منوعات

مسلمو فرنسا والحج: كيف انتصر الوطني على الأممي؟

ليلى سيورات- معهد الجامعة الأوربية 

 ترجمة: أحمد بركات

 يقدر عدد الذين يؤدون فريضة الحج كل عام من مواطني الدول الأوربية بنحو 100 ألف مواطن تقريبا، وهو رقم كبير يعكس الزيادة المطردة في أعداد المهاجرين المسلمين والمتحولين إلى الإسلام من الديانات الأخرى. وفي فرنسا على سبيل المثال كان عدد الحجاج الفرنسيين عام 1986 أقل من 3000 حاج، لكن هذا العدد  قفز إلى 10 آلاف في عام 2010، ثم تضاعف إلى 20 ألفا في عام 2012.

وقد رافق هذه الزيادة في أعداد الحجاج الفرنسيين، تطور لافت في الصورة الاجتماعية  لهؤلاء الحجاج، حيث صارت أكثر فرنسية من حيث الثقافة، وأكثر شبابا من حيث العمر. وبينما يسافر هؤلاء الشباب مع والديهم إلى الحج، إلا أنهم يبدون أقل ارتباطا بالبلاد الأصلية التي تنحدر منها أسرهم، وأكثر ميلا لاعتماد منهجية فردانية في ممارساتهم ومعتقداتهم الدينية.

نقاشان محتدمان

تأتي هذه الورقة البحثية التي أعدتها الباحثة «ليلي سيورات» في إطار نقاشين أكاديميين محتدمين؛ يتعلق أولهما بقضية العولمة وعلاقتها بالمواطنة؛ حيث يعتقد البعض أن الزيادة المطردة في أعداد المهاجرين شكلت تهديدا سافرا لكيان الدولة القومية الأوربية، وفرضت حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، ونالت من الانتماء الوطني. بينما يرى آخرون أن عدم وجود حدود واضحة للدولة  القومية أدى إلى تعزيز الإطار الوطني وتحديد الهوية المحلية. واستنادا لهذه الرؤية الثانية، ترى الورقة أن الحج يُسهم بفاعلية في زيادة الشعور بالانتماء الوطني لدى الحجاج الفرنسيين. فمن خلال السفر بصحبة مجموعة من رفقاء الوطن، ودون أدنى اعتبار للاختلاف الإثني فيما بينهم بسبب طبيعة الرحلة، يستنسخ الحجاج المجتمع الفرنسي بصورة مصغرة فوق الأراضي السعودية. ويكشف مفهوم “الهوية عبر الوطنية” تنوع المساحات التي يظهر فيها تغيير الهوية.

اقرأ أيضا: 

أما النقاش الثاني الذي تشتبك معه هذه الورقة، فيتعلق بطبيعة العلاقة بين “النيوليبرالية” والدين. فإذا كان هناك اتفاق على أن الأولى تسهم في تهيئة المناخ الجيد لترسيخ الأخير، فإنه لا يوجد توافق في الآراء حول تأثيرها على المؤمنين. وعلى النقيض من الطرح الذي يؤكد أن السوق الديني يعزز المبادئ السلفية، تبين هذه الورقة البحثية التي أعدتها الباحثة أن “سوق الحج” يمنع خلق مجموعة متجانسة حول ذات التوجه الأيديولوجي. وبدلا من ذلك، يؤكد الحج أن التنافس الاقتصادي يؤدي إلى التنوع الديني.

تستند هذه الورقة البحثية إلى مصادر مكتوبة ،وأخرى إحصائية، إضافة إلى ملاحظات الباحثة  للحجاج في كل من فرنسا والمملكة العربية السعودية في الفترة بين عامي 2016 و2018. ففي فرنسا، تم إجراء 60 مقابلة (في الفترة من أغسطس 2016 إلى أغسطس 2017)، مع طيف واسع من الحجاج ومديري الشركات السياحية الفرنسية (سواء معتمدة أو غير معتمدة)، ومسؤولين من وزارات الداخلية والسياحة والخارجية وشخصيات دبلوماسية. وفي المملكة السعودية، أُجريت رحلتان ميدانيتان مختلفتان، تستند الأولى إلى ملاحظة المشاركين أثناء الحج في أغسطس 2017، والأخرى أثناء ربيع 2018 في جدة، حيث أجريت مقابلات مع مشاركين سعوديين ممن يُسهمون في عملية تنظيم الحج.

الحج والهوية الجمعية

في هذه الورقة التي جاءت كفصل في كتاب بعنوان «سياسات الإسلام في أوربا وأمريكا الشمالية» تطرح الباحثة مجموعة من التساؤلات يمكن إجمالها فيما يلي:

  • ما التأثيرات التي يتركها الحج على الهويات الجمعية؟
  • باعتباره تعبيرا عن هوية دينية عميقة، هل يؤدي الحج إلى تقويض الانتماء الوطني؟
  • ما الدور الذي يلعبه السوق في تعزيز الهويات الجمعية؟
  • هل تعزز إعادة الأسلمة عبر الميدان الاقتصادي انتشار المبادئ الأصولية؟

وفي إجابتها على هذه التساؤلات تقول الباحثة إن كلا من تنظيم الحج وسوق الحج يؤثران بعمق على الهويات الجمعية، وذلك من خلال تعزيز الانتماءات الوطنية ودعم المجموعات المتنوعة التي تلتف حول توجهات أيديولوجية متباينة. وتدل كلتا الفرضيتين على أهمية المؤسسات والمنظمات التي تسهم في تكوين وتشكيل الهويات الجمعية. فعن طريق تقديم شكل من أشكال التنشئة الاجتماعية خارج حدود الدولة، تُسهم المشاركة في الحج في مفهوم “إعادة الأسلمة” وتحويل “المواطنة الأثنية القومية” إلى النموذج الويستفالي (أي مفهوم المواطنة ضمن حدود الدولة الوطنية ذات السيادة التي أرستها معاهدة ويستفاليا التي وقُعت عام 1648 وأنهت عقودا من الحرب الأهلية في أوربا).

ويقدم موسم الحج للباحثين أيضا فرصة لاختبار الدور الذي يمارسه هذا السوق في تعزيز الهويات الجمعية. فعن طريق تنظيم الرحلات، وتشكيل المجموعات واختيار الداعية/ الشيخ المرافق للرحلة، تمثل شركات السياحة أداة فاعلة رئيسة في إعادة تشكيل انتماءات الحجيج. وبعيدا عن كونها معاملات تجارية بسيطة، تشارك هذه الشركات في تداول بضائع غير مادية تؤثر على منظومة المعتقدات لدى الحجيج.

كما يعزز الحج الانتماءات الدينية، فمع عودة الحجيج، يزداد بشكل لافت إقبالهم على الممارسات الدينية مثل قراءة القرآن في المواصلات العامة والذكر والدعاء وصيام النوافل. وإذا كان لدى البعض منطق يقوده إلى الاعتقاد بأن الحج هو تهديد للانتماء الوطني لأنه يدعم الروابط الدينية، فإن الباحثة تؤكد أن تعزيز التدين لا يعني تراجع الانتماء الوطني، فالمملكة العربية السعودية تنظم الحج على أساس الجنسية. فإذا كنت مواطنا فرنسيا يقيم في فرنسا، مثلا، فيجب عليك السفر من فرنسا.

وتؤثر هذه القاعدة بدرجة كبيرة في قضية الهوية؛ ففي فترة إقامة الحاج في المملكة، يكون دائما في صحبة مواطنيه وأبناء دولته، ومن ثم، فإنه على عكس النزوع إلى التفكير في أن الحج يغير من هويات الحجيج بوضعهم مع غرباء أو أناس من خلفيات وطنية وإثنية وثقافية أخرى، فإن هذا البحث يثبت العكس. فبينما يعاين الحجيج بعض التغيير، إلا أن هذا التغيير لا يرجع إلى الاتصال الإثني أو الثقافي مع ’الأمة‘، وإنما بدرجة أكبر بالاتصال مع نظرائهم من أبناء أوطانهم.

وتعزز هذه الخبرة الجمعية هوية الحجاج الوطنية، لأسباب تتعلق باللغة،. فبالنسبة للحجاج الفرنسيين الذين يرغبون في التحدث إلى مواطنين سعوديين خلال الفرص القليلة التي تتاح لهم (مثلا أثناء الذهاب إلى المسجد الحرام في مكة أو التسوق في المدينة)، فإن عائق اللغة يحول دون ذلك ،لأن أغلبهم لا يجيدون اللغة العربية بأي مستوى من المستويات. إذ يؤثر هذا القصور المعرفي بدرجة كبيرة على الطريقة التي يدرك بها الحاج نفسه ويدركه بها الآخرون، حيث  يثير ويعزز بداخله انتماءه الوطني. وبهذا يؤكد الحج أن السياحة الدينية تفيد في تعزيز الهويات الوطنية خارج حدود الوطن.

اقرأ أيضا:

وعلى عكس فرضية أن مواجهة مجموعة من نفس الوطن بمجموعات من جنسيات أخرى يزيد تلقائيا من لُحمة الأولى، إلا أن هذا لا يعني تراجع الانقسامات الداخلية الموجودة مسبقا داخل المجموعة الأولى، إذ تبقى هذه الانقسامات – كما تؤكد الباحثة – كما هي. أول هذه الانقسامات  يكون ما بين الأجيال. فحتى إذا كان الحجاج من الشباب وكبار السن يسافرون معا، وأحيانا يعطي الشيوخ الشباب دروسا في كيفية أداء مناسك الحج على الوجه الصحيح، تظل هناك فجوة كبيرة تفصل بين الجيلين. هذه الفجوة الجيلية، التي تظهر أثناء الحج، عندما يدخل الشباب في صراعات مع والديهم، ويؤكد كثير منهم أن وجود الوالدين يفسد عليهم حجهم، بسبب حاجة الكبار إلى رعاية مستمرة، وهو ما لا يسمح لهم بمنح العبادات ما ينبغي لها من جهد بدني وذهني ونفسي. هذه الصراعات – التي تمثل إشكالية في ذاتها لأن الحج يحظر الجدل –تثير مسألة علاقة الإسلام بثقافته المتعلقة بالأصول والمنشأ، والنظر إلى هذا الأمر بوصفه تعبيرا خالصا عن العولمة؛ مما يؤدي إلى شكل جديد من العلاقات بين الأديان والمجتمعات والدول.

وهناك انقسام آخر يفصل الحجاج صغار السن عن كبارهم. فمبيت الليلة الثالثة من أيام التشريق في منى يمثل مثارا للنقاش؛ فإذا لم يكن هناك إلزام شرعي ببيات هذه الليلة فإن البعض سيتمسك بالسنة ويقيم في منى هذه الليلة، بينما سيغادر آخرون مفضلين العودة إلى أماكن إقامتهم أو الذهاب إلى الكعبة والبيات إلى جوارها. وإذا كنا قد أُغرينا يوما بتفسير هذه الاختلافات على أنها اختلافات في التوجهات الدينية، فقد بات واضحا عدم توافر دليل واحد يؤكد وجود علاقة بين الأيديولوجيا والممارسات الطقوسية.

على العكس، تؤكد الباحثة أنه من المستحيل إقامة أي علاقة بين هذه الخيارات وبين جماعة أيديولوجية واحدة. فالتصنيفات المتمايزة التي يستخدمها العلماء والعامة على السواء، مثل جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، لا تكون دائما فعالة في تفسير الانتماءات الدينية المعقدة والمتضاربة للمسلم. وبوضع شخص ما في هذا التصنيف أو ذاك تكون المخاطرة الكبرى هي تجاهل التطور الدائم للهويات الدينية.

ندوة للباحثة في القنصلية الفرنسية في جدة

 الربح وليس الأيديولوجيا

في فرنسا، كما في سائر البلدان الأوربية، نظمت السلطات السعودية المشارَكة في الحج وفقا لقواعد محددة. ففي عام 2006، تم توزيع اعتماد الحج على 43 شركة سياحية سُمح لها رسميا بتنظيم  إجراءات الحج (التأشيرة، تذكرة السفر، الانتقالات الداخلية، الإعاشة.). وبناء على ذلك، تسلمت كل شركة عددا مختلفا من التأشيرات،  حيث حصل بعضها على عدد ضخم تجاوز 1000 تأشيرة، بينما حصل آخرون على 100 تأشيرة فقط. وفي السنوات الأخيرة قام رجال أعمال شباب بفتح شركات جديدة لتلبية الطلب المتزايد على الحج. ولأنهم أقرب إلى الحجاج في السن، – ومن ثم في التفكير-، غدت هذه الشركات تنافس – بقوة -الشركات التقليدية المعتمدة التي تخضع لإدارة جيل أكبر سنا.

في أغلب الأوقات لا يتصل الحاج مباشرة بالوكالة المعتمدة، ويلجأ – بدلا من ذلك – إلى إحدى هذه الشركات الجديدة غير المعتمدة لترتيب رحلته. لا شك أن هذه الشركات الوسيطة جعلت تكاليف الحج أكثر غلاء في فرنسا منه في سائر الدول الأوربية، بقيمة 5500 يورو تقريبا.

 وهنا ترى الباحثة أنه وفي ضوء هذه الأسعار المرتفعة، فإن انجذاب الشباب الفرنسي إلى زيارة الأماكن المقدسة، هو نتيجة للعولمة وظهور طبقة وسطى من المسلمين الذين ولدوا وتعلموا في فرنسا. وهذا بدوره يؤكد أن ارتفاع مستوى المعيشة لا يُضعف بالضرورة الانتماء الديني، – كما تشير نظرية الحداثة.

أسهم نظام الاعتماد الذي فرضته السلطات السعودية في عام 2005 بقوة في تغيير سوق الحج. فعلى المستوى النظري، تمتلك 43 شركة فقط حق تنظيم رحلات الحج؛ إلا أن واقع السوق يجافي هذه الحقيقة النظرية. فبخلاف الشركات المعتمدة من قبل السعودية، والتي تخضع لإشراف اشخاص كبار في السن، ظهرت شركات جديدة يديرها رجال أعمال من الشباب القريبين في السن والمزاج العام من الحجاج الشباب. وباستخدام روح الإسلام وبتعديل استراتيجياتهم وفقا لرغبات عملائهم، تمكنت هذه الشركات الجديدة من منافسة نظرائها التقليديين. كما أصبح الإنترنت أداة رئيسة في يد هذا الجيل الجديد، الذي ينشط بقوة في فضاء الشبكات الاجتماعية ويستخدم بفاعلية لغة التسويق، حيث يقدم الإنترنت دعما مهما للسوق الدينية، وهو ما يؤكد أن إعادة الأسلمة تمثل منتجا مهما من منتجات العولمة، وأن المجتمعات الدينية تتحول إلى مشروعات دينية قادرة على نقل قيم الليبرالية الفائقة.

تداول الشيوخ والدعاة   

تتمخض عن هذه الإدارة للحج اتفاقات ومعاملات بين شركات معتمدة وأخرى غير معتمدة تتعاون جميعا لتحقيق مزيد من الأرباح، بغض النظر عما هو أفضل دينيا. وإذا كانت الشركات غير المعتمدة أكثر نشاطا على الإنترنت، وتتبارى في عرض منتجات فعالة، فإنها أيضا تقدم فرصا للسفر بصحبة دعاة وشيوخ مرموقين ومعروفين في أوساط الشباب. هؤلاء الدعاة، الذين يصاحبون مجموعات الحجاج ويقدمون دروسا دينية في أثناء فترة الحج، ينشطون أيضا بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويبثون مباشرة على موقع “فيسبوك”-على سبيل المثال- أثناء وجودهم في مكة والمدينة. لكن معايير اختيار هذا الشيخ المرافق من قبل الشركة يكشف – بجلاء – عن غياب تام لدور الأيديولوجيا في هذه السوق. أما هذا الشيخ أو الداعية الذي يرافق الحجاج فإنه يختار العرض المادي الأفضل الذي يقدم اليه من بين هذه الشركات ولذلك ينتقل هؤلاء الدعاة الشباب بسلاسة بالغة بين الشركات المختلفة، سواء التقليدية أو الجديدة. فعلى سبيل المثال، وقّع كل من الشيخ يوسف أبو أنس والشيخ إبراهيم أبو طلحة، وهما اثنان من الدعاة البارزين من جمعية “الصراط المستقيم” السلفية، عقود شراكة مع شركات غير معتمدة قبل أن يعودا إلى العمل مع شركات معتمدة، وهوما يؤكد هيمنة منطق السوق على الرموز الدينية التي تخضع لقواعد السوق وليس لقواعد الإسلام. ولا يزال هذان الشيخان يحتفظان باستقلاليتهما، ويمكنهما – في أي وقت – أن يعملا لدى شركات أخرى، وهو ما يضيف إلى المنافسة.

الخلاصة

بدلا من تعريف الحاج بثقافة أخرى، أو بالمجتمع المسلم الكبير، تخلص الباحثة في ورقتها إلى أن الحج يعزز شعور الحاج بالانتماء الوطني. ومن خلال الإدارة السعودية لعملية الحج، فإن تنظيم الحج يرتكز بالأساس على الجنسية، ولا يساعد على التقاء الأجانب بسبب قلة الفرص من جانب، وعوائق اللغة من جانب آخر . كما ان هذا الشكل القائم من تنظيم  وإدارة الحج لا يسمح بقيام أي مجموعة متجانسة على أساس أيديولوجي. وتوضح الورقة أن الحج يجمع أبناء الوطن الواحد معا، برغم احتمال وجود توجهات أيديولوجية متباينة بينهم، ولا يمكن تفسير ذلك إلا في ضوء تنظيم وطبيعة السوق نفسها. وبرغم أن هذا يصدق تماما على الحج، إلا أنه بحاجة إلى مزيد من الدراسة فيما يتعلق بالعمرة، لأنها تقوم على عناصر تنظيمية مختلفة، بما قد يجعلها تختلف في تشكيل المجموعات والهويات الجمعية.

يمكن الاطلاع على النص الأصلي للدراسة باللغة الإنجليزية من هنا 👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق