظهيرة السادس من أكتوبر عام 1973.

وفي فيلم «ضربة شمس» عام 1980 والذي  شهد عودة المخرج محمد خان إلى السينما المصرية بعد طول غياب، يؤدي الشريف أيضاً دور مصور شاب ينتمي إلى جيل أكتوبر كما تشي بذلك الصور التي التقطها والتي تزين جدران غرفته البسيطة.

قضية وطن

وتتبدى مأساة الجيل أكثر فأكثر في فيلم «سواق الأتوبيس» عام 1982 الذي أبدعه المخرج الراحل عاطف الطيب ويعد أحد أبرز أعماله، فالشريف في هذا الفيلم، شاب حارب من أجل بلاده على مدار نحو 15 عاماً ويعود ليجد مجتمعا مختلفاً تماماً عن ذلك الذي تركه، فيضطر للعمل كسائق أتوبيس صباحاً وسائق سيارة أجرة مساءاً ليفي بالحد الأدنى من متطلبات حياته مع زوجته وطفله.

إلا أن تَعرض أبيه لأزمة مالية يكشف له أن الأثرياء الجدد الذين استفادوا من مرحلة ما بعد حرب 1973 لا يعبأون بالقيم التي قاتل من أجلها، وأن جل همهم هو الربح المادي فحسب، فيهرع مع رفاق السلاح القدامى الذين يدعون أنفسهم «شلة القروانة» لنجدة الأب أو قل الوطن كما يشي الرمز.

القضية ذاتها نجدها في فيلم الصعاليك (1985) والذي كان أول فيلم روائي طويل للمخرج داوود عبد السيد وجمع في بطولته بين الشريف ومحمود عبد العزيز، وتناول الصعود التدريجي لشابين من أبناء الإسكندرية من الحضيض إلى قمة الثروة والقوة كنتيجة للمناخ الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته سنوات السبعينات.

وفي تعاون آخر مع عاطف الطيب فى  فيلم «ضربة معلم» (1987) لعب الشريف دور رجل أمن يحارب أباطرة الفساد الذين أفرزتهم تجارة السلاح.

ويزداد تكثيف الرمز في فيلم «زمن حاتم زهران» في العام التالي والذي تناول تغيرات السبعينات من خلال أخين لعب الشريف دوريهما، الأول مقاتل نال شرف الشهادة في حرب أكتوبر والثاني ثري عائد من الولايات المتحدة بمشاريع استهلاكية مستغلا اسم أخيه الشهيد.

تتجسد مأساة الجيل في أحد المشاهد من خلال حوار المقاتلين العائدين من الجبهة والذين يتابعون بحسرة ما يفعله الأخ العائد «حاتم» ويتساءل أحدهم «هل كنا نقيم في الخنادق سبع سنوات كاملة من أجل شخص كهذا؟».

تسيطر فكرة «سرقة النصر» من أصحابه الحقيقيين أو استفادة بعينها من تضحيات الشهداء على فيلم آخر للطيب والشريف هو «كتيبة الإعدام» عام 1989، ففي هذا العمل نحن بصدد شخص إتُهم ظلماً بخيانة بطل شهيد ويسعى مع إبنة هذا الشهيد لمعرفة الخائن الحقيقي ليكتشف أن الخائن هو أحد الأثرياء الجدد الذي كانت ثروته الطائلة ثمنا لخيانته.

أما في فيلم «البحث عن سيد مرزوق» (1991) فتتبدى مرة أخرى حالة الحيرة التي تسيطر على جيل كامل، فيوسف (نور الشريف) الموظف البسيط المنتمي إلى الطبقة الوسطى يأبى الخروج من داره منذ عام 1972 وهو العام الذي شهد تظاهرات حاشدة لطلبة الجامعة بسبب تلقيه تهديداً، وحين يهم بالفعل بالخروج من داره بسبب خطأ غير مقصود في يوم إجازته يلتقي رجل الأعمال سيد مرزوق (علي حسنين) الذي يريه عالماً جديداً لم يره من قبل ليزداد حيرة فوق حيرته.

وفي العام التالي، أنجز الشريف، كممثل ومنتج، ما أسماه حلمه، وهو تقديم عمل فني عن القضية الفلسطينية من خلال فيلم «ناجي العلي» الذي يُبرز تاريخ القضية من خلال السيرة الذاتية لفنان الكاريكاتير الفلسطيني الراحل.

ورغم رحيله منذ نحو خمسة أعوام، تبقى أعمال نور الشريف، لا سيما السينمائية،أشبه بوثيقة تاريخية تروي قصة جيل وحكاية وطن في سنوات التحول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق