فن

خيري بشارة.. سينما تحتفي بذاتها

في كثير من الأحيان عندما يشرع مخرجو الأفلام التسجيلية في عمل أفلام روائية طويلة، ستجدهم يحاولون قدر جهدهم نفض غبار التسجيلية عنهم مؤكدين جاهزيتهم التامة للمهمة الجديدة..

لكن التسجيلية بكل واقعيتها وعفويتها وبساطتها وبعدها عن “التكنيك” ستكون زاداً جيداً وملازماً بصدق لمخرج الواقعية الشاعرية “خيري بشارة” لفترة طويلة إلى أن يهزمه أحد معجبيه بجملة كالزلزال” شاهدت فيلمك “يوم مر.. يوم حلو” أعجبني جدا حتى أني أصبت بذبحة صدرية”. فيقرر أنه ليس مستعدا لقتل الناس بواقعيته، ليبدأ خطاً جديداً سيبدو وكأنه منبت الصلة عن سابقه.

قبل أن يتم “بشارة” عامه الثلاثين يشرع في إخراج عمله الروائي الأول “الأقدار الدامية” بعد تجارب ناجحة جدا في السينما التسجيلية، ثم العمل مساعدا للإخراج مع عباس كامل ثم مع توفيق صالح في “يوميات نائب في الأرياف” ومع المخرج البولندي ” فلاديتش سيلسكي” في الفيلم الكبير “الصحاري والبراري” الذي شارك في بطولته الفنان “أحمد مرعي” وعدد من الممثلين المصريين.

مفعما بالأفكار الثورية ورؤى التجديد يدخل “خيري” تجربة “الأقدار الدامية” مصراً على أن يصنع سينماه التي يستطيع من خلالها نقل أحاسيسه للناس حسب تعبير “تولستوي” دون قبول وصاية، ويصل الأمر إلى درجة الصدام ببطلي العمل “يحيى شاهين” و”نادية لطفي”، ويتوقف العمل في الفيلم لفترات حتى تصل الفترة بين بدء التصوير وعرض الفيلم للجمهور ست سنوات(1976: 1982).. هذا الفيلم الذي يتخذ من حرب 1948، خلفية للأحداث هو فيلم القسوة بامتياز، لا يقتصر الأمر على إدانة الطبقة البورجوازية الفاسدة التي تسببت في النكبة، بل يصل إلى التشويه الذي يفضح قيم الطبقة المتهافتة وصولاً إلى مشهد النهاية الذي يكشف فيه “بشارة” عن وضاعة تلك الطبقة حين تذهب ابنة الباشا لممارسة الجنس في الاسطبل مع السائس، وهي التي أدانت بعنف خيانة أمها لأبيها مع شخص تطلعت الفتاة ذات يوم للارتباط به..

في المقابل ظهر انحياز المخرج لطبقة الفقراء حتى أن المشاهد التي ظهرت فيها بيوتهم كانت أكثر جمالاً من مشاهد قصر الباشا الذي تعمد “خيري” من خلال الإضاءة وكدرات التصوير أن يظهره بالغ القبح باعثاً على الاختناق.

والحقيقة أن فيلم “الأقدار الدامية” وهو إنتاج مصري جزائري مشترك لم ينل حظه من التقدير كتجربة أولى للمخرج حتى أنه لم يعرض جماهيريا في مصر، كما أن “خيري بشارة” لم يتوقف عنده كثيراً باعتباره تجربة عانت الكثير من الصعوبات.

في “العوامة رقم 70″1982، لا ينتقل “بشارة” وحيداً إلى منطقة أخرى للإبداع.. إنه في تقدير الكثيرين استطاع بهذا الفيلم أن ينقل السينما المصرية إلى مكان آخر جديد تماما بعد سنوات من التدهور والمراوحة بين الأنماط المستهلكة.. لا يحب مخرجنا الحديث مطولا عن أعماله.. إنه مشغول دائما بما سيعمل لا بما تم إنجازه بالفعل؛ لكن “العوامة رقم 70” لن ينتظر “بشارة” ليحكي عنه؛ لأنه هو الذي سيحكي لنا عنه بشكل بالغ الصدق والحدة في آن.. سيقول لنا الفيلم أن مخرجنا الذي يتماهى مع بطله “أحمد الشاذلي” تماما لا يدين نفسه وبطله وحسب بل يدين جيلا كاملا أصيب باللامبالاة وفقدان القدرة على الفعل بعد أن أفلت الحلم، وهو جيل أسير لتلك الحالة من التردد وعدم الثبات على موقف التي يرمز لها بالعوامة.. وهو لا يتراجع عن تقديم مشهد صادم لبقرة نافقة تطفو على سطح ماء النيل، وهو يعلم أننا لن نرد عن أذهاننا في هذه اللحظة البائسة صورة بقرة “حاحا” التي رسمها “نجم وإمام”.

سيستمر “بشارة” في إدانة جيله بلا هوادة على امتداد زمن الفيلم، وسيحتاج الأمر إلى “علقة ساخنة” ينالها البطل في حجز أحد الأقسام حتى يفيق الجيل من تلك الغفلة المهلكة التي جعلته يتقاعس عن مواجهة الفساد ليكون سبباً مباشراً في تمكن لصوص “المحلج” من قتل العامل الذي أراد أن يفضح فسادهم.

لا يسلمنا “بشارة” في العوامة إلى اليأس بالكلية، فهناك دائما ما يدعو إلى الأمل والتفاؤل، وقد تمثل ذلك في شخصية “وداد” خطيبة البطل التي تعمل بالصحافة وتتبنى قضايا البسطاء وتساعد في فضح المفسدين وهي إلى جانب ذلك تدافع عن حبها بقوة وصرامة نادرة.

لابد من الإشارة إلى براعة المخرج في إدارة الممثلين الذين جاء أداؤهم جميعا بالغ الروعة خاصة القدير “كمال الشناوي” في دور عم البطل الذي يمثل جيل الهزيمة والانسحاب.

في عام 1986، يطلب “خيري بشارة” من الجميع ترك ما في أيديهم والانتباه جيدا لأن حدثاً سينمائياً ما لا يتكرر كثيرا يوشك أن يقع!

عن عمل أدبي للأديب الصعيدي يحيى الطاهر عبد الله يبدع لنا مخرجنا فيلما بعنوان “الطوق والأسورة” من سيناريو د. يحيى عزمي، وحوار الخال الأبنودي. تظهر في الفيلم بجلاء قوة موهبة المخرج وتفردها وامتلاكه الكامل لأدواته وإتقانه للتكنيك بعيدا عن استعراض القدرات..

يدين الفيلم الواقع الذي يسيطر عليه الفقر والجهل والمرض. ذلك الواقع الغارق في خيبة الأمل الذي يتعلق أفراده بالسراب في ظل الشعور الكامل بالعجز، وانعدام القدرة على التغيير والاستسلام للمصير المحتوم. يحذرنا “بشارة” من أن المأساة ستتكرر طالما أصررنا على التعامل بنفس المنطق، فالعجز لن ينتج إلا عجزاً والتعلق بالأوهام سيسلمنا لصدمة الخذلان، وأن الخروج من جُب الضياع لا يكون إلا بالعزيمة الصادقة والرغبة في التغيير.

“الطوق والأسورة” فيلم يدعو لكسر القيود والتحرر من نير العادات والتقاليد البالية كما أنه من خلال إغراقه في التفاصيل يصر على تعرية الواقع وعدم الرفق به باعتبار أن “آخر الدواء الكي” قبل أن تستحيل النجاة.

“يوم مر.. يوم أمر” هكذا أطلق النقاد على فيلم “خيري” بعد فشلهم في العثور على “يوم حلو”! أنتج الفيلم عام 1988، وهو من بطولة سيدة الشاشة “فاتن حمامة” التي تجسد شخصية الأم المصرية التي تحارب من أجل تعليم أبنائها في ظروف بالغة الصعوبة تضطرها في النهاية إلى الاستسلام.. يجسد الفيلم معاناة أسرة مصرية تعيش في فقر مدقع؛ لكنها ترتبط بالعالم عن طريق شباك يمثل فسحة أمل لا ينقطع.. لم يعتمد “بشارة” على تصاعد الأحداث بل اعتمد على الاستغراق في التفاصيل بشكل موح حيث يمكن تثبيت الزمن واحتوائه على نحو يسمح بتكثيف مشاهد الحياة اليومية دون الاعتماد على “الحدوته” التقليدية.

لكنه من ناحية أخرى يمارس تصعيدا خفيا يستولى على المتلقي وجدانياً وربما يسلمه في نهاية المطاف إلى الأنين.. تحدث “خيري بشارة” عن شخصية الأم في الفيلم ذات مرة، وذكر جوانب الشبه بينها وبين أمه وكيف واجهت من أجله وإخوته أصعب الظروف..

وبكى “خيري” وأبكانا لكن “يومه الحلو” كان على سبيل الوعد.. ونحن صدقناه.. ولو أنه ليس من الجيد أن تصدق مخرجا مثل “خيري بشارة” لديه من الجرأة والجموح ما يجعله يصيغ “ردته” السينمائية في قوالب ساحرة لا يسعنا حيالها إلا أن نتبعه محاولين استكشاف الطريق الجديد معه..

 برغم تحذيره المتكرر من أنه لا يهتدى به لأنه ضائع في المتاهة ومازال البحث عنه جاريا دون كبير أمل في العثور عليه.. لكنه سيطالعنا مجددا دون كلل مدافعا عن وجهة نظرة بنصف قناعة تصلح كأداة للإبداع الفني المتجاوز طوال الوقت. ليدخل “خيري بشارة” مرحلة جديدة تماما في عالم الإخراج تستحق الحديث عنها في مقال آخر إن شاء الله.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: