منوعات

أيام في مراكش الحمراء

هذه هي المرة الأولي التي أزور فيها المغرب، وكنت أتوق لزيارتها، فأخبار المغرب السياسية وأخبار حركاتها الاجتماعية وأحزابها نحن نتابعها.. يتشوف المغرب لأخبار المشرق، كما يتابع المشرق ما يجري في المغرب. نعرف أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب أسسه إسلاميون كانوا في مطالع حياتهم قريبين من حركة الإخوان، لكنهم قطعوا بشكل كامل صلتهم بتلك الحركة منذ عام 1981 وأسسوا لأنفسهم مسارا خاصا مكنهم من المشاركة في الحياة السياسية والوصول إلى السلطة، انتماؤهم للدولة الوطنية المغربية، يلتزمون بنظامها الدستوري، ويحترمون الملك والنظام السياسي، دون وضع أنفسهم في مواجهته.

ونحن نعرف أن للحزب حركة اجتماعية ذات طابع دعوي يلتزم أعضاؤها بخطه بعيدا عن العمل السياسي، وهي حركة التوحيد والإصلاح، ومن ثم، فإن الفصل بين الدعوي والحزبي هو أحد الملامح المتميزة للحالة الإسلامية في المغرب التي ترى أن تأثرها هو بحزب الاستقلال المغربي، وعلال الفاسي مؤسس الحزب، ومرجعية حزبهم اليوم.

خمس ساعات ونصف قطعناها بالطائرة من مطار القاهرة حتي مطار محمد الخامس بكازبلانكا، غادرنا المطار بسلاسة وترحاب، فهناك حب لمصر وللمصريين لدى كل من يسمع اسم بلادنا، تحركنا بالسيارة نحو مراكش التي تبعد حوالي ثلاثمئة كيلو متر من المطار، تحركت السيارة في مسرح مفتوح للجمال والأزهار ولتجمعات قروية رائعة على الجانبين، حيث الدور وسط الزروع، وتنطلق الحيوانات بلا قيد أمام مسرح مفتوح من الزروع الطبيعية الرائعة.

وصلنا مدينة مراكش الحمراء، بيوتها منذ أيام المرابطين والموحدين في القرن الحادي عشر الميلادي تحتفظ باللون الأحمر، نزلنا في فندق اسمه “ماجادور المنارة” وحوله بلا مبالغة مئات الفنادق في المنطقة، حاولت فهم سر هذا العدد الكبير من الفنادق فعلمت أن الملك الحسن الثاني كان اتخذ قرارا بجعل مراكش مدينة سياحية، وظل الملك محمد السادس يحافظ علي هذا الطابع للمدينة بلا تهاون أوتراخ.

لا ترتفع المنازل في المدينة عن أربعة أدوار، لا توجد ناطحات سحاب أو مبان أسمنتية شاهقة، وتحتفظ العمارة بمشهد متسق وجميل يعود إلى العمارة المرابطية والموحدية، الشوارع نظيفة، لم أر على مدى ثلاثة أيام متصلة أي مظهر للإهمال في النظافة على الإطلاق، تشعر أن المدينة لا تقل رقيا ولا جمالا عن مدن العالم الكبرى باريس ولندن وطوكيو، مع سحرها الخاص المتمثل في جمال الطبيعة والحفاظ علي معايير البيئة العالمية، لاحظت مثلا في ميادين المدينة الجميلة تجمعات لدراجات يمكن للمواطنين استخدامها بمقابل وبأرقام تمكنهم من تحريرها من قيود أقفالها لاستخدامها في تحقيق مصالحهم، كما لاحظت أيضا أن النساء يقدن الدراجات البخارية وهو ما أثار التفاتي، فنحن في مصر لانعرف هذه الظاهرة.

زرنا قصر “الباهية” الذي أنشأه الوزير أحمد بن موسي بن أحمد السملالي، وسماه باسم زوجته باهية، عنوانا لحبه ومودته لها، بيد أنه كان فاسدا مستبدا وظالما، وزرنا جامع الفنا، حيث توجد ساحة كبيرة للتسوق والأشكال المتنوعة للفنون الشعبية الفلكلورية، وأطلق على الجامع هذا الاسم لأن أحكام الإعدام كانت تنفذ أمام ساحته الواسعة.

سألت عن مستوى المعيشة والحد الأدني للأجور في البلاد فعلمت أنها في حدود خمس مئة دولار، ومستوي المعيشة مرتفع نسبيا، وعملة البلاد الدرهم الذي توازي قيمته جنيهين مصريين.

حضرنا عرضا فنيا في المساء في قصر كبير اسمه CHEZ  ALI التي تعني “عند علي” وفيه يقدم الطعام المحلي “كسكس” كما تقدم الأطعمة المتأثرة بعالم الأندلس والحضارة الأندلسية التي يمتزج فيها الملح بالحلو، والتأثير القادم من الصحراء حيث تقع مراكش في الجنوب، وهي مفتوحة على إفريقيا وتقاليدها، يبلغ عدد سكان المدينة مليون ونصف نسمة، ودخلها الرئيس من السياحة، فأفواج السياح لا تتوقف.

المرأة في مراكش، وأظن في المغرب عامة، تحتل مرتبة متقدمة في العمل وفي الحضور الاجتماعي والعام، وتهتم بالأناقة والجمال، وترتدي الأزياء الغربية بشكل عام، وتتسم المدينة بطابع كوزمبولتي حيث تجد الأجناس والملل والأعراق المختلفة تتجاور وتعيش بسلام.

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock