فن

السيد بدير.. الفنان الشامل الذي عاش مأساة كاملة

من المفارقات العجيبة فى حياة الفنان الراحل السيد بدير، أن يكون دوره الخفيف «عبد الموجود ابن كبير الرحيمية قبلى» فى الفيلم الكوميدى «لسانك حصانك»، والذى أُنتج عام 1953، هو السبب وراء شهرته، وهو الذى قدمه للجمهور كفنان له حضوره الخاص.

لكن مسيرة السيد بدير تزخر بمئات الأعمال والأدوار والإسهامات الفنية المتميزة، ممثلا ومؤلفا ومخرجا فى السينما والمسرح وفى الإذاعة والتليفزيون. هو فنان شامل ومبدع بكل المقاييس أُوتى موهبة عريضة طاغية بتعدد مواهبه فى التمثيل والكتابة والإخراج.

فى الحادى عشر من يناير عام 1915 ولد السيد بدير فى قرية أبو شقوق التابعة لمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية لأب كان يعمل مدرسا للتربية الفنية. وفى طفولته المبكرة انتقلت أسرة بدير إلى القاهرة، حيث أقامت فى حى شبرا، والتحق السيد بمدرسة رقى المعارف الثانوية بجزيرة بدران وفيها مارس التأليف والتمثيل والإخراج على مسرح المدرسة. وبعد أن أنهى مرحلته الثانوية التحق بدير بكلية الطب البيطرى، غير أنه لم يكمل دراسته الجامعية، لأنه لم يكن قادرا على التعامل مع المناهج العلمية، فميوله كانت أدبية وفنية ولا تتفق إطلاقا مع الدراسة العلمية.

تميمة الحظ

فى عام 1937 قرأ السيد بدير إعلانا فى الأهرام نشرته الممثلة والمنتجة أمينة محمد خالة أمينة رزق تطلب فيه ممثلين وفنيين من الشباب والوجوه الجديدة للعمل فى فيلم جديد تقوم بإنتاجه، وبالطبع تقدم السيد بدير ضمن كوكبة من الشباب الباحثين عن فرصة لدخول الفن، وتم قبوله ليحظى بدور صغير كزبون فى ملهى ليلى يشاهد الراقصة بطلة الفيلم ويردد خلاله بضع كلمات وليشارك كذلك فى إنجاز قصة وسيناريو وحوار الفيلم إلى جانب أحمد كامل مرسى والسيد حسن جمعة، وقد قامت ببطولة الفيلم وأخرجته امينة محمد  وشاركها البطولة حسين صدقى فى أول بطولة مطلقة له بالإضافة إلى حكمت فهمى.

كان هذا الفيلم تميمة حظ لكثيرين كانت بداياتهم من خلاله، مثل محسن سرحان ومحمد الكحلاوى الذى قام بالغناء، ونجمة إبراهيم وزوزو نبيل وصفية حلمى وصلاح أبو سيف الذى عمل كمساعد فنى ديكور فى الفيلم، بالإضافة إلى السيد بدير. ومن الغريب فى هذا الفيلم أن الرئيس الراحل أنور السادات تقدم للعمل كممثل فيه وأدى مشهدا تمثيليا أمام أمينة محمد، لكنها لم تقتنع به ليتحول مسار حياته تماما. وقد ذكر السادات هذه الحكاية فى مقال نشره بجريدة الجمهورية فى منتصف الخمسينات حين كان رئيسا لتحريرها.

بعد هذا الفيلم شارك  السيد بدير فى فيلم «شىء من لا شىء» ثم شارك فى فيلم «وحيدة» عام 1944، لينفتح أمامه باب الفن واسعا مرحبا بمواهبه الكثيرة المتعددة، فشارك بعدها مباشرة فى فيلم «السوق السوداء» عام 1945، وهو الفيلم  الذى سبق عصره فنيا رغم فشله جماهيريا وقت عرضه.

 وبعدها بعام واحد وفى عام 1946 يستعين صلاح أبو سيف فى أول فيلم من إخراجه بزميله السابق فى فيلم «تيتاوونج»، السيد بدير، ليقوم بتأليف قصة فيلم «دايما فى قلبى»، بعد أن أدرك أبو سيف تلك الموهبة الاستثنائية التى يتمتع بها بدير، وليؤكد هذا الفيلم على نجومية وموهبة السيد بدير فى مجال التأليف، وكان الفيلم من بطولة عماد حمدى وعقيلة راتب وزوزو نبيل.

كبير الرحيمية.. وموعد مع الشهرة


وفى عام 1953 يبتسم الحظ للسيد بدير وتأتيه الشهرة طائعة بدوره الكوميدى فى فيلم «لسانك حصانك»، وهو دور عبد الموجود ابن كبير الرحيمية، وكان الفيلم من بطولة شادية وكارم محمود وعزيز عثمان وفريد شوقى وسعاد مكاوى و محمد التابعى الذى اشتهر بدور العمدة كبير الرحيمية، ومن تأليف وإخراج عباس كامل، وتدور أحداث الفيلم في قالب كوميدي، حول العمدة كبير الرحيمية الذى يرسل ابنه عبد الموجود «السيد بدير» إلى القاهرة بصحبة دندراوى «عمر الجيزاوى» للبحث عن شركة تقوم ببناء مستشفى ومدرسة فى القرية، فيتعرضان للنصب. وقد حقق الفيلم نجاحا جماهيريا كبيرا، وعرف الجمهور  من خلاله موهبة السيد بدير الاستثنائية، وقد كان الرباعى محمد التابعى والسيد بدير وعمر الجيزاوى وسعاد مكاوى تميمة حظ لهذا الفيلم، فاستعان بهم عباس كامل وغيره من المخرجين في العديد من الأفلام بعد ذلك.

وكانت فترة الخمسينات والستينات حافلة فى مسيرة السيد بدير الفنية، غير أنه اتجه بشكل أساسى للتأليف  الذى  حقق فيه تميزا كبيرا ،فكتب خلال مشواره الفنى سيناريو وحوار حوالى مائتى فيلم نذكر منها، «بين السما والأرض وبائعة الخبز وشباب امرأة وإسماعيل ياسين فى البوليس وجعلونى مجرما وحميدو وفتوة الحسينية ورصيف نمرة خمسة».

كما أخرج السيد بدير عددا غير قليل من الأفلام، منها «المجد و ليلة رهيبة و كهرمانة والزوجة العذراء» ومثل السيد بدير فى أكثر من 20 فيلما مثل شاطىء الذكريات والأسطى حسن وليلة من عمرى» وتراوحت أدوار  السيد بدير فى السينما ما بين «القروى الساذج والمدرس التقليدى ورجل الدين والزوج المخدوع أما فى المسرح فقد ألف السيد بدير وأخرج حوالى 400 مسرحية منها  أول مسرحياته مع فرقة إسماعيل ياسين حبيبى كوكو ومراتى قمر صناعى والزوج العاشر وعريس تحت التمرين والست عايزة كدة، وتقلد منصب مدير الهيئة العامة للسينما والمسرح.
أما  الإذاعة فقد حظيت بنصيب الأسد فى ابداع السيد بدير ،فرغم عبقريته السينمائية تأليفا وتمثيلا وإخراجا فإن الإذاعة ومن بعدها المسرح كانا  مجال تدفقه الإبداعى الكبير، فأبدع مالا يقل عن ثلاثة آلاف عمل إذاعى، ما بين تأليف وإخراج وتمثيل، وهو عدد لا يطاوله فيه فنان آخر. ومن المعروف أن بدير كان قد أبرم عقدا مع الإذاعة المصرية بموجبه يؤلف ويمثل ويخرج  المسلسلات الإذاعية مقابل 150 جنيها، وهنا نذكر له عددا من المسلسلات منها القيثارة الحزينة من بطولة نجاة وكمال الشناوى وشارك فيها بالتمثيل الشاعر الكبير نزار قبانى. كما أبدع مسلسلات الصييت وتفاريح رمضان وبعد الغروب وحسن القرنفلى وأسرة مجاهد. كما كان السيد بدير يؤلف ويخرج مسلسلات إذاعية منفصلة بشكل يومى ترصد بطولات الجنود المصريين فى حرب 48، وقد قام بتأسيس أول أستوديو صوتى للتسجيل الإذاعى.

أما فى التليفزيون فقد كان لبدير أيضا اسهاماته المتنوعة فأسهم بشكل كبير فى النهوض بمسرح التليفزيون فى بداياته، كما أبدع وشارك فى عدد من المسلسلات التليفزيونية مثل برج الحظ، و لا يا ابنتى، وإن كانت أعماله فى الدراما التليفزيونية هى الاقل فى مجالات إبداعه المختلفة.

مأساة

 رغم تحققه الفنى غير المسبوق ونجاحه المهني الكبير، فإن السيد بدير عاش حياة حزينة وصعبة، وفجع فى ابن من أبنائه قبل رحيله بأكثر من 13 عاما فتحولت حياته إلى مأساة كاملة. تزوج السيد بدير مرتين، الأولى فى شبابه الباكر ومع بدايات عمله الفنى وبالتحديد عام 1937 من ابنة عمه، وأنجب منها خمسة أبناء هم: سامح وسميحة وسميرة وسمير وسعيد، ثم تزوج من الفنانة شريفة فاضل وأنجب منها سيد وسامى، وكان يغار عليها بشدة، وبسبب هذه الغيرة تم الطلاق الذى كانت شريفة فاضل ترفضه.

الملاحظ أن أولاده جميعا تبدأ أسماؤهم بحرف السين، ربما تيمنا باسمه، وقد فجع السيد بدير فى ابنه الأكبر من الفنانة شريفة فاضل «سيد» الذى كان يعمل طيارا واستشهد فى حرب الاستنزاف شابا صغيرا، وله غنت أمه شريفة فاضل أغنيتها الشهيرة «أم البطل» التى كتبتها الشاعرة نبيلة قنديل فى نصف ساعة وكانت شريفة تبكى وتعانى كلما غنت هذه الاغنية.

 وبعد استشهاد ابنه عاش السيد بدير حزينا شريدا، وفقد كثيرا من وزنه وظل الحزن يلازمه حتى رحيله فى 30 أغسطس عام 86، وقد كان القدر رحيما بالسيد بدير، حينما توفى قبل ثلاثة أعوام من رحيل ابن ثان من أبنائه، هو العالم البارع الدكتور سعيد بدير الذى كان متخصصا فى مجال الاتصال بالأقمار الصناعية، وحصل على دراسات متقدمة فى ألمانيا واشتهر فى أوربا، وحاولت دول الغرب الاستفادة من علمه، لكنه عاد إلى مصر ليلقى مصرعه فى الأسكندرية بعد سقوطه من الدور الرابع فى حادث غامض تثور الشكوك بقوة حول وجود يد الموساد الإسرائيلي فيه.

د. سعيد السيد بدير

 رحل السيد بدير بعد أن نال تكريمات متعددة منها وسام الجمهورية ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى وجائزة الدولة التقديرية فى الفنون.. رحل حزينا قبل أن يرى فجيعته الثانية فى ابنه العالم الكبير.

الفيديو جرافيكس:

نص وتحريك ومونتاج: Abdalah Mohamed
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: