منوعات

قصة آية (26) بلال ابن رباح… أول صوت ينطلق من أعلى الكعبة يعلن انتهاء عصر الشرك

أنزل الله تعالى في بعض صحابة رسول الله الآية الكريمة: (وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ)، قال سعد بن أبي وقاص نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا سِتَّةٍ، فِيَّ، وَفِي ابْنِ مَسْعُودٍ، وَصُهَيْبٍ، وَعَمَّارٍ، وَالْمِقْدَادِ، وَبِلَالٍ، قَالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ إِنَّا لَا نَرْضَى أَنْ نَكُونَ أَتْبَاعًا لِهَؤُلَاءِ فَاطْرُدْهُمْ عَنْكَ، ولم يكتف القرآن بنهي رسول الله عن طرد المؤمنين بل أنزل الله فيهم (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فكان إذا رآهم النبي بدأهم بالسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام.

بلال بن رباح أحد هؤلاء الستة الذين تنزلت فيهم تلك الآيات الكريمات، وضعه النبي في السابقين، بل في أولهم، قال: السُبَّاق (بضم السين وتشديد الباء) أربعة: أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم.

وُلِد بلال بمكة قبل البعثة النبوية بثلاثين سنة، وقضت ظروفه أن يكون عبداً رقيقا لأميَّة بن خلف القرشي، وكان بلال يرعى غنماً لقريش، وكان سعده أن التقى النبي ومعه أبو بكر الصديق في غار، فأطلع رسول الله رأسه من ذلك الغار فقال: يا راعي هل من لبن؟، فقال بلال: ما لي إلا شاة منها قوتي، فإن شئتما آثرتكما بلبنها اليوم، فقال رسول الله: إيت بها، فجاء بها، فدعا رسول الله بقعبة فاعتقلها فحلب في القعب حتى ملأه، فشرب حتى روي، ثم حلب حتى ملأه، فسقى أبا بكر، ثم احتلب حتى ملأه، فسقى بلالاً حتى روي، ثم أرسلها وهي أحفل ما كانت، ثم قال: هل لك في الإسلام؟، فإني رسول الله فأسلم بلال من فوره، وطلب منه النبي أن يكتم إسلامه.

وانصرف بلال بغنمه وبات بها وقد تضاعف لبنها، فقال له أهله: لقد رعيت مرعى طيباً فعليك به، فعاد إليه ثلاثة أيام يستقيهما، ويتعلم الإسلام، حتى إذا كان اليوم الرابع فمر أبو جهل بأهل عبد الله بن جدعان فقال: إني أرى غنمكم قد نمت وكثر لبنها، فقالوا: قد كثر لبنها منذ ثلاثة أيام، وما نعرف ذلك منها، فقال: عبدكم ورب الكعبة يعرف مكان ابن أبي كبشة، فامنعوه أن يرعى ذلك المرعى، فمنعوه.

أظهر بلال إسلامه ولم يكتمه حين سألوه، فاشتد الكفار تعذيباً له، وأخذوه فألبسوه أدراع الحديد، وصهروه في الشمس، وهانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فجعلوا في عنقه حبلاً، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ.. أحدْ.

تعذيب بلال بن رباح من فيلم الرسالة

كانوا يخرجون به إلى الصحراء في وقت الظهيرة، حين تصير الصحراء كأنها قطعة من نار، ثم يطرحونه عاريًا على رمالها الملتهبة، ويضعون فوق جسده الحجر الكبير، ويصمد القلب الذي ملأه الإيمان، يقولون: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول: أحدٌ.. أحد.

وجاءه فرج من الله، فذهب أبو بكر رضي اللّه عنه إلى أمية يفاوضه في شراء بلال، ثم أعتقه لوجه الله، وظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يردد دوماً: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا‏،‏ (يعني بلالاً)‏. ‏

وكان بلال رضي الله عنه من أول من هاجروا إلى المدينة المنورة، وأسند النبي إليه خزانة بيت مال المسلمين، وجباية الصدقات، ورعاية الغنائم والقيام على حفظها، وتقديم الهدايا والأعطيات للوفود والزائرين، والإشراف على إطعام الجيش في السفر، وكان بلال يتولى نصب خيمة رسول الله، والإشراف على أمور نفقة البيت النبوي.

ولما توفي رسول الله، جاء بلال إلى أبي بكر الصديق فقال: يا خليفة رسول الله إني سمعت رسول الله وهو يقول: (أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله)، فقال أبو بكر: فما تشاء يا بلال؟، قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت، فاستبقاه أبو بكر، وقال: أنشدك الله يا بلال وحرمتي وحقي فقد كبرت وضعفت واقترب أجلي، فقال بلال له: إن كنتَ إنما اشتريتني لنفسك، فأمسكني، وإن كنتَ إنما اشتريتني لله، فدعني وعمل الله‏، فأذن له أبو بكر فخرج وقد كبر سنه مع أبي عبيدة، وكان له خير عضد ونعم المعين.

أذان بلال بن رباح من فيلم الرسالة

ونشط بلال رضي الله عنه في نشر الإسلام والدعوة إليه والتعريف به في بلاد الشام، وتنقل بين فلسطين ودمشق واستقر بها فترة، ثم رحل إلى حلب وأقام بها، ثم عاد إلى دمشق عازفاً عن الدنيا وما فيها، يروي الأحاديث التي سمعها من النبي صلى اللّه عليه وسلم ويعلِّم الناس.

 وجاءه مرة بعض أصحابه يلتمسون منه الأذان للصلاة، فتمنع عليهم، فألحُّوا عليه لعلَّهم يجدِّدون ذكريات أيام النبوة، وما فيها من صفاء وحلاوة إيمان، فأجابهم إلى طلبهم، وقام يؤذن بهم، فلما بلغ: أشهد أنَّ محمداً رسول اللّه، خنقته العَبْرة وغلبه البكاء، فلم يستطع أن يكمل الأذان.

أقام رضي الله عنه في دمشق حتى داهم الطاعون المسلمين في تلك الديار وذلك في خلافة عمر رضي اللّه عنه، وكان بلال ممن أصيب بهذا المرض، ولما اشتد عليه الوجع قالت له زوجته: واكرْباه، فيقول لها: «بل واطَرَباه، غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه»، وتوفي رضي اللّه عنه وقد جاوز السبعين من عمره، وقيل: مرض في حلب ودفن فيها.

رفعه الإسلام وهو العبد الحبشي، وحط الكفر بغيره من سادات قريش الذين كذبوا النبي، ونال بلال شرف أن يكون هو مؤذن الرسول، وكان من أعظم لحظات الإسلام يوم الفتح يوم اعتلى بلال ظهر الكعبة فأقام الأذان على ظهرها، وأن يكون صوته هو أول صوت ينطلق من أعلى الكعبة يعلن انتهاء عصر الشرك، وبدء عصر التوحيد، ذهب الذين عذبوه، وماتوا على كفرهم، وبقي هو اسماً خالداً يتردد على كل لسان في تاريخ الإسلام.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: