منوعات

إعلام داعش.. و«الشو الإرهابى».. ماكينة تغزو العقول

اعتمدت الجماعات الإرهابية وأبرزها تنظيم «القاعدة» على وسائل تقليدية ومحدودة لنشر أفكارها، قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والطفرة الإلكترونية التي بدأت تنتشر في مطلع الألفية الجديدة.

وفي خضم ثورة الوسائل الإلكترونية الحديثة والإعلام الجديد ظهر تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ليجذب الآلاف من البشر من مختلف الجنسيات والأعمار، ويعزى ذلك بشكل كبير إلى قدرة هذا التنظيم على صناعة مقاطع مرئية احترافية وترجمة أفكاره إلى معظم لغات العالم. فقد وضعت الجماعة الإرهابية الإعلام في المكانة ذاتها التي حظى بها القتال، ووفقًا لمصادر  التنظيم فإن صانعى المقاطع المصورة يتقاضون فى كثير من الأحيان أجراً أعلى من المقاتلين، إذ كان هدفهم -ولا يزال- غزو عقول الشباب أولا.. تمهيدًا لغزو الأراضي وبث الأفكار السامة.

عالم مواز

جذب تنظيم «داعش» الشباب من خلال خلق نوع من أنواع الفنتازيا ذات البعد الديني، فأنشأوا عالما موازيا يدَّعون فيه عودة «الخلافة» على أيديهم، حيث روجوا عبر شبكاتهم على الإنترنت أن المجتمع الذي أسسوه هو مجتمع مثالي، الجميع فيه متساوون ولا يوجد تمييز أو ظلم  ضد أحد – كما هو الحال في شتى أنحاء العالم- مع التركيز على أوضاع المسلمين المتدهورة لتفجير طاقة الغضب الموجودة لدى الشباب.

تتضمن العديد من المقاطع الداعشية مشاهد مؤثرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعن الغزو الأمريكي للعراق، وحرب اليمن، وغيرها من أزمات الشرق الأوسط، مع إضافة مؤثرات صوتية لأناشيد حماسية بأصوات تستجلب تعاطف المتلقي ورغبته في الانتقام، وبالتالي يكون ذلك مبررًا كافيًا لمستويات العنف غير المسبوقة التي وصل إليها داعش، لدرجة التباهي بالمذابح الجماعية للناس وعرض مقاطع احترافية لتلك العمليات الإرهابية.

«الشو» الإرهابى

وفقًا للصحفية والكاتبة الألمانية الجنسية المغربية الأصل «سعاد مخنت» التي أجرت لقاءات مع العديد من الجهاديين، فإن أي معركة تحتاج إلى ما لا يقل عن شخصين للتصوير، حيث  يمرر «الأمراء» بالجماعة ورقة للمصورين – بين الحين والآخر- مكتوب بها عنوان ما، وبمجرد الاستلام يتوجه المصور للموقع لإنجاز مهمته ربما دون أن يعرف أي تفاصيل.

أما في حالات الإعدام الانتقائية فيوجه المصور تعليمات لمنفذ الإعدام موضحا متى وكيف يحرك سيفه ليأخذ اللقطة التي يريدها، وبالتالي كأي مشهد سينمائي يكون هناك نص، وأحيانًا يتم إعادة المشهد أكثر من مرة حتى يصل المصور إلى الزاوية والصورة المطلوبة وعندها يعطي الإشارة إلى المنفذ لذبح الضحية، ثم يضيف المؤثرات المعتادة والأناشيد الجهادية لتصوير الضحايا على أنهم كفار نالوا ما يستحقون.

بطولات وهمية

يخوض الشباب تلك الصراعات بحثًا عن معنى لحياتهم وتأكيدًا لذواتهم، حيث يختار مصممو المقاطع عناوين مثل «غرباء» أو «المختارون» وغيرها مما يُشعر المتلقي بالتميز، حيث يخبرونه أنه ليس شخصًا عاديًا وإنما بطلًا منقذًا للإسلام بل والعالم بأسره، وزرع أفكار كتلك تفقد الحياة قيمتها أمام الشعور بالبطولة والتحقق، تمامًا كالأبطال الخارقين في الأفلام.

ولتحقيق هذا الهدف فإن بعض المقاطع يتم تصويرها على طريقة ألعاب الفيديو، حيث يتم التركيز على السلاح دون أن يظهر حامله. ويبدأ الشخص في إطلاق النار على كل من حوله، وهو ما يجعل المشاهد يتوحد مع القاتل، وكأنه هو من يمسك السلاح، ما يجعل الأمر بأكمله يبدو كلعبة مثيرة وممتعة، ولكنها ليست افتراضية وإنما واقعية، ما يجعل الأمور أكثر إثارة في ذهن المراهق الذي يريد استكشاف هذا العالم الغامض.

ثقافة الموت

نجحت استراتيجية داعش الدعائية في التغلغل داخل عقول الشباب والمراهقين في كثير من الأوساط والمجتمعات، وعادة ما يصدم الأهالي في أولادهم عند اكتشاف تورطهم في أنشطة إرهابية، خاصة مع صغر سنهم وعدم وجود أي خلفية إسلامية أو حتى تغير ملحوظ في طبيعة شخصياتهم، مثل قصة الفتاة الألمانية «ليونورا» التي عرض فيلم وثائقي عن تجربتها على محطة «دويتشه فيله».

حيث قررت الفتاة بكامل إرادتها ودون علم أهلها في سن الخامسة عشرة الانضمام إلى داعش، وكانت فتاة عادية تعيش حياتها الأوربية و تملك قناة على «يوتيوب» لإعطاء نصائح بخصوص مساحيق التجميل، ولكن نجح أحد عناصر داعش في إقناعها بالتخلي عن كل شىء والهرب إلى سوريا، لتتحول إلى الإسلام وترتدي النقاب وتصبح زوجة – الألماني أيضًا – «نهاد أبو ياسر» الثالثة، وتعيش لمدة أربع سنوات حياة أبعد ما تكون عن كل ما نشأت عليه إلى أن عادت هي وزوجها واسمه الحقيقي «مارتن ليمكي» إلى ألمانيا، بهوية ممزقة أكثر من ذي قبل، وبمخاوف متبادلة سواء من مجتمعهم تجاه خطورة السماح لهم بالعيش بينهم، أو منهم هم لصعوبة التكيف على الحياة العادية مرة أخرى.

 بالنسبة لداعش فإن الإنتاج الإعلامي الغزير وترجمته إلى مختلف اللغات ورسم صورة خيالية لعالم غير موجود كان الخطوة الأهم في توسعهم، وعلى الرغم من أن معظم من قضوا ما يكفي من الوقت هناك أدركوا حجم الكارثة التي حلت بهم، إلا أن من يقع في شرك دعايتهم وينضم إليهم إما أن يقتل أو ينجو بمعجزة، ولكن بعد أن يكون قد تورط بشكل يصعب معه العودة مرة أخرى إلى حياته السابقة.

ثقافة داعش ومن على شاكلتها من الجماعات الإرهابية ثقافة موت، فمن النادر أن يخرج أحدهم من تجربة كتلك مع احتفاظه بالتوازن والرضا و«السوى» النفسي، حيث حكى كل من ذهبوا أهوالا لا تخطر ببال أحد قط، وبينما قُضي على كابوس دولة داعش، إلا أن العالم كله مازال في مأزق حرج أمام قضايا العائدين من سوريا، حيث يرغب العديد منهم في الاندماج في مجتمعاتهم مرة أخرى، بينما تعتبرهم دولهم قنابل متحركة على وشك الانفجار في أي لحظة، وهو ما يعني أنه -حتى مع هزيمة داعش على الأرض- سيظل العالم يعاني من عواقب أفكارها الإرهابية لمدى زمني غير معلوم.

المصادر: 

Cyberjihad – VPRO documentary – 2016

ألمانية في دولة الإرهاب | وثائقية دي دبليو – وثائقي داعش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock