إسلام السوق
ويعتبر أصحاب تلك المحلات أنهم يجنون نوعين مختلفين من الأرباح، فبالإضافة إلى الربح المادي فإنهم يكتسبون حسنات، ويتقربون ببيع تلك اللوازم الدينية إلى الله تعالى، لأنهم يوفرون للزبائن أدوات العبادة والطاعة والامتثال. وعادة ما تنتشر تلك المحلات بالقرب من المساجد الكبرى، وفي الأماكن الشعبية، والأحياء الإسلامية العتيقة كحي الحسين والسيدة زينب بالقاهرة، كما تنشط تلك التجارة في المواسم الدينية بداية من شهر رجب وحتى شهر رمضان الكريم. إذ كثيرا ما يقدمون لزبائنهم في المواسم الدينية خصومات خاصة، تشجيعا لحالة من الرواج تعرفها تلك الأحياء في الليالي الرمضانية.
وإذا كانت هذه التجارة تجد رواجا وانتشارا في الأحياء الشعبية وبين أبناء الطبقة الفقيرة والوسطى، فإن ثمة من يتوجه بتلك العقلية الربحية إلى أبناء الطبقة الأرستقراطية، بحيث أصبحت أزياء المحجبات مجالا لتنافس أهم وأشهر ماركات الملابس النسائية في العالم، وتحمل الكثير من منتجات تلك المحلات- إلى جانب التمسك بتقاليد الملابس الإسلامية وفق الشريعة الإسلامية – مظاهر الفخامة والجودة والترف، وهم يعتقدون بذلك أنهم يحققون لأنفسهم نعيم الدنيا إلى جانب نعيم الآخرة.
ربما تنسجم هذه الحالة من العولمة الدينية مع ذلك التوجه الذي يشير إليه البعض ب(إسلام السوق)، وهو لون من ألوان التدين الذي يسعى إلى التكيف مع الواقع مع الحفاظ على السمت الديني من خلال تسليع المفاهيم والأفكار الدينية، وتحويلها إلى أداة للتربح وتحقيق النفع مع تقديم خدمات للتيار الديني الذي ينتمون إليه، فالقدس قضية المسلمين الأولى وصراعهم الأزلي يمكن أيضا أن تكون أداة للربح بطباعة الكتب والدعاية للقضية وترويجها ومن ثم تحقيق المكسب من ورائها، والدعوة إلى الحجاب، وانتقاب المرأة لن تكون ذات معقولية ما لم يتم توفير مصادر بيعها وشرائها.
والدعوة أيضا.. سلعة
وهى أيضا حالة تظهر في تحويل الدعوة إلى سلعة متمثلة في تلك الظاهرة التي تسمى بالدعاة الجدد، الذين يحاولون تقديم الدعوة الدينية في ثوب أكثر عصرية يبدو متصالحا مع روح العصر، من خلال الظهور بمظهرٍ شابٍ يختلف كثيرا عن الصورة النمطية للدعاة من أصحاب اللحى الكثة والثياب البيضاء الفضفاضة، متمثلا في ارتداء الجينز و«التيشرت»، ومصاحبة الموسيقى في بعض الأحيان، وتقديم بعض المشاهد الدرامية التي تجسد الواقع موضع الحديث في أحيان أخرى، وهي نوعية من البرامج تنشط في رمضان من كل عام لتملأ ساعات القنوات التلفزيونية بالنهار، فظاهرة التأسلم أنتجت نوعاً خاصاً بها من المستهلكين بالسوق. ويبدو أن زخم الرأسمالية العالمية مع ذيوع روح الفردانية، دفع البعض إلى العمل على استغلالها في تحقيق نجاحات وتكوين ثروات .
لا نستطيع أن نقرر ما إذا كان هذا النمط من الاقتصاد الديني هو تطور وظاهرة منبثقة عن تيارات دينية ذات رؤية أيديولوجية كالتيار السلفي، أو تجلي آخر لحركات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين، فهو إلى الآن يبدو ظاهرة عامة تتنوع في الأنشطة، كما تختلف توجهاتها وميول ممارسيها من السلفية إلى الإخوان وحتى إلى الصوفية، لكن في الوقت نفسه لا يوجد ما يمنع أن تتحول تلك الظاهرة إلى التخديم على مشروعات ذات طبيعة سياسية وأيديولوجية وربما حتى طائفية.
فمما لا شك فيه أن تلك الظواهر من الرأسمالية الدينية تكشف عن تحول جديد في شكل وتكوينات تنظيمات الإسلام السياسي مستقبليا، صحيح أن هذا النمط من التدين الرأسمالي قد يفيد هذه التنظيمات بمزيد من الواقعية بطبيعة الاحتكام إلى لغة السوق، وقانون المكسب والخسارة، والعرض والطلب. إلا أنها تشكل من زاوية أخرى خطراً داهماً إذا ما تحولت تلك الاقتصادات من برجوازية إسلامية فردية محدودة إلى تكتلات رأسمالية تخدم المصالح الاقتصادية والتطلعات السياسية لجماعات دينية لا تعترف في كثير من الأحيان لا بالمواطنة ولا بمفهوم الدولة الوطنية.