رؤى

المفاهيم المؤسسة للإسلام السياسي المتطرف: الجاهلية الجديدة (٦)

لا يمكن للإسلام الذي يطلب من أتباعه أن يبشروا لا ينفروا، ويجعل بابي الرحمة والتوبة مفتوحين طيلة الوقت، أن يقر ما تزعمه بعض الجماعات المتطرفة من أن المسلمين يعيشون في أيامنا هذه في جاهلية جديدة، على غرار تلك التي كان يحياها مشركو مكة قبل الإسلام.

وقد بلغ الأمر بالمنظِّر الأكبر لفكرة الجاهلية سيد قطب أن اعتبرها “الانحراف عن العبودية لله وحده، وعن المنهج الإلهي في الحياة، واستنباط النظم والشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والقيم والموازين من مصدر آخر غير المصدر الإلهي”، وفي هذا افتراء على المسلمين، عبر محاولة تصويرهم وكأنهم قد تخلوا عن عبادة الله، وعن التمسك بمنهجه في حياتهم المعاصرة.

وقد قادت فكرة رمي المجتمع المسلم بأنه جاهلي سيد قطب إلى اعتبار بلاد المسلمين “دار حرب” على كل مؤمن بفكرته أن يقاتل أهلها، بمن فيهم أهله وعشيرته وقومه، وحتى لو كان فيها ماله وتجارته، وهذا بالطبع فتح بابا واسعا للتكفير، والاعتقاد في نظرية “الحق الإلهي للحكام”، ولحمل السلاح في وجه المسلمين.

ولم يخطر على بال أي مسلم منذ أن تحولت الجزيرة العربية إلى الإسلام أن يأتي أحد ويتهم المسلمين بأنهم قد عادوا إلى الجاهلية، وكأن التاريخ يمضي بظهره، أو أن شخصا أو قلة لا تلتزم بالدين هنا وهناك بوسعها أن تمثل قاعدة يقاس عليها كي يخرج حكم قاس يصف أمة محمد الآن بأنها صارت تابعة لأبي لهب.

ومع أن التيار العريض من المسلمين متمسك بالإسلام، ومعتز به، يخرج علينا منظِّر الإخوان الأول سيد قطب ليعلن عودة الجاهلية، مفسحا الطريق لأخيه محمد قطب كي يؤلف كتابا كبير الحجم بعنوان “جاهلية القرن العشرين”، لو كان قد تحدث فيه عن أمم لم تصلها دعوة الإسلام لكان من الممكن أن يكون الأمر مستساغا، لكنه، ويا للغرابة، ينعت المسلمين أنفسهم بالجاهلية، لمجرد أنه لا يريدون المضي على الدرب الذي خطته جماعة الإخوان، ويرون أن الإٍسلام يختلف عما تتصوره وتقوله وتفعله.

وكالعادة كان سيد قطب ينقل فكرته هذه عن أبي الأعلى المودودي الذي تعامل مع الجاهلية بوصفها منهج حياة يناقض نظرة الإٍسلام إلى الله وما وراء الطبيعة والكون والإنسان والحياة، محددا ثلاثة أنواع منها: الجاهلية الصرف وقصد بها الحضارة الغربية، وجاهلية الشرك وهنا فتح الباب أما حشر مئات الملايين من العرب والمسلمين بدعوى أنهم يأتون بمظاهر للشرك توسع في تعيينها، وجاهلية الرهبنة ووضع فيها أهل الكتاب مع متصوفة المسلمين.

أبو الأعلى المودودي
أبو الأعلى المودودي

ولم يكن قطب هذه المرة متأثرا بالمودودي فحسب، بل أيضا بأبي الحسن الندوي، الذي صدرت ترجمة عربية  عام 1950 لكتابه الشهير : “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” وتحدث فيه عن استمرار النزعات الجاهلية في رجال الحكومة في زمن تدهور المسلمين، ليتجه العالم بأسره إلى الجاهلية ومنه العالم الإسلامي.

أبو الحسن الندوي
أبو الحسن الندوي

وقد وصف قطب المجتمع المصري، على وجه الخصوص، بأنه يعيش في جاهلية في لحظة صدام الإخوان مع نظام عبد الناصر. وبدلا من أن يحاول قطب أن يفهم بطريقة موضوعية سر التفاف الأغلبية الكاسحة من المصريين حول عبد الناصر ولفظهم تنظيم الإخوان وأفكاره، سارع إلى اتهام الناس بأنهم قد عادوا إلى الجاهلية، وتفرغوا لمحاربة الإسلام، الذي هو في نظره دعوة الإخوان فقط، مثلما فعل مشركو الزمن الأول لرسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

لهذا لم يترو قطب وهو يطلقها صريحة زاعقة قائلا: “العالم يعيش كله في جاهلية”، ولم ير المسلمين استثناء من هذا، خالطا من الناحية الفقهية بين الفسوق والعصيان وبين الكفر، وبذا بدت الصغائر في نظره أكبر الكبائر، وأصبح كل شيء لا يتطابق مع المشروع الإخواني خروجا على أحكام الدين، وتم التوسع في الأمور الداخلة في باب الاعتقاد إلى حد كبير، بما فتح طريقا واسعة إلى التكفير.

وفتح اتهام المسلمين المعاصرين بالجاهلية بابا آخر لنظرية الحكم الإلهي، ففي نظر قطب فإن الجاهلية هي حكم البشر للبشر، والذي يعني عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، وتأليه بعض الناس. وهنا يحاول أن يقنع، ضعاف العقول، أن السبيل لمواجهة تلك الجاهلية هي الإنصات إلى من يريدون أن يكون “الحكم لله”، وبذلك تولد الفرصة قوية ليقدم قادة الإخوان، وغيرهم من الجماعات والتنظيمات المتطرفة، على أنهم هم وحدهم الذين بوسعهم أن يأخذوا الناس إلى حكم الله، والذي لا يعدو أن يكون في النهاية حكم رجال منهم، يزعمون أنهم وكلاء الله في الأرض.

وتأثر اللاحقون من منظري الإخوان بوصف المجتمع المسلم المعاصر بأنه جاهلي، فقال فتحي يكن: “إن معظم الأقطار الإسلامية، إن لم نقل كلها، تُحكم بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات رومانية ويونانية وفرنسية وغيرها؛ ما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واستئناف الحياة الإسلامية فريضة عين على كل مسلم حتى تعود للإسلام القيادة والقوامة”.

فتحي يكن
فتحي يكن

ولا يمكن أن نفصل هذا التصور عن البداية التي قطعها مؤسس الجماعة حسن البنا، في نظرته التي تحاول أن تقنع أتباعه بأنهم هم المسلمون والمؤمنون حقا، فها هو يقول: “الفرق بيننا وبين قومنا أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان، نحن وقومنا، نحن الأفضل والأقرب إلى الله، نحن الإسلام”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: