منوعات

بلد الأبطال :السويس..مدينة تعرف قَدْرَها.. وتحب قَدَرَها

السويس.. مدينة البحر والجبل.. تعرف تاريخها.. وقَدَرَها.. يعرفها التاريخ، ويثمن قًدْرَها.. أبطالها مغمورون .. فدائيوها متواضعون.. مدينة بلا نصب تذكاري.. مدينة بها شوارع تحمل أرقاما، شوارع بلا أسماء، على كثرة أبطالها الشهداء منذ فجر التاريخ.

كان اسمها هيروبوليس، أثناء الحكم الإغريقي الروماني لمصر، وهيروبوليس تعني مدينة الأبطال، ومنذ ذلك التاريخ، أصبح هذا الاسم، صفة.. نبوءة.. وقَدَرًا.. أكثر من كونه اسمًا.

تتغير الأسماء، وتتبدل العصور، تقوم دول وتنهار ممالك، لكن السويس تظل دائما في ذاكرة التاريخ، تحمل نفس الاسم، الصفة.. النبوءة.. القَدَر.. «مدينة الأبطال»


موعد مع البطولات

في السادس عشر من أكتوبر عام 1973، كانت مدينة الأبطال على موعد جديد مع القدر.. فقد بدأت إسرائيل في تنفيذ «عملية الغزالة»، فعبرت القناة غربا عند منطقة الدفرسوار شمال السويس، فيما عُرف إعلاميا باسم «الثغرة»، عندما علمت القيادة الإسرائيلية بالاتجاه إلى صدور قرار بوقف إطلاق النار من مجلس الأمن، قامت بالتركيز على التقدم نحو السويس بأقصى سرعة، في محاولة للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة.. وفي الساعة السادسة وخمسين دقيقة من مساء الثاني والعشرين من أكتوبر، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 338 بوقف إطلاق النار، وكانت القوات الإسرائيلية على بعد 35 كيلومترا شمال السويس. 

وفي فجر يوم 23 أكتوبر انتهكت إسرائيل قرار مجلس الأمن رقم 338، فقد تقدمت فرقتان مدرعتان جنوبا في اتجاه السويس. وفي 23 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا جديدا رقم 339، بموعد جديد لوقف إطلاق النار، وهو الساعة السابعة صباحا يوم 24 أكتوبر.

عند منتصف ليلة 23/24 أكتوبر كانت القوات الإسرائيلية التي اندفعت في اتجاه الجنوب منذ فجر 23 أكتوبر قد أكملت ـ في ظل وقف إطلاق النار ـ الحصار حول مدينة السويس، وكان الإسرائيليون على ثقة بأن قواتهم المدرعة لن تلبث أن تقتحم السويس دون أي مقاومة، وأن عَلَمَهم سوف يرفع على مبنى المحافظة خلال بضع ساعات من بدء الهجوم، إذ أن السويس- حسب معلوماتهم – كانت خالية من القوات العسكرية إلا من بعض الجنود الشاردين الذين دخلوها عقب المعارك الأخيرة، وكان تقدير الإسرائيليين أن الروح المعنوية لهؤلاء الجنود بالطبع ضعيفة. ولذا اعتقد الجنرال «أدان» ـ قائد الفرقة المدرعة الإسرائيلية التي تحاصر السويس ـ انه سيدخل المدينة وأنه سيكون لسقوطها دوي سياسي هائل على المستوى العالمي، مما سيحقق له شهرة واسعة ومجدا ذائع الصيت.

الجنرال «أدان»

حرب نفسية

ولم تكتف القوات الإسرائيلية بحصار السويس من كل الجهات برا وبحرا، بل عمدت إلى توجيه أقسى أساليب الحرب النفسية ضد سكانها، بقصد ترويعهم والضغط على أعصابهم لحملهم على التسليم. ولهذا قامت بقطع ترعة السويس المتفرعة من ترعة الإسماعيلية والتي تغذي المدينة بالمياه الحلوة، كما دمرت شبكة الضغط العالي التي تحمل التيار الكهربائي من القاهرة إلى السويس، وقطعت بعد ذلك أسلاك الهاتف التي تربط المدينة بالعالم الخارجي. وكانت القيادة الإسرائيلية على يقين بان أهل السويس سوف يقابلون دباباتها ومدرعاتها بالأعلام البيضاء حال ظهورها في الشوارع، بعد أن أصبحوا في هذه الظروف المعيشية التي لا يمكن لبشر أن يتحملها، فلا مياه ولا طعام ولا كهرباء ولا معدات طبية أو أدوية للمرضى والمصابين، ولا اتصالات هاتفية مع الخارج. 

وفضلا عن ذلك ركزت مدفعية العدو قصفها العنيف على  الأحياء السكنية، وانطلقت طائراته تملأ سماء المدينة لتصب على مرافقها ومنشآتها الحيوية وابلاً من صواريخها لتشعل في المدينة النار والدمار، وليقع تحت قصفها المدمر مئات من الشهداء وآلاف من الجرحى، حتى ضاق المستشفى العام بالجرحى والمصابين، وأصبحوا لفرط الازدحام يوضعون على الأرض في طرقات المستشفى، وكان الهدف من هذه الحرب النفسية الشرسة هو إقناع الجميع في السويس بأنه لا جدوى من المقاومة، وأن الحل الوحيد للخلاص من كل متاعبهم هو الاستسلام للغزاة.

كمين الأربعين

كانت هناك مجموعة من الأبطال الذين ينتمون لمنظمة سيناء لم يهدأ لهم بال ولم يغمض لهم جفن طوال ليلة 23، 24 أكتوبر. فقد خططوا لعمل عدة كمائن على مدخل السويس لملاقاة العدو. ولكن نظرا لضعف إمكاناتهم، فقد اتفقوا على الاكتفاء بعمل كمين عند ميدان الأربعين وآخر عند مزلقان الشهداء. وكانت المشكلة الرئيسية التي واجهتهم هي البحث عن السلاح المؤثر ضد الدبابات من المدى القصير والذي يصلح لقتال الشوارع، وهو القاذف آر بى جى 7، وهداهم تفكيرهم إلى التوجه إلى مخزن السلاح بالطابق الأرضي بالمستشفى العام، الذي تُحفظ فيه أسلحة الجنود الجرحى والشهداء، عسى أن يجدوا داخله بغيتهم. وعندما اعترضهم المخزنجي خوفا على عهدته فتحوا المخزن عنوة، وكانت فرحتهم الكبرى عندما عثروا على قاذف آر بى جى7 وثلاث قذائف. وكان هذا القاذف في يد الشهيد إبراهيم سليمان على موعد مع القدر.

وابتداء من الساعة السادسة صباحا بدأت الطائرات الإسرائيلية في قصف أحياء السويس لمدة ثلاث ساعات متواصلة في موجات متلاحقة وبشدة لم يسبق لها مثيل. وكان الغرض هو تحطيم أي مراكز للمقاومة داخل المدينة والقضاء على أي تصميم على القتال لدى أهل السويس.

وفي حوالي الساعة العاشرة والدقيقة الخمسين صباحا، تقدمت من محور المثلث، ثلاث موجات كل موجة كانت تتكون من 8 دبابات، وكل دبابة منها تتبعها عربة مدرعة، وعبرت القوة المدرعة منطقة المثلث، وأخذت تجتاز طريق الجيش في ثبات وتؤدة، وقد بلغت ثقة الإسرائيليين بعدم تجرؤ أحد من أهل المدينة على مقاومتهم إلى الحد الذي جعل قادة الدبابات يقفون جميعا ليشاهدوا من أبراج دباباتهم المفتوحة الشوارع التي يمرون من خلالها. و عندما وصلت الموجة الأولى إلى ميدان الأربعين، أطلق البطل/ محمود عواد، من طاقم الكمين الأول من منظمة سيناء، قذيفتين من قاذفه الصاروخي آر بي جي على الدبابة الأولى فأصابتها القذيفة الأولى إصابة سطحية، بينما طاشت القذيفة الثانية. وأسرع الكمين الثاني، الذي كان يتكون طاقمه من أفراد منظمة سيناء أيضا، ليأخذ موقعه عند سينما رويال، وأمسك البطل/ إبراهيم سليمان بالقاذف آر بي جي 7، وجلس القرفصاء بجوار المخبأ الذي كان يقع بين سينما رويال وسينما مصر، وطلب من زميله البطل/ محمد سرحان أن يعد له القذيفة، وعندما أصبحت الدبابة الأولى التي تتقدم الرتل على بعد حوالي 12 مترا من موقعه صوب إبراهيم سليمان القاذف بدقة نحوها وضغط على الزناد لتنطلق القذيفة وتستقر أسفل برج الدبابة التي اختل توازنها وتوقفت ومالت ماسورة مدفعها على الأرض. وانتقل البطل/ إبراهيم سليمان إلى الجانب الآخر من المخبأ ليطلق القذيفة الثانية على العربة التي كانت تتبع الدبابة، والتي كان يستقلها أفراد المظليين فاشتعلت فيها النار. 

الفدائي محمود عواد

كانت هذه اللحظات القصيرة هي نقطة التحول في المعركة. ففي الوقت الذي توقفت فيه مدرعات الموجة الأولى أمام قسم شرطة الأربعين بتأثير المفاجأة، خرجت حشود من الجنود والمواطنين إلى الميدان والشوارع المحيطة بقسم الشرطة، وأخذوا في إطلاق نيران بنادقهم ورشاشاتهم على أطقم الدبابات، بينما ألقى البعض بقنابله اليدوية داخل أبراج الدبابات التي أخذت تنفجر ويشتعل بعضها بالنار حتى تحولت المنطقة إلى قطعة من الجحيم. 

معركة الأربعين

أسرع بعض الإسرائيليين إلى مبنى قسم الأربعين ليتحصنوا داخله، وكان بينهم عدد من أشهر قناصة قوات الاحتلال ، ولم يكن أمام أبطال المقاومة إلا اقتحام القسم. في البداية، قام رجال الشرطة بمحاولتين بطوليتين لاقتحام قسم الأربعين، وإنقاذ الضباط والجنود الموجودين داخله من قبضة الإسرائيليين. قاد المحاولة الأولى الرائد نبيل شرف على رأس قوة من جنود قسم شرطة السويس وجنود وحدة قوات الأمن. وقاد المحاولة الثانية النقيب عاصم حمود على رأس قوة من جنود قسم شرطة السويس وبعض جنود قسم شرطة الأربعين. ولكن المحاولتين لم يصادفهما النجاح، واستشهد الضابطان ومعهما ستة من ضباط الصف والجنود.

وفي حوالي الساعة الرابعة مساء قررت مجموعة من أبطال المقاومة اقتحام قسم شرطة الأربعين. تقدم البطل/ إبراهيم سليمان، واعتلى سور القسم، لكن رصاص العدو كان أسرع منه، فسقط أعظم أبطال معركة السويس شهيدا على السور بعد أن أدى واجبه، وكانت قذيفته التي أطلقها في الصباح على الدبابة الإسرائيلية القائدة هي نقطة التحول التاريخية في معركة السويس، ليظل جسده الطاهر معلقا على السور حتى صباح اليوم التالي.. وفي نفس اللحظة يتقدم البطل/ أشرف عبد الدايم ليقتحم القسم من الأمام، ومن خلفه البطل/ فايز حافظ أمين يحميه ويغطي تقدمه، وبعد أن تحركا تحت ستار من نيران رشاش كل منهما، فتح العدو النيران عليهما، ليسقط البطل/ أشرف عبد الدايم شهيدا على سلم القسم، ويسقط البطل/ فايز حافظ أمين شهيدا بجوار الخندق داخل القسم، أما رابع هذه المجموعة من الأبطال الذين حاولوا اقتحام وتحرير مبنى قسم شرطة الأربعين، فكان الشهيد البطل/ إبراهيم محمد يوسف، الذي لم يكن عضوا بمنظمة سيناء، بل كان مواطنا عاديا من أبناء السويس، وقد تسلم السلاح للدفاع عن مدينته في التاسعة صباحا واستشهد في الثانية ظهرا. 

وظلت محاولات اقتحام السويس تتكرر لمدة خمسة أيام متوالية، حتى مساء يوم الثامن والعشرين من أكتوبر، دون أن يحقق العدو الصهيوني أي نجاح، وظلت السويس بأبطالها عصية على الاقتحام.

وتعجز الكلمات عن وصف القتال الذي دار بين المدرعات والعربات المدرعة، وبين الرجال والأطفال والنساء المسلحين بالإيمان والحماس، مواطنون عاديون، مجندون بسطاء، لكنهم أحبوا مدينتهم أكثر مما أحبوا حياتهم وأرواحهم.. أجل، أحبوا مدينتهم، مدينة البحر والجبل، السويس.. مدينة تعرف قَدْرَها جيدا.. قَدْرُها من قَدْرِ أبنائها.. وقَدَرُها أن تقدم الشهداء، وأن تصبح مدينة للأبطال.   

 

منظمة سيناء

هؤلاء الرجال الذين تحملوا العبء الأكبر في الدفاع عن السويس هم أعضاء منظمة سيناء، تلك المنظمة التي تكونت وبدأت العمل الفدائي ضد العدو في أوائل عام 1968. 

اقرأ أيضا:

إن  أعضاء هذه المنظمة الذين كان عددهم يبلغ خمسة عشر بطلا، قاموا بالمئات من العمليات الفدائية ضد العدو في شرق القناة، وكبدوه الكثير من الخسائر في المعدات والأرواح، وذلك طوال حرب الاستنزاف، ويكفى أنهم كانوا أصحاب أول هجوم في وضح النهار ضد الصهاينة. هؤلاء الأبطال الذين أطاروا النوم من أعين الصهاينة، كان العدو يعرف أسماءهم جيدا في إسرائيل، وبعضهم كان رأسه مطلوبا في تل أبيب، فقد نفذوا عمليات فدائية عظيمة ضد جيش الاحتلال. حتى انتهت حرب الاستنزاف يوم 8 أغسطس 1970 بإعلان  وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل «مبادرة روجرز».

ما عرضناه في هذا المقال يمثل جانبا واحدا من جوانب البطولات التي قام بها شعب السويس البطل. لقد عرضنا هنا لبطولات أبطال منظمة سيناء. ويبقى أن نسجل أن أبطال المقاومة الشعبية بالسويس كانت لهم بطولات لا يمكن إنكارها أو تجاوز ذكرها. وما ينطبق على منظمة سيناء وأبطال المقاومة الشعبية، ينطبق أيضا على جنود وضباط الجيش داخل السويس، وجنود وضباط الشرطة، وأهل السويس من رجال ونساء وأطفال، وعمال الشركات بالسويس. كل هؤلاء كانت لهم بطولات وقصص يجب أن تروى، حتى تظل في ذاكرتنا نحملها جيلا بعد جيل، فلا ينساها التاريخ.

كما نذكر بكل الفخار والاعتزاز كيف واجه أبطال السويس الحصار الذي دام لمدة مائة يوم في ظروف شديدة القسوة، يجب أن نحكي لأبنائنا وأحفادنا كيف عاش من كان بالسويس خلال هذه الأيام المائة، وهي في حد ذاتها بطولة لأناس قبلوا التحدي، وقرروا هزيمة عدونا الصهيوني في معركة البطون الخاوية. 

مادة وثائقية:

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: