رؤى

الشيخ الأكبر في مواجهة التشدد.. كيف قرأ نصر أبوزيد ابن عربي؟

     ما الذى يدعو مفكرا عقلانيا مثل نصر حامد أبو زيد بالتصوف؟ وما الذى يدعوه للاهتمام بابن عربي بالذات؟  احتل ابن عربي مكانة مركزية في الاسهام الفكري لنصر أبو زيد – الذي تمر ذكرى ميلاده هذه الأيام (10 يوليو 1943م) – حيث أعد أطروحته للدكتوراه عن (فلسفة التأويل عند ابن عربي) عام 1981، و مع مطلع القرن الواحد والعشرين، ألف كتابه (هكذا تكلم ابن عربي) عام 2002 محاولا استدعاء تراث الشيخ الأكبر الروحي لمعالجة أزمة الإنسان المعاصر على وجه العموم. أما على مستوى العالم الإسلامي، فيرى أبو زيد أن استدعاء ابن عربي مع غيره من أعلام الروحانية يمثل مطلبا ملحاً لعلنا نجد في تجربته ما يمكن أن يكون مصدراً للإلهام في عالمنا، وذلك لأن التجربة الروحية هي أساس ومصدر التجربة الفنية والأدب، وكل الفنون السمعية والبصرية فهي الإطار الجامع للدين والفن، ومن ثم تكمن قيمة ابن عربي في مقدرة تراثه على تحرير العقل المسلم من آثار السلفية والتشدد الديني عموما.

ابن عربي وديانة الحب

      يذهب نصر أبو زيد أن ابن عربي مازال قادرا على المساهمة في مخاطبة عالمنا المعاصر، فكانت أبياته الشعرية عن دين الحب الذي يتسع لكل العقائد:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة          فمرعي لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف                 وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت            ركائبه فالحب ديني وإيماني

 هذا الدين الذى يقوم على الحب، يجمع بين الدير والكعبة، وبيت الأوثان ومرعي الغزلان، فقلب العارف يتسع لكل هذه الصور من العبادات والشعائر، ويؤمن بكل هذه المعتقدات التي تستند عليه جميعاً، وهنا نلاحظ مدى التسامح الذي رسخته له التجربة الروحية عن ابن عربي في نظرته للآخر، ومدي قبول ابن عربي للآخر المغاير في الدين والملة، وهذه قيمة كبري نحتاج إلى ترسيخها في الواقع الراهن الذى تنتشر فيه ثقافة الإقصاء والتناحر ورفض قبول الآخر.

يدعو نصر أبو زيد إلى تبنى تجربة ابن عربي الروحية، وذلك لأنه نظر إلى الدين ليس بوصفه تجربة اجتماعية إنسانية، ولكن بوصفه تجربة ذاتية يمثل ابن عربي قمتها في تراثنا الإسلامي، والتي توازى بؤرة التجربة الروحانية في كل الأديان.

أدين بدين الحب «ابن عربي» غناء «سارة فرح» من مسلسل مقامات العشق

الكون كله يسبح بحمده

      يذهب ابن عربي إلى أن عبادة الله سارية في الموجودات كلها، فإن كل جزء من العالم وكذلك كل إنسان، مؤمن أو كافر، يسبح بالله، فأعضاء الكافر كلها مسبحة لله، ولهذا يشهد الله عليه يوم القيامة جلده وسمعه وبصره ويده، فالكفر والإيمان مصطلحات عارضة منشؤوها نزول الشرائع، ولكن الحقيقة الوجودية أن الكون كله يطيع الله بالفطرة.

      هذا التصور للإيمان والكفر جعل ابن عربي يتقبل الواقع الذى يمكن أن ينهزم فيه المؤمنون وينتصر الكافرون، لأن موضوع النصر والهزيمة لا يتعلق بموضوع الإيمان بقدر ما يتعلق بمستوى الصدق في الإيمان الذى يحقق الانتصار، فإن كان هناك عمق في الإيمان حتى عند الكافرين حدث النصر، وإذا ضعف الإيمان حتى عند المسلمين الموحدين وكان زائفاً حدثت الهزيمة.

وحدة الأديان واختلاف الشرائع

      يؤمن ابن عربي بوحدة الأديان، وأن أساس الأديان هي الإيمان بالله وباليوم الآخر، وأهمية العمل الصالح، ووفقا لهذا المعيار يكون الخلاص خلاصاً بالمعني الدنيوي والأخروي على السواء، وهذا المعيار يستوعب كل الأديان من يهودية ومسيحية بالإضافة إلى الصابئة، هذا الدين العام الشامل هو الإسلام بالمعنى اللغوي، أي التوجه الكامل لله، مع «الإحسان» في الفعل والسلوك، ومن ثم تتسع دائرة الخلاص وفقاً لهذا المفهوم الشامل للإسلام لتشمل أصحاب الأديان جميعاً بلا تمييز أو تفرقة، ولكى يزيل الإسلام أي احتمال للتعصب يؤكد أن الفصل بين أصحاب العقائد كافة يجب أن يترك لله تعالى ليفصل بينهم يوم القيامة.

      ويري نصر أبو زيد أن ابن عربي يؤمن بالفصل بين التجربة الروحية الدينية وبين الإيمان بالشرائع أو العمل بها، وبالتالي يؤمن أن الرهبان مثلا ينتمون إلى صنف العارفين الذين هم على بينة من أمرهم.

 والأكثر من ذلك أن ابن عربي يرى أن المجاهدات الروحية يمكن أن تقوم على غير شرائع، وتظل مع ذلك مجاهدات مشروعة قادرة على انجاز درجات من العرفان. يقول ابن عربي «ولما كان من لا يؤمن بالشرائع المنزلة يشاركنا في الرياضة (يقصد الرياضة الروحية والخلوة والسهر والجوع والعطش والصمت، وكل هذه المجاهدات التي يسلكها المريد في الصوفية) … وتخليص النفس من حكم الطبيعة، ويظهر عليه الاتصال بالأرواح الطاهرة الزكية، ويظهر حكم الاتصال عليه مثلما يظهر على المؤمنين العارفين منا. هذه الأعمال بحكم الشرائع المنزلة وقع التشبيه والاشتراك بيننا وبينهم في هذا القدر عند عامة الناس، ولما تعلقوا بالعلوم التي يعطيها كشف الرياضة، وإمداد الأرواح العلوية انتقش في هذه النفوس الفاضلة جميع ما في العالم فنطقوا بالغيوب».

    و يركز ابن عربي على ضرورة إصلاح الذات أو تطهير الأنا، وذلك لأنها مصدر الشرور، وأساس الصلاح أيضا، وركيزة المعرفة، وعلى الإنسان أن يسعي لتطهير نفسه، وأن هذا يكون أساس الصلاح والمعرفة، فيذهب نصر أبو زيد إلى «أن ابن عربي يرى أن الأنا تمثل حجاباً معرفياً عن إدراك الحقيقة، وأن طريق الصوفي هو المحاولة الدائمة لإزاحة صورة (الأنا) الظاهرة لإطلاق الطريق لانبثاق الأنا الحقيقية، أنا الروح التي هي الصورة الشفافة للحقيقة، فتدرك الأنا حقيقتها، وبذلك تنفي الصورة الخارجية، الصورة التي تحجب الأنا الحقيقة وتحجب معها الحقيقة».

      لقد نجح نصر أبو زيد في كتابه المهم (هكذا تكلم ابن عربي) في إجلاء مدى الحاجة للشيخ الأكبر ابن عربي لإثراء الروحانية في عالمنا الراهن، والحاجة إلى استدعاء ما في تراثه من تسامح، ومن دعوة للتعايش مع الآخر.

في إنتظار أبو زيد – وثائقي عن الدكتور نصر حامد أبو زيد

الوسوم

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق