منوعات

قصة آية (24) أبو بكر الصدِّيق.. الذي بُشِّر بالجنة يدخلها من أي أبوابها يشاء

حين بُعث الرسول وهو ابن الأربعين كان أبو بكر هو أول من آمن به من الرجال وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، فلما بلغ أربعين سنة دعا ربه عز وجل: (قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي)، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده، (وأن أعمل صالحاً ترضاه) قال ابن عباس: أجابه الله تعالى: فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله، منهم بلال، ولم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه، ودعا أيضاً فقال: (وأصلح لي في ذريتي) فأجابه الله تعالى، فلم يكن له ولد إلا آمن، فاجتمع لأبي بكر إسلام أبويه: أبوه قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، وابنه عبد الرحمن، وابن عبد الرحمن أبي عتيق محمد، فهؤلاء أربعة: أبو بكر، وأبوه، وابنه عبد الرحمن، وحفيده محمد، كلهم أدركوا النبي وأسلموا، ولم يجتمع ذلك لأحد من الصحابة غير أبي بكر.

اسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، ويلتقي مع النبي  في النسب في الجد السادس مرة بن كعب، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر.

صحب النبي قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طيلة حياته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج بالناس إماماً مكانه عندما اشتد وجع النبي في مرض موته، وكان رفيقه يوم قل الصاحب وعز الرفيق، وكان هو وماله وأسرته في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الخروج من مكة، تكلؤه عناية الله، وتؤنسه معية الصديق، وكانت أسماء بنته هي التي توصل الطعام لهما في الغار، وكان عبد الرحمن ابنه هو الذي يغدو بسرحه عليهما، يمحو آثار أقدامهما، ويتسمع لهما الأخبار.

ووصفه الله عز وجل في القرآن العظيم بالأتقى في قوله تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (سورة الليل: 17: 21)، فقد أعتق سبعة كلهم يُعذب في الله‏: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وأم عيسى، وأمة بني المؤمل.

وهو الصدِّيق لقبه بهذا النبي، وكان رجل حركة دؤوبة منذ أعلن إسلامه، تحرك على الفور في سبيل نشر الدعوة، فأسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وكان أول من أشار على النبي أن يجهر بدعوته وأن يذهب إلى الكعبة، ويخاطب جموع المشركين، فكان يطالبه بالصبر، وظل يلح في ذلك والنبي يصبره حتى وافق صلى الله عليه وسلم، فذهب أبو بكر عند الكعبة، وقام في الناس خطيبًا ليدعو المشركين إلى أن يستمعوا إلى رسول الله، فكان أول خطيب يدعو إلى الله، وما إن قام ليتكلم، حتى هجم عليه المشركون من كل مكان، وأوجعوه ضربًا حتى كادوا أن يقتلوه، ولما أفاق رضي الله عنه لم يكن له هم غير أن يطمئن على رسول الله، وأخذ يسأل عنه، حتى أخبروه أن رسول الله بخير والحمد لله، ففرح فرحًا شديدًا.

أسلم الصديق وهو من أغنى قريش، ومات ولم يترك ديناراً ولا درهماً، وإنما أنفق ماله كله في سبيل الله، حتى قيل: إنه كان يملك أربعين ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله، وكان رضي الله عنه يشتري العبيد المستضعفين من المسلمين ثم يعتقهم ويحررهم، ويوم الهجرة أخذ ما في الدار من مال وأوكل أهله إلى الله، وفي غزوة تبوك، حثَّ النبي على الصدقة والإنفاق، فحمل أبو بكر ماله كله وأعطاه للنبي فقال له: هل أبقيت لأهلك شيئًا؟، فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، ثم جاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، فقال له النبي: هل أبقيت لأهلك شيئًا؟، فقال: نعم نصف مالي، وبلغ عمر ما صنع أبو بكر فقال: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا.

وقد بشره النبي بأنه سيدعى إلى دخول الجنة من أي أبوابها شاء، ولا نكاد نعرف رجلاً له منزلته عند النبي سواء فيما قبل البعثة أو بعدها، وكان أحب الرجال إلى رسول الله وكانت ابنته عائشة أحب النساء إلى النبي أجمع المسلمون على خلافته، وسمُّوه خليفة رسول الله، استمرت خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وكانت من أعظم بركات الله على الأمة، التي جمعها الله عليه، فقضى على فتنة الردة، وادعاء النبوة، ووجه قوى المسلمين جميعاً نحو فارس والروم، فكان الفتح والنصر المبين.

وتوفي رضي الله عنه ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وعمره (63) سنة وغسلته زوجته أسماء بنت عميس حسب وصيته، ودفن إلى جوار الرسول، وترك من الأولاد: عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد، وعائشة وأسماء، وأم كلثوم رضي الله عنهم.

وهو على فراش الموت، قال مخاطبًا ابنته عائشة رضي الله عنها: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم دينارًا، ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم (يقصد الطعام البسيط) في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضب، وهذه القطيفة (كساء في بيته رضي لله عنه)، فإذا مت فابعثي بهن (العبد الحبشي، والبعير الناضب، والقطيفة) إلى عمر وابرأي منهن. فلما جاء الرجل الذي أرسلته السيدة عائشة إلى عمر، بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب مَن بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: