مختارات

أحمد زكى بين عبد الناصر والسادات.. من التشخيص المُعبّر إلى التقليد الباهت

بدا أحمد زكى فى فيلم «ناصر 56» مختلفا جدا عنه فى فيلم «أيام السادات»، فرغم أن الأخير من إخراج الراحل محمد خان إلا أنه فى رأيي أسوأ أفلامه وقدم فيه زكى تقليدا ماسخا، وكأننا أمام «عزب شو»، فى سيناريو مهلهل ومترهل تم تجميعه بالقص واللزق من خمسة سيناريوهات مختلفة..

إلا أنه فى ناصر 56 الذى كتبه الراحل محفوظ عبد الرحمن وأخرجه محمد فاضل، ورغم أنه لم يكن شديد الشبه بعبد الناصر، صوتا وصورة، فصوت أحمد زكى أكثر خشونة، إلا أنه أستطاع أن يؤمم شخصية عبد الناصر لدرجة أزاحت صورة عبد الناصر الحقيقية، فبات فى المخيلة العامة عبد الناصر هو تلك الشخصية التى أداها أحمد زكى فى الفيلم، ربما لأنه نجح وبشكل باهر فى التعمق داخل الشخصية واستحضار روحها ودوافعها ومشاعرها، وهو ما لم يفعله فى السادات حيث اهتم بالمكياج وحركة فكه أكثر من كل ذلك.

بالطبع دور عبد الناصر أصعب من دور السادات، حيث كان يتمتع بكاريزما خاصة ونظرة عين متوهجة ذات حضور طاغ، وفى الوقت نفسه لا يتكلم بشكل مفتعل تمثيلى كما يفعل السادات، مما يجعل تشخيصه أصعب وأكثر تعقيدا، حتى أن يوسف شاهين كان دائم التصريح بأنه طمح كثيرا لصناعة فيلم عن عبد الناصر إلا أنه لم يجد الممثل الذى يمتلك نظرة بها السحر ذاته الذى أسر المصريين. ليس هذا السبب الوحيد لعدم قبول المشاهدين لمن قاموا بدور عبد الناصر لاحقا، فأحمد زكى نفسه أضاف مزيدا من الصعوبة لمن أتوا بعده. أعتقد أن خالد الصاوى أدى دوره فى الفيلم الذى أخرجه السورى أنور القوادرى بشكل ممتاز أيضا إلا أن زكى كان قد سجل الدور باسمه.

حقق فيلم ناصر 56 نجاحا باهرا فى وقتها، كانت كل دور السينما كاملة العدد ، وقد بدا الأمر مفاجئا ،حيث أن السينما فى التسعينيات كانت تمر بأزمة طاحنة. أزعج هذا النجاح السلطات حينها،  فصدر أمر فوقى برفع الفيلم من  دور العرض فى عز نجاحه وامتلاء القاعات، كما لم يجد فيلم خالد الصاوى طريقه إلى دور العرض أو حتى إلى التليفزيونات وقتها، وبات النظام متخوفا من هذه الشعبية التى يلقاها فيلم عن عبد الناصر، على عكس الحفاوة التى قوبل بها فيلم أيام السادات، فـ«مبارك» ما هو إلا امتداد للسادات وسياساته ولا يزعجه أن يتم الترويج له، على عكس عبد الناصر.

كثيرا ما أعتقد أن بعض (الميميز) مثل تلك  التى تسخر من هزائم عبد الناصر تعبر فى كثير من الأحيان عن قدر من الجهل أو فى أفضل الأحوال التسطيح المخل،فالبعض ينسب له هزيمة 48، على أية حال، هُزم عبد الناصر بالفعل هزيمة ساحقة فى نهاية مشواره بعد عدد من النجاحات والانتصارات التى يصعب إنكارها، ومنها النصر السياسى فى 56 ورد المعتدين دون تحقيق أهدافهم.

انتهى فيلم ناصر 56 بخطبة عبد الناصر الشهيرة فى الأزهر مع بداية العدوان الثلاثى، أى أنه لم ينته بلحظة الانتصار ورد العدوان – سياسيا – واسترداد قناة السويس ثم بناء السد العالى، وكذلك لم ينته مع تأميم القناة وطرد الإنجليز. لم ينته الفيلم بلحظة نشوة كان من الممكن أن تشبه نهايات أفلام كفيلم «الطريق إلى إيلات»، بينما يحتضن الأبطال بعضهم البعض فرحا، بل بلحظة خوف وشجن وارتباك واستقواء بالناس، فى مشهد أداه زكى ببراعة، وهى نهاية تليق بمسيرة عبد الناصر المحفوفة بالمخاطرة والارتباك والشجن.

*نقلا عن: الصفحة الشخصية للكاتب على موقع فيس بوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: