رؤى

خواطر حول ضريح الشيخ عيد أبوجرير

قفزت إلى صندوق السيارة «ربع النقل» لأجد نفسي متدفئًا بأجساد أقراني من الأطفال والنساء.. انطلقت السيارة وعلامات البهجة تضيء الوجوه البريئة والنفوس البسيطة الفطرية.. شقت العجلات الطريق المعبد بين الجداول والحقول والأشجار الشامخة.. قطعت نحو 12 كيلو مترا حتى انتهت في قرية سعود، الواقعة أقصى شمال شرق محافظة الشرقية، حيث يرقد جثمان الشيخ عيد أبو جرير تحت قبة ضريح خضراء ينسدل فوقها قطع القماش القطيفة المزركشة بكلمات التوحيد والصلاة على النبي وآله.

حول الضريح ينهمك المنشدون «أتينا رحابك شيخنا يا شيخ عيد … أكرم من أتاكم يسعى من بعيد.. أتينا رحابك صحبة من زمان.. أكرم من أتاكم يا قطب الزمان.. نظرة عطف منكم قد ترضي الإخوان.. أمنا من خوف في يوم الوعيد.. أتينا رحابك يا جليس الرسول.. أتينا رحابك يا وريث الرسول.. أنتم أهل طه أبواب الوصول..».. ومر الزمان حتى هدد أبناء تنظيم إرهابي بنسف ضريحه هذا بمن حوله من الناس.

               (داعش يهدد بتفجير مسجد الروضة قبل عام)

طفح المشهد الماضوي الطفولي بعد أن كمن في قاع الذاكرة ما يربو على الثلاثين عامًا، وما كان له أن يطفح لولا أن اصطدمت العين بمشهد المجزرة المرعبة التي حصدت أرواح محبي ومريدي «الشيخ عيد» في قرية الروضة قبل أشهر.. لقد كنت طفلا عندما كنت أمرح حول ضريحه.. هاجمني الفزع وأنا أتخيل أشلائي متناثرة حول الضريح دون أن تواتيني الفرصة لأدرك من قتلني ولم فعل بي ذلك؟

( دماء بريئة في مسجد الروضة بسيناء )

لا أظن أن أحد منا كان يعرف من هو «الشيخ عيد» سوى أنه رجل صالح يزحف إلى ضريحه البسطاء الذين يرجون من الله حاجة، أو يأملون في خلاص أو تطهر من الأذى والذنوب، بيد أننا نحن الأطفال لم تكن هذه الزيارة سوى نزهة، أو استكشاف مجهول طالما تحدث عنه الناس.

حل منتصف القرن العشرين على سيناء وأهلها غارقون في البداوة البعيدة عن مظاهر التدين.. لقد كانوا قبائل وعشائر متنافرة يسعون بأغنامهم على الكلأ والمرعى حيث حل المطر ونبت العشب.

«لولا احتفالهم بعيد الضحية وذكرهم النبي وحلفهم به والصلاة عليه ما علمت أنهم مسلمون»… هكذا وصفهم المؤرخ اللبناني، نعوم بك شقير، في كتابه «تاريخ سيناء» الذي كتبه في القاهرة في العام 1906م، بعد معايشته لأهالي شبه الجزيرة لعدة سنوات.. ظلوا كذلك حتى ظهر «الشيخ عيد» بحركته في مطلع الخمسينيات.

ثمة حادث جلل كان قد طرأ، شحذ الوجدان وصدم العقول.. كان الكيان الصهيوني قد هزم العرب في العام 1948م وحلت النكبة، فبدأ البدو هناك يبحثون عن هوية تائهة بعد أن باتوا في نقطة تماس مع عدو جائر ومغتصب.

دور وطني مجهول

ظهر ابن عشيرة «الجريرات»، عيد بن سليم، بدعوته قومه بالعودة إلى الإسلام، وسنة النبي (ص)… لكنه لم يكتف بذلك بل ذهب للدعوة إلى الجهاد ضد العدو الاسرائيلي الغاصب، وعمل على محاور عدة، فذهب للتأليف بين القبائل وإزالة المشاحنات بينهم، وانتشرت المساجد والمضافات والكتاتيب فازدهرت حركته.

تحولت الحركة «الجريرية» نحو الدولة المصرية، وأخذت بيد شيوخ القبائل معها، فأقامت علاقات طيبة مع الجيش المصري، ونظام الرئيس جمال عبدالناصر.. رحبت الدولة بذلك بعدما كان البدو ينظرون إليها نظرة شك وريبة، كانت نتاج حقب متتالية نال فيها البدو من الحكام الأتراك ومن بعدهم الإنجليز صنوف من العذابات والاضطهاد.

كان لهذا الشيخ ورجالاته دور عظيم في تغطية انسحاب الجيش المصري إلى الضفة الشرقية من القناة في العام 1956م، حتى وصل الحد إلى أن يصبح الشيخ مطلوبًا رئيسيا لدى قوات الاحتلال.. وبعد عمليات المقاومة الشرسة لرجالاته بعد نكسة يونيو 1967م، أرسلت إسرائيل أرتالا من المدرعات للقبض عليه حيا أو ميتا حتى هرب تحت ضغط أتباعه إلى جزيرة سعود ليكمل دعوته هناك حتى وافته المنية عام 1971م.. رقد في ضريحه وبات يزوره الناس الذين لا يعرف غالبيتهم تاريخه..

 (الكثير من بطولات أهل سيناء لاتزال مجهولة حتى الآن)

ملامح سلفية

كان الشيخ عيد أميًا لا يعرف القراءة والكتابة، إلا أن كتابه ودواوينه ومأثوراته لا تشي بأن من كتبها كان أميًا، كان فصيحًا بليغًا لديه من العلوم العرفانية الكثير.

يروي الشيخ عيد حكاية تكليفه بـــ «الدعوة إلى الله وباب نبيه» في كتابه النادر «بستان المحبة»: جاءني الرسول (ص) في المنام في ثلاث ليال متوالية من شهر رمضان المعظم، من عام 1370ه وقال لي في الليلة الأولى: امدد يدك أبايعك على أن تؤدي الرسالة بالدعوة إلى الحق والإيمان، فمددت يدي ووضعتها في يده الشريفة(ص) وبايعني على ذلك، وجاءني في اليوم التالي وأمرني أن أصلي بالناس، فقلت لحضرته (ص) أنا أمي يا رسول الله فتلى (ص) علي القرآن كله، ووضع يده الشريفة على صدري، فاستيقظت من نومي وقد حفظت القرآن الكريم بعدما سمعته منه (ص) وجاءني في الليلة الثالثة وأمرني بدعوة الناس إلى طاعة الله تعالى والتمسك بالدين الحنيف وإلى الاعتصام بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله الكريم، وترك كل ما هو حرام «وترك العادات والمعاني الجاهلية»، واعتبرت نفسي مكلفا من قبل حضرته وصدعت بأمره ودعوت الناس إلى الله فاستجاب للدعوة بفضل الله وبركة نبيه أهل السعادة والفلاح.. هذه دعوتنا وطريقتنا أمر وتكليف من رسول الله (ص) واقتفاء لأثره واقتراب من نبعه».

ألتقط مما قال جملة « ترك العادات والمعاني الجاهلية» وكأن دعوته تميزت بأبعاد سلفية ولو كانت خفية ما بين السطور، فانتبهت إلى رواية أخرى «غير مؤكدة»  تداولها أتباعه تكشف عن قيام الشيخ بتحريم هبوط النساء إلى الأسواق المحلية، كذلك نهيه عن ممارسة بعض العادات مثل السامر البدوي الذي كان منتشرا على نطاق واسع وانحسر بشكل كبير في أعقاب هذه التعليمات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: