رؤى

اقنعة اليمين الجديد في مصر بين النيوليبرالي والاسلام السياسي

‎أذكر رسماً كاريكتوريا نشرته منذ نحو ١٥ عاماً إحدى الصحف المصرية، كان الرسم يعقد مقارنة بين قوى اليسار الصاعدة في قارة أمريكا الجنوبية وبين نظيرتها في مصر.

الصحف المصرية

‎ففي حين صور الرسم اليسار اللاتيني كجسد شاب ممتلئ بالحيوية والنشاط وقادر على تجديد ذاته بشكل مستمر، فأن نظيره المصري بدا في نفس الرسم ككيان جامد ثابت متحجر لا يجدد نفسه على الإطلاق.

‎لكن ما أغفله الرسم في رأيي هو حقيقة أخرى، وهي ببساطة أنه وإن كان اليسار المصري غير قادر على التطور أو غير قابل على التجديد، فأن منافسه التاريخي والتقليدي أي اليمين أثبت قدرته على كلا الأمرين.

ولا أعني هنا اليمين في شقه “الديني” المتمثل فيما يسمى بـ«تيار الإسلام السياسي» فهذا التيار وأن استطاع تغيير شكله الخارجي – إذا صح التعبير- محاولاً أن يضفي على ذاته شكلا من أشكال المعاصرة والتمدن، ألا أنه لم يجدد خطابه أو أطروحاته خاصة الاجتماعية منها، وهو في رأيي ما أدى إلى سخط شعبي ضده في كل من مصر وتونس والسودان.

‎أما فيما يتعلق بالشق اليميني الأخر، أي التيار المسمى بـ«الليبرالي الجديد»، فلا أدري على وجه الدقة متى سمعت لأول مرة تيارا مصريا يشير إلى ذاته باعتباره «ليبراليا»، فحتى أواخر التسعينيات من القرن الحادي والعشرين تقريبا، كان هذا المصطلح على حد علمي محصورا على أعضاء حزب «الوفد الجديد» الذي تأسس في الثمانينيات، ولم يكن لهذا الحزب وزن يذكر في الشارع المصري، أولاً بسبب كبر سن أغلب أعضائه، وثانيا بسبب انفصاله عن القضايا التي يعاني منها غالبية المصريين من العمال أو الفلاحين على حد سواء.

الفلاحين المصريين

‎وفي أعقاب الغزو  الأمريكي للعراق عام 2003، برز المصطلح مرة أخرى مع بروز أحزاب جديدة على الساحة استطاعت تقديم وجوه شابة في قيادتها واستقطاب عدد ليس بالقليل من الشباب المصري غير المسيس.

‎كانت الكلمة جذابة لجيل لم يمارس في أغلبه السياسة في حياته بسبب أوضاع فرغت مصر من الحياة السياسية ومن أدواتها، إضافة إلى ذلك فإنها تضفي على صاحبها قدرا من التميز المطلوب في ظل مجتمع لا يعترف أصلا بالفرد مميزاً كان أم لا.

 

لحظة إعلان الحرب على العراق

 

الغزو الأمريكي للعراق

‎ثم تم التوسع في استخدام الكلمة مع ظهور الدكتور محمد البرادعي على الساحة، وإعلانه نيته في الترشح للانتخابات الرئاسية في مواجهة الرئيس السابق حسني مبارك، الأمر الذي جذب قطاع أكبر من الشباب المصري لحملته، رغم عدم وجود برنامج واضح ومحدد لها، إلا أن لفظة <<التغيير >> كانت تلهب الخيال ‎في حد ذاتها.

 

محمد البرادعي والرئيس الأسبق حسني مبارك

ومن الملاحظ على هذا التيار بشكل عام في كافة تجلياته «حزب الغد- حركة 6 إبريل- حزب الجبهة- حملة البرادعى..ألخ» قبل ثورة يناير وبعدها عدة أمور ، أولها هو الصمت التام تجاه العدوان الصهيوني المتواصل أو السياسة الخارجية الأمريكية التدخلية  تجاه المنطقة العربية.

‎وثانيها هو الدعوة لفصل مصر عن محيطها العربي.

‎وثالثها هو غياب أي بعد اجتماعي  حقيقي يذكر في برامجها أو خطابها، فبسطاء الوطن الذين يشكلون أكثر من ثلثي سكانه كانوا ساقطين من متن ذلك الخطاب الذي ركز على الإصلاحات الدستورية والبرلمانية دون الاجتماعية.

‎ورابعها هو عدم تقديمه لنموذج اقتصادي مغاير، اللهم إلا ذاك النموذج الذي ازداد فيه الأغنياء -منذ السبعينيات- ثراءا وازداد الفقراء فقراً.

‎وخامسها هو غياب قضية استقلال القرار الوطني تماما من على ألسنة رموزه.

‎واخيرا وليس أخرا، وهذا ملمح مشترك عند كافة أبناء هذا التيار هو صب اللعنات على التجربة الناصرية (1954- 1970) وتحميلها المسؤولية كاملة عما آل إليه الوضع في مصر في مقابل حنين مبالغ فيه إلى فترة مصر الملكية « التي كانت فيها مصرمستمرة من الانجليز !!».

‎في أعقاب ثورة يناير التي كان وقودها بسطاء هذا الوطن -60 بالمائة من الشهداء من العمال والحرفيين وصغار الموظفين- وفقا لإحدى الدراسات العلمية الموثقة ، قفز هذا التيار مرة أخرى إلى واجهة الأحداث معتبرا ذاته صانع الثورة وقائدها.

 

ثورة يناير

‎وعلى مدار عام حكم الإخوان، كان الصدام بين هذين التيارين حتميا، إلا أن المرء إذا تأمل ما بين السطور سيدرك أن الصراع كان سطحيا، منحصرا في قضايا من نوعية ما ترتديه المرأة المصرية أو ما لا ترتديه، لكنه نزاع لا يعكس اختلافا في الجوهر، حيث أن كلا التيارين راض عن العلاقة مع الولايات المتحدة كما هي، وأياً منهما لا يناقش العلاقة مع دولة الاحتلال الصهيوني  أو يسعى لتعديلها، وكلاهما راض عن استمرار سياسات مبارك الاقتصادية القائمة على الخصخصة ورفع الدعم وبيع القطاع العام وتشريد عماله.

‎خلاصة القول هنا أن كلا شقي «اليمين المصري»  سواء الاسلام السياسي او النيو ليبرالي هما في حقيقة الأمر تيار واحد(اجتماعيا واقتصاديا)  وإن اختلفت الأسماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق