فن

توفيق عبد الحميد.. هل يستجيب عزيز المصري لنداء جمهوره؟

قرر في بداياته أن يكون كما يريد وليس كما يفرض عليه السوق، ولأنه فنان موهوب ومبدع من طراز فريد، تعامل مع الفن بحب وشغف، فلم يقبل إلا الأدوار التي تشبع شغفه وتشعره بالمتعة، احترم فنه فقدره جمهوره حتى وإن تأخر هذا التقدير، وعندما ساءت الأمور وأصبح التسطيح والابتذال هو عنوان المرحلة احتجب بإرادته قبل أن يُحجب رغما عنه.

 

أدرك الفنان الكبير توفيق عبد الحميد مبكرا وقبل نحو 9 سنوات، أن الأمور تسير في اتجاه لا يمكن أن يسايره، فهو لا يستطيع أن يجاري آليات سوق الدراما والسينما في السنوات الأخيرة، لن تسمح له كرامته أن يطل على جمهوره كسنيد لأبطال مرحلة «الهلس»، أدرك أنه أكبر من ذلك، فأوى إلى بيته، انزوى يشاهد ويرصد ما يدور من تفاعلات في عالم الفن وفي المجتمع.

«أنا راجل مزاجاتى فن، أسعى للاستمتاع بالتمثيل، ولست مظلوما وتوقفت برغبتى، مفيش حد موقفنى ولا معطلنى، أنا اللى اخترت، لأنى أريد دورا جديدا أعيش معه فى حالة دهشة وقلق»، هكذا لخص عبد الحميد أسباب ابتعاده عن الفن في حوار أجرته معه الزميلة زينب عبد اللاه قبل شهور لمجلة «عين»، فالرجل توقف بإرادته منذ أن قدم مسلسل «سى عمر وليلى أفندى» عام 2010، رغم أنه تلقى العديد من العروض لكنه رفضها لأن التمثيل بالنسبة له حالة استمتاع، «دائما أبحث عن الدور الذى أشعر بالاستمتاع وأنا أؤديه، فيشغلنى طوال الوقت ويجعلنى أفكر فى الشخصية وأستغرق فى تفاصيلها ومحاولة اكتشاف أسرارها».

لحظة حنين

يبحث عبد الحميد ومن على شاكلته عن قيمة يضيفونها إلى رصيد فنهم، فلما تراجعت القيم وغاص الفن في وحل «الهلس»، توقف توفيق ورفاقه حتى يتبين الجمهور الغث من السمين ويقرر الخروج من المستنقع الذي حاول تجار «الرُخص» أن يدفعوهم إليه.

وفي لحظة تشبع فيها الجمهور من «التفاهة»، وشعر بآلام الفقد بعد غياب نجوم كبار مثل نور الشريف ومحمود عبد العزيز وفاروق الفيشاوي، ظهر عبد الحميد في افتتاح المهرجان القومي للمسرح قبل أيام، فكشفت اللحظة حنين الناس إلى الإبداع الحقيقي.

في مواجهة هذا الجمهور لم يتمالك توفيق نفسه، وتسربت دموعه وهو ينظر إلى القاعة التي تصفق له وتهتف باسمه، ولسان حاله: «من هؤلاء؟ وهل هناك من لايزال يتذكرني؟»، زاغت عيناه وهو يتفحص قاعة المسرح، فتعالى الهتاف واشتد التصفيق فانهمرت الدموع وانحنى المسرحي العظيم ليحيي جمهوره كما اعتاد أن يفعل منذ سبعينيات القرن الماضي.

شخصيا لم اتمالك نفسي وأنا أتابع هذا المشهد، فلهذا الفنان في قلبي مكانه خاصة، اعتبره امتدادا لعظماء التمثيل في مصر، احترمت احتجابه خلال الفترة الماضية، لأنني مثله غير راض عما يقدمه صناع الدراما والسينما، وكما هجر هو موقعه كممثل هجرت أنا موقعي كمشاهد، رغم أنني من عشاق الدراما.

قبل 7 سنوات، تحديدا في أول ديسمبر 2012، وبينما كان ميدان التحرير يمتلئ بالمتظاهرين الرافضين للإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الراحل محمد مرسي المطالبين بإعادة تشكيل اللجنة التاسيسية للدستور، لمحت على أحد أرصفة الميدان توفيق عبد الحميد، اقتربت لأسلّم عليه، فقطعت الطريق علي زميلة صحفية ذهبت إليه لتحصل منه على تعليق بشأن مطالب الميدان في هذا اليوم، فطلب منها أن تتحدث مع شباب ثورة يناير هم أولى منه وهم من يستحقون أن يُسلَّط الضوء على وجهات نظرهم «هم المستقبل.. أسألوا المستقبل».

مشوار

في خريف 2001، أعاد مسلسل «حديث الصباح والمساء» اكتشاف توفيق الذي أدى شخصية عزيز أفندي المصري، المواطن والزوج والأب والأخ، المتصالح مع ذاته ومع من حوله. وبفضل إتقان عبد الحميد لدوره، تعلقت القلوب بشخصية عزيز أفندي التي صنعها الأديب الكبير نجيب محفوظ، وأعاد بناءها وتضفيرها مع باقى شخصيات الرواية المبدع محسن زايد، وظل الجمهور يتتبعه حتى جاء دوره في متوالية «الحياة والموت» التي بنى عليها محفوظ روايته فأسلم الروح وهو ساجد فوق سجادة صلاة في صباح يوم من أيام الخريف في بيت الغورية.

 انطلق بعدها ذلك الفنان ،الذي عافر 20 عاما قضاها فيما سماه «محنة عنق الزجاجة»، ليقدم أدوار الدكتور رياض فى «أين قلبى»، وكمال أبو العزم فى «حضرة المتهم أبى»، وحسن عوف فى «كفر عسكر» وغيرها عشرات الأدوار التي أحبها وحاول اكتشاف أسرارها  فصنعت منه نجما يزاحم الكبار.

درس عبد الحميد القانون تلبية لرغبة والده، وخلال دراسته بجامعة عين شمس نهاية سبعينيات القرن الماضي مارس هوايته على مسرح الجامعة، وحصل على جائزة ممثل أول على مستوى جامعات مصر، وبعد تخرجه عام 1979 قرر احتراف التمثيل فالتحق بمعهد الفنون المسرحية.

لفت توفيق عبدالحميد أنظار أساتذته وأشادوا بموهبته ورشحه ممدوح الليثى الذى كان يقوم بالتدريس بالمعهد للمشاركة فى أول عمل تليفزيونى له عام 1980، وهو مسلسل «الوليمة» مع عدد من عمالقة الفن ومنهم تحية كاريوكا وعماد حمدى وكريمة مختار، وتوقع الجميع أن يكون ذلك بداية مشوار النجومية للشاب الموهوب، ولكن ذلك لم يحدث.

ويروي عبد الحميد عن أصعب فترة فى حياته في حواره مع الصحفية زينب عبد اللاه فيقول: تم ترشيحى لبطولة رواية «الكلمنجية» المسرحية عام 1981، ولكن توقف إنتاجها بعد اغتيال السادات، كما شاركت فى مسلسل «لا إله إلا الله»، ورغم ذلك بدأت بعدها محنة مرحلة عنق الزجاجة التى استمرت لمدة 20 عاما، لم أبدأ خلالها مشوار النجومية كما كان متوقعا، وترجع أسباب ذلك للآخرين أحيانا وبعضها لى لأننى لم يكن لدى تجربة.

تعلم عبد الحميد خلال تلك  السنوات العجاف الغنى بالاستغناء «أوقات كتير كنت عاوز ومش طايل، فمكانش أمامى غير إنى أستغنى وأرضى بالمتاح، وكنت أحلم باليوم الذى يعترف فيه الناس بموهبتى».

يعزو عبد الحميد أسباب تأخر انتشاره ونجوميته إلى أشياء هو مسئول عنها وأخرى للظروف، «لكن كان عليّ أن أكتسب الخبرة وأدفع الثمن حيث دخلت الوسط الفني بلا وساطة وبلا ظهر استند عليه، وهذا الثمن أخرني لأنه كان مرتفعا، فقد دخلت الفن بقناعات أن الموهبة والدراسة هما الأهم، ولكن ذلك لم يكن واقعيا فهناك أشياء أخرى تتدخل في هذا الموضوع»،  كما قال في حوار مع جريدة «الاتحاد» الإماراتية عام 2005.

وأضاف فى حواره مع الاتحاد: كان عليّ التصالح مع الوسط الفني وإحداث توازن بين قوانينه دون أن أخسر نفسي، والتزمت بالصبر وطول النَفَس والإجادة وكنت دائما متصالحا مع نفسي حتى وصلت لما أردت رغم أن كثيرين من أساتذتي تنبأوا لي بالنجومية منذ بداياتي.

عُين عبد الحميد بالمسرح الحديث مطلع الثمانينيات، وشارك في تمثيل عدد من المسرحيات على المسرح القومي منها «رابعة العدوية» و«مجنون ليلى»، وتميز في دور محمد علي باشا في المسرحية التاريخية «رجل القلعة»، ولم يقدم في تلك الفترة سوى عملين دراميين، حتى تم ترشيحه لدور عزيز المصري في مسلسل «حديث الصباح والمساء» عام 2001، ليتحول هذا الدور إلى منصة انطلاق لنجومية هذا الفنان، ليقدم بعده دور الدكتور شلبي في «أميرة في عابدين»، ويشارك عام 2002  فى مسلسل قاسم أمين ويقدم دور الشيخ محمد عبده، كما أدى دور فكري أباظة فى مسلسل «أم كلثوم».

تولى توفيق عبدالحميد منصب، مدير المسرح القومى ورئيس البيت الفنى للمسرح، قبل ثورة يناير، وبعد الثورة كلفه الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة حينها بمنصب رئيس قطاع الإنتاج الثقافى بالمسرح واستقال فى المرتين، لاصطدامه بالبيروقراطية التي سيطرت على وزراة الثقافة، ولإيمانه بأن المنصب وسيلة لتحقيق أهدافه وليس غاية، وعندما أيقن أنه لن يتمكن من تحقيق ما حلم به غادر منصبه.

في 2014 تم ترشيحه مرة أخرى لمنصب رئيس قطاع الإنتاج الثقافى، فاتهمه بعض الخبثاء بأنه ينتمي إلى «الخلايا النايمة» وذلك نتيجة خلافات قديمة، لم يعلق حينها على تلك الاتهامات ولم يخض المعركة لأنه «كلام لا يستحق الرد».

عاد توفيق بعد غياب اختياري استمر 9 سنوات، ليفاجأ بردة فعل جمهور كان في انتظار عودة قيمة مهمة، ويُفاجئ هو الجمهور بردة فعله التي كشفت حجم الحنين والحب. استقبال الفنان الكبير الذي تخطى عتبات المسرح القومي ووصل إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، دفع العديد من محبيه إلى مطالبته بالتغلب على مرضه، والعودة إلى فنه الذي أحبه وأخلص له، والمشاركة في تغيير ما لحق بالفن في السنوات الأخيرة.. فهل يستجيب؟

صور المقالة بعدسة الزميلة: دنيا يونس

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: